الحمض النووي يكشف الأصل الكوردي لِبُناة موقع (ستونهينج Stonehenge) الأثري في جنوب غربي بريطانيا
د.مهدي كاكەيي
بول رينكون – محرر الشؤون العلمية – (بي بي سي BBC) أظهرت دراسة حديثة تمّ نشرها في المجلة العلمية (Nature Ecology and Evolution) أن أسلاف الأشخاص الذين بنوا موقع “ستونهينج” الأثري الواقع في جنوب غرب إنگلترا، قد سافروا من كوردستان بإتجاه الغرب عبر البحر الأبيض المتوسط قبل الوصول إلى بريطانيا.قارن الباحثون الحمض النووي المستخرج من بقايا إنسان من العصر الحجري الحديث الموجود في جميع أنحاء بريطانيا، مع بشر كانوا يعيشون في نفس الحقبة الزمنية في أوروپا. يبدو أن سكان العصر الحجري الحديث قد سافروا من إقليم شمال كوردستان (الأناضول) إلى أيبيريا (إسپانيا والپرتغال) قبل أن يعرجوا شمالاً، ووصلوا إلى بريطانيا منذ نحو 4000 سنة قبل الميلاد.كانت الهجرة إلى بريطانيا مجرد جزء من توسع عام هائل لسكان كوردستان في الألفية السادسة قبل الميلاد، والتي كان لها الفضل في إدخال الزراعة إلى أوروپا. قبل ذلك، كان يسكن في أوروپا مجموعات صغيرة، رحالة تعتمد على صيد الحيوانات وجمع النباتات البرية والمحار. سلكت مجموعة من المزارعين الأوائل الكوردستانيين مسار نهر الدانوب حتى أوروپا الوسطى، لكن مجموعة أخرى سارت غرباً عبر البحر المتوسط.يكشف الحمض النووي أن البريطانيين من العصر الحجري الحديث ينحدرون إلى حد كبير من المجموعات التي سلكت طريق البحر الأبيض المتوسط، إما عبر المجيء إلى الساحل أو التنقل من جزيرة إلى جزيرة على متن قوارب. كما تبين أن بعض المجموعات البريطانية لديها قدر ضئيل من الأصول من المجموعات التي إتبعت طريق الدانوب.عند تحليل الحمض النووي للمزارعين البريطانيين الأوائل، وجد الباحثون أنهم يشبهون الناس من العصر الحجري الحديث من أيبيريا (إسپانيا والپرتغال). ينحدر هؤلاء المزارعون الإيبيريون من أناس سافروا عبر البحر المتوسط. سافر المزارعون المتوسطيون من أيبيريا، أو من مكان قريب منها، شمالاً عبر فرنسا. وربما دخلوا بريطانيا من الغرب، عبر ويلز أو جنوب غرب إنگلترا.بالإضافة إلى الزراعة، يبدو أن المهاجرين الكوردستانيين من العصر الحجري الحديث إلى بريطانيا قد أدخلوا تقليد بناء الآثار بإستخدام الأحجار الكبيرة المعروفة باسم “مغليث”، وما مَعْلَم “ستونهينج” في مقاطعة (ويلتشير) إلا جزء من هذا التقليد.على الرغم من أن بريطانيا كانت مأهولة بمجموعات من “الصيادين الغربيين” عندما وصل المزارعون الكوردستانيون منذ حوالي 4000 عام قبل الميلاد، إلا أن الحمض النووي يبين أن المجموعتين لم تختلطا كثيراً. استُبدل الصيادون البريطانيون بالمزارعين من العصر الحجري الحديث بشكل شبه كامل، بإستثناء مجموعة واحدة في غرب أسكتلندا، تطور أفرادها من أسلاف محليين.يقول الدكتور (توم بوث)، المتخصص في الحمض النووي القديم العامل في متحف التاريخ الطبيعي في لندن: “لم نعثر على أي دليل يمكن إكتشافه على الإطلاق لأصل الصياد الغربي البريطاني المحلي لدى المزارعين من العصر الحجري الحديث بعد وصولهم”. ويضيف قائلاً: “هذا لا يعني أنهم لم يختلطوا على الإطلاق، بل يعني فقط أنه ربما كان حجم المجموعة ممن اختلطوا أصغر من أن يترك أي نوع من الإرث الجيني”.يقول الپروفيسور (مارك توماس)، من جامعة كاليفورنيا في لوس أنگليس الأمريكية، إنه يفضل أيضاً الشرح الذي يعتمد “لعبة الأرقام”، إذ يرى أن المزارعين الكوردستانيين في العصر الحجري الحديث ربما إضطروا إلى تكييف ممارساتهم مع الظروف المناخية المختلفة أثناء انتقالهم عبر أوروپا، ولكن بحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى بريطانيا، كانوا قد تسلحوا “بالأدوات” التي جعلتهم مستعدين جيداً لزراعة المحاصيل في مناخ شمال غرب أوروپا.كما حللت الدراسة الحمض النووي لهؤلاء الصيادين البريطانيين، وكان أحد الهياكل العظمية التي حُللت هو هيكل “شيدر مان” الذي يعد أصل البريطانيين القدامى، ويرجع تاريخ بقايا هيكله إلى العام 7100 قبل الميلاد. كان قيد إعادة الهيكلة والترميم في متحف التاريخ الطبيعي العام الماضي، ويشير الحمض النووي إلى أنه، مثل معظم الصيادين الأوروپيين في ذلك الوقت، كان لديه بشرة داكنة وعينان زرقاوان. كما يُظهر التحليل الوراثي أن المزارعين الكورد من العصر الحجري الحديث، على النقيض من ذلك، كانت بشرتهم أفتح وعيونهم بُنيّة وشعرهم أسود أو بُنيّاً داكناً.مع اقتراب نهاية العصر الحجري الحديث، في حوالي سنة (2450) قبل الميلاد، تم إستبدال أحفاد المزارعين الأولين بالكامل تقريباً عندما هاجر عدد جديد من السكان – أطلق عليهم إسم شعب (بيل بيلكر)- من البر الرئيسي لأوروپا. لذلك، شهدت بريطانيا تحولاً جينياً شديداً في غضون بضعة آلاف من السنين.يقول الپروفيسور (توماس) إن هذا الحدث الأخير حدث بعد إنخفاض عدد سكان العصر الحجري الحديث، سواء في بريطانيا أو عبر أوروپا. وحذر من التفسيرات المبسطة التي تعتمد على فكرة الصراع. وقال إن التحولات جاءت في النهاية إستجابة لعوامل “اقتصادية” تتعلق بأنماط الحياة الأكثر ملاءمة للاستفادة من المكان والأرض، بينما أوضح الدكتور (بوث) أنه: “من الصعب معرفة ما إذا كان لكلتا الموجتين من التحولات الوراثية أية قواسم مشتركة، إذ أنهما نوعان مختلفان للغاية من التغيير. وهناك تكهنات بأنهما إلى حد ما نتيجة إنهيار في عدد السكان، لكن الأسباب المقترحة لكل من الحالتين مختلفة، لذلك يمكن أن يكون الأمر بِرمته مجرد صدفة”.ملاحظة: الصورة العلوية: موقع (ستونهينج) الأثري.الصور السفلية من اليسار الى اليمين:1. إعادة بِناء لِإمرأة من العصر الحجري الحديث في منطقة ساسيكس. ملامح هذه الإمرأة هي ملامح كوردية. الكثير من النساء الكورديات في الوقت الحاضر لا يَزَلْنَ يُشبِهْنَ هذه الإمرأة التي هي سلفتُهُنّ.2. إعادة هيكلة “شيدر مان” الذي يعد أصل البريطانيين القدامى.المعلومات مأخوذة من الصفحة الالكترونية لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) من خلال الرابط التالي:https://www.bbc.com/arabic/art-and-culture-47956700

