هل من الممكن تحرير كوردستان؟
الدكتور مهدي كاكەيي
هناك مَنْ يعتقد بإستحالة تحرر كوردستان بسبب تقسيم كوردستان وتعاون الدول المُغتصِبة لكوردستان وعدم رغبة الدول الكبرى في أن تنال كوردستان إستقلالها وبسبب موقع كوردستان الجيوسياسي. خلاصة القول أنهم يعتقدون أن العوامل الخارجية هي التي تمنع قيام دولة كوردستان ويشيرون على سبيل المثال تعاون الدول المغتصِبة لكوردستان فيما بينها في مساعدة العراق في إحتلال العراق لِكركوك وخانقين وغيرهما من المدن والمناطق الكوردستانية بعد إجراء إستفتاء إستقلال إقليم جنوب كوردستان وبمباركة أمريكية وأوروپية. إنّ هؤلاء يهملون العامل الكوردستاني الذاتي الذي هو أهم بكثير من العامل الخارجي. إنّ وضع مسؤولية عدم تحرر كوردستان على عاتق محتلي كوردستان والدول الكبرى، يُشكل خطراً كبيراً على النضال الكوردستاني وتحرر كوردستان، حيث أنّ القيادات الكوردستانية الفاشلة والمهزومة، كلما تنهزم وتفشل، تُلقي بمسؤولية هزائمها على عاتق القوى الخارجية وتُبرّئ نفسها من التسبب في هذه الهزيمة والإندحار وتتنصل من المسؤولية. الدول المحتلة لكوردستان بِدورها تبثّ فكرة إستحالة تحرر شعب كوردستان من الإستعمار الإستيطاني لِزرع روح الهزيمة والإستسلام في نفوس شعب كوردستان. هكذا تلتقي الحرب النفسية للدول المحتلة لكوردستان ضد شعب كوردستان مع إدّعاءات القيادات الكوردستانية لبثّ روح اليأس في نفوس شعب كوردستان والإستسلام لواقع كوردستان والقبول بالإحتلال والتجزئة و في نفس الوقت لتبرئة القيادات الكوردستانية من فشلها وتسببها في الواقع الكارثي لشعب كوردستان وهذا هو أخطر إستراتيجية للمحتلين لجعل شعب كوردستان يستسلم للأمر الواقع ويُنهي نضاله التحرري وبذلك ينعم المحتلون بالأمن والأمان ويستمرون في إذلال شعب كوردستان ونهب ثرواته، دون أية مقاومة.إنه صحيح، مهما صرخ وإستغاث شعب كوردستان وأهاب بالمحتلين والقوى الكبرى، لا يستجيب لندائه أحد ولا يمكن تحرير كوردستان بالإستغاثة والبكاء والعويل الذي لا يُغيّر من الواقع شيئاً. في السياسة، ليست هناك عداء وصداقات ثابتة، بل أن العلاقات السياسية بين الشعوب والدول مبنية دائماً على المصالح وهذا يعني أن الدول الكبرى لا تكره أو تُحب شعب كوردستان، بل ترسم سياساتها على ضوء مصالحها، ولذلك متى إلتقت مصالح هذه الدول مع مصالح كوردستان، تكون صديقة لكوردستان ومتى تنافرت مصالحهما، تصبح عدوة لكوردستان.قلنا البكاء والعويل لا قيمة لهما في السياسة ولا يؤثران على سياسة الدول الإقليمية والدولية تجاه شعب كوردستان، إلا أن الظروف الذاتية لشعب كوردستان لها التأثير الحاسم على سياسة هذه الدول فيما يتعلق بالقضية الكوردستانية، حيث أنه كلما كانت كلمة الكوردستانيين موحدة وكلما كانت كوردستان قوية سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً وثقافياً وإجتماعياً وإعلامياً، كلما تهتم الدول الكبرى بها وكلما تقترب من الإستقلال.العامل الداخلي هو العامل الحاسم ولنأخذ كمال أتاتورك كمثال، إنه كان ذكياً وشجاعاً، حيث أنه إستغل الكورد في محاربته للروس واليونانيين والأرمن خلال الحرب العالمية الأولى وإتفق مع البريطانيين والفرنسيين على إشاعة الثقافة الغربية في تركيا وهجر الأبجدية العربية وأحلّ محلها الأبجدية اللاتينية ولوّح للحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى بأنه سوف يتحالف مع الشيوعيين الروس الذين إستلموا الحُكم هناك وبهذه السياسة الحكيمة إستطاع أتاتورك إلغاء معاهدة سيفر وإحلال معاهدة لوزان محلها. لولا ظهور أتاتورك، لَكانت تركيا الآن دولة صغيرة، تشمل فقط مدينة أنقرة ومحيطها. كما نرى أن الظروف الداخلية التركية أثّرت على العوامل الخارجية وغيّرت جذرياً مواقف دول الحلفاء تجاه تركيا. هكذا بالنسبة لكوردستان، كلما أحزابها تتحارب فيما بينها ويفتقر الكورد الى مرجعية سياسية وعسكرية موحدة ويفتقرون الى لغة مشتركة وتسود الأمية والجهل والفساد في المجتمع الكوردستاني، كلما تهملها الدول الكبرى وكلما تطمئن محتلو كوردستان على قدرتهم في الإستمرار في إغتصاب كوردستان ونهب ثرواتها. لذلك نقول بأنّ مفتاح تحرير كوردستان بيد شعب كوردستان نفسه وأنه قادر على تغيير مواقف الدول الكبرى لصالحه إذا توحّد ونظّم نفسه.تبلغ نفوس شعب كوردستان أكثر من 50 خمسين مليون نسمة، فهو ثاني أكبر قومية في منطقة الشرق الأوسط بعد العرب، بل أنه أكبر شعب في المنطقة إذا أخذنا بِنظر الإعتبار أن الغالبية العظمى من الذين يُطلَق عليهم “عرب” هُم في الحقيقة كورد وأمازيغ ونوبيون وأقباط مستعربون. هكذا يستطيع شعب كوردستان أن يلعب دوراً محورياً في منطقة الشرق الأوسط. من مقومات تحرير كوردستان هي تأسيس جبهة سياسية لتكون مرجعية سياسية لشعب كوردستان وبناء جيش موحد وإيجاد أبجدية موحدة وتأسيس هيئة إعلامية مشتركة ورفع شعار إستقلال كوردستان والذي يُخرِج القضية الكوردستانية من قضية داخلية للدول المغتصِبة لكوردستان الى قضية شعب يناضل من أجل إستقلال بلاده وكذلك تنظيم الجاليات الكوردستانية في الخارج لتكون لوبياً كوردستانياً قوياً هناك وفتح صندوق إستراتيجي لدعم النضال الكوردستاني مادياً وضمان الأمن الوطني الكوردستاني وتأسيس مجلس أمن وطني للتخطيط الإستراتيجي ورفع المستوى الفكري والعلمي والثقافي لمواطني كوردستان.بناء على ما تقدم، على شعب كوردستان أن ينتقد نفسه في عجزه في تحرير نفسه وبلاده وأن يُركّز على تطوير وتحسين ظروفه الداخلية التي هي مفتاح تحرره وأن يبتعد عن الإحباط وروح الإستسلام ومُعاتبة دول أجنبية، بل بالإرادة والتنظيم يحقق أهدافه كاملةً.بالنسبة الى الوضع الحالي لكوردستان، في الحقيقة أن الأحزاب السياسية الكوردستانية الحالية هي أحزاب كلاسيكية قد هرِمت وشاختْ وفسدتْ، إجتازها الزمن ولا تصلح لعصرنا الحالي، فهي شبه جاهلة وعاجزة عن مواكبة التطورات الإقليمية والدولية وأن عداءها لبعضها متجذّر في نفوس قياداتها ولا أرى هناك أي بصيص أمل في هذه الأحزاب لتحرير كوردستان، فمعظمها ترفع شعار العيش تحت ذل الإحتلال وحتى أن بعض الأحزاب منها تُعيب الفكر القومي الكوردي والفكر الوطني الكوردستاني وتعتبره جزءاً من الماضي.تعِب شعب كوردستان في نضاله ووهنتْ قواه ودفعَ بحاراً من دماء بناته وأبنائه وفقدَ مواطنوه بيوتهم وممتلكاتهم ومزارعهم وتسممتْ بلاده وتهدمتْ قُراها وبلداتها ومدنها وتمّ تهجير بناته وأبنائه وأنفلتهم خلال نضال طويل وشاق غير مثمر، سارتْ به قياداته السياسية من هزيمة الى أخرى. لا يمكن القبول بالواقع المأساوي لِشعب كوردستان ولا يمكن الإبقاء على الموت المستمر لبناته وأبنائه وموت هويته وثقافته ولغته وتراثه وتاريخه ومعتقداته وإستمرار تعريبه وتفريسه وتتريكه وتعريب وتفريس وتتريك أراضيه. لذلك فأنّ شعب كوردستان بحاجة الى تأسيس حزب عصري يضم كافة أجزاء كوردستان ويكون عموده الفقري الشباب والنساء ويرفع شعار إستقلال كوردستان ويرسم إستراتيجية التحرير ويحدد وسائل النضال. عاشت كوردستان حرة مستقلة.