لامبراطورية الميتانية والسؤال عن الكرونولوجيا المطلقة: بعض الاعتبارات الأثرية. * الجزء(1)
اميركو نوفاك **ترجمها من الأنكليزية د. نضال محمود حاج درويش***
1-المقدمة:عندما بدأ الملك الحثي خاتوشيلي الأول غزواته في شمال سورية ظهر ملك خوري من بين أحد خصومه الأقوياء. يعتقد أغلب الباحثين بأن هذا الشخص هو أحد الحكام الأوائل للاتحاد الميتاني الذي ظهر لاحقاً (الشكل 1)[1]. وبذلك فان تشكيل هذه المملكة القوية يجب أن يكون قد حدث خلال الفترة المتأخرة من العصر البابلي القديم، في فترة سبقت الغزو الحثي -بقيادة مورشيلي الأول[2] (حفيد خاتوشيلي)- لمدينة بابل بجيلين (الشكل 2)[3]. وإذا نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر أثرية فانه يجب أن يكون هناك تداخل كبير بين ما يسمى بالعصر البابلي القديم والعصر الميتاني في شمال بلاد الرافدين، على الرغم من إن العصرين يظهران في الخرائط المتعلقة بالكرونولوجيا على انهما عصران متعاقبان مع وجود فراغ بين الفترتين.لم يتمكن علماء الآثار حتى الوقت الراهن من تحديد الكرونولوجيا وتتبع طبقات العصر البابلي القديم وكذلك الطبقات الأثرية من المرحلة المبكرة من العصر الميتاني في مواقع منطقة الخابور والتي كانت تشكل قلب المملكة الميتانية[4]. وسبب هذه المشكلة ربما يكمن في إنه لم يتم التنقيب في العواصم الرئيسية للميتانيين أو لم يتم التنقيب بشكل كبير، إضافة إلى ذلك لم يتم التأكد حتى الوقت الراهن من تحديد موقع العواصم السياسية واششوكاني (Waššukanni)[5] وتائيدو (Taidu)[6] وإريدي (Irride)[7] .الموقع الوحيد في هذه المنطقة والذي يلقي الضوء على المرحلة الانتقالية من العصر البابلي القديم والعصر الميتاني هو تل براك (ناكار القديمة /Nagar)، ولكن يوجد موقعان أثريان على حواف الامبراطورية الميتانية يوفران أفضل الادلة الأثرية على التسلسل الزمني للعصر الميتاني: نوزي (حالياً يورطان تثة 12 كم جنوب كركوك) والالاخ (تل عطشانة) في هاتاي (قرب مدينة انطاكية) ، تم التنقيب في الموقعين في العشرينات والاربعينات من القرن العشرين.وقد ظهرت طبقات أثرية من العصر الميتاني في بعض المواقع التي تم التنقيب فيها في السنوات الأخيرة. في أم المارة بين حلب وإيمار (مسكنة) عثر ضمن بعض طبقات الموقع على قطع من فخار نوزي، إضافة إلى لوح مسماري يعود إلى عصر توشراتا الثاني وهو يحمل طبعة ختم الملك الميتاني ساوشتاتار[8]. وقد عثر على طبعة نفس الختم في تل بازي في منطقة الفرات الأوسط بسورية[9]. كما عثرت على طبقات من العصر الميتاني في إيكالتيه (تل منباقة في منطقة الفرات الأوسط بسورية)[10] وإيمار[11] ترقا (تل العشارة 60 كم جنوب شرق دير الزور)[12] على طول نهر الفرات، ولكن البيانات من هذه المواقع لم تقدم لنا ما يمكن الاعتماد عليه بالنسبة للكرنولوجيا المطلقة[13]. ولكن ربما يتغير هذا الوضع في المستقبل. وهكذا فإن مساهمة ميتاني في مناقشة مسألة الكرونولوجيا المطلقة [14]يبدو محدوداً للغاية على الرغم من إنه يشكل أحد مفاتيحه.بعض التقييمات الحديثة للقى الأثرية في كلا الموقعين ربما يساعد في الحصول على بعض المؤشرات لطول فترة العصر ميتاني.2- نوزينوزي مدينة متوسطة الحجم (الشكل 3) وكانت تابعة لمملكة أرابخا (كركوك الحالية) أحدى الممالك التابعة للإمبراطورية الميتانية، إلى الشرق من وسط دجلة بالقرب من سفوح زاكروس. تركز التنقيب في القسم الأعلى من المدينة والذي كان يسمى باللغة الخورية كيرخو kerḫu[15]. عثر في هذا المكان على معبد وقصر ومخزن وأجزاء من ثلاثة بيوت خاصة وقد تم دراسة التسلسل الطبقي بشكل مفصل في هذا المجال. أفضل مرحلة تم التنقيب فيها هي الطبقة II من المدينة مع المعبد A المعاصر، حيث عثر على فخار نوزي المتميز بلونه الأبيض على خلفيته السوداء (الشكل 4)[16]. وبالرغم من اكتشاف آلاف الألواح المسمارية فإنه يوجد دليل تاريخي واحد مباشر لتأريخ الطبقة وهو ختم الملك الميتاني ساوشتاتار. ربما تم استخدم الطبقة II من قبل أربعة أو خمسة أجيال، أي حوالي مئة عام[17]. اظهر تقييم التسلسل الزمني للطبقة II من قبل الباحثة ديانا شتاين بإن تدمير هذه الطبقة يعود إلى سنة 1340 ق.م، بحيث يمكن تأريخ بداية الطبقة إلى سنة 1440 ق.تظهر اللقى الأثرية من الطبقة 3 (III) والتي وجدت مباشرة أسفل الطبقة 2 (II) تشابهاً كبيراً مع بعضها البعض، الفرق الوحيد بين هاتين الطبقتين هو عدم وجود فخار نوزي في الطبقة III[19] ، ربما يشير هذا الأمر إلى إن ظهور فخار نوزي لم يكن قبل منتصف القرن 15 ق.م. وإن بداية الطبقة III تعود أغلب الظن إلى الربع الأخير من القرن 16 ق.م، وذلك في حال كانت فترة استخدام هذه الطبقة مساوية لفترة استخدام الطبقة II التي أعقبتها. ربما تعود الطبقة 4 IV)) في الأسفل إلى نفس الفترة الزمنية التي تعود إليه المعبد F[20]. استناداً إلى اللقى التي المكتشفة في المعبد، تم تأريخ المعبد بالعصر البابلي القديم، وتم دعم هذا التأريخ بموجب التشابه الكبير بين فخار الطبقة IV والطبقة 7 ((VII التي تليها، والتي تعود إلى المرحلة المتأخرة من عصر سلالة أور الثالثة أو المرحلة المبكرة من العصر البابلي القديم[21]. مع ذلك توجد بعض التقاليد (بالنسبة للمخلفات الحضارية) التي تم تبنيها في الطبقة IV و III، مما يشير إلى استمرارية الاستيطان في الموقع.تميز الانتقال من العصر البابلي القديم إلى العصر الميتاني في نوزي بصفتين: الاولى هي إن أغلبية السكان هم من الذين كانوا يتحدثون باللغة الخورية ،والثانية هي تغيير تسمية المدينة من كاسور (Gasur) إلى نوزي، إضافة إلى ان نمط البناء يشير إلى استمرارية في التطور الحضاري[22]. على سبيل المثال تظهر عناصر معمارية من العصر البابلي القديم وعناصر من العصر الآشوري الوسيط والحديث. لا تقدم لنا طبقة المعبد أي دليل على أي تغيير من نهاية الألف الثالث، وتظهر المنازل بعض العناصر المعمارية من العصر القديم. لهذا يستبعد وجود انقطاع حضاري ولكن توجد فترة قصيرة في التسلسل الزمني من العصر البابلي القديم إلى العصر الميتاني. هذا الأمر يقودنا إلى تتبع التسلسل الزمني وتسلسل الطبقات الآتيمع ذلك في حال عدم وجود تداخل كبير بين العصر البابلي القديم (في بابل) والمرحلة المبكرة من العصر الميتاني (في نوزي ومواقع أخرى في الشمال)- وهو أمر يجب أخذه في الحسبان-فأن مسألة الانتقال بين العصرين يجب أن لا تكون قد حدثت قبل النصف الثاني من القرن 16 ق.م.3- ناكار Nagarيقع تل براك على نهر الجقجق الأسفل، في المنطقة المسمى بمثلث الخابور، قلب مملكة ميتاني وهي معروفة باسم خانيكلبات[23]، ويمكن وصف تل براك على انه يمثل المدينة القديمة ناكار[24] التي ازدهرت في نهاية الألف الثالث، واحتفظت كذلك ببعض من أهميتها خلال الألف الثانيبدأت التنقيبات في تل براك في الثلاثينيات من القرن العشرين ومن الثمانينيات حتى الوقت الحاضر. وقد ثبت وجود استمرارية في الاستيطان في الموقع من الألف الثالث أو نهاية الألف الرابع حتى النصف الثاني من الألف الثاني. مع ذلك لم توفر لنا التنقيبات مساهمة مفيدة لمناقشة الكرونولوجيا المطلقة بالنسبة للفترة المبكرة من العصر الميتاني.في الحقل HH في الحافة الشمالية للتل تم تحديد التسلسل الطبقي والذي ضم بناء تألف من عشر طبقات امتدت من العصر البابلي القديم إلى العصر الآشوري الوسيط[26]. بجانب ذلك عثر على منازل وقصر وبجواره معبد (الشكل 6)، بنيت جميعها في الطبقة 6، عثر ضمن الطبقة 6 على فخار نوزي وفخار الخابور[27]. وقد عثر على كلا النموذجين من الفخار في الطبقة اللاحقة (الطبقة 5) أيضاً، بينما عثر في الطبقة 7 و 8 على بعض القطع التي تعود إلى العصر البرونزي الوسيط. وهي تشمل دبابيس من البرونز وجرار وقدور مزينة بحزوز لها شكل المشط. لذلك فأن الطبقة 7 وربما الطبقة 8 أيضاً تمثل المرحلة الانتقالية أو مرحلة التزامن بين العصر البابلي القديم والعصر الميتاني في شمال بلاد الرافدين[28].أما الطبقة 10 فتعود إلى عصر الملك الآشوري شمشي أدد الأول، وهذا التأريخ يستند إلى اللقى الأثرية التي تم اكتشافها في الطبقة. يرى المنقب في الموقع بأن بناء القصر يعود إلى نهاية القرن 16 ق.م أو بداية القرن 15 ق.م. لكن بخلاف هذا الرأي والحكم من خلال بداية ظهور كؤوس نوزي (في مدينة نوزي) (انظر في الاعلى)- والتي وجدت في طبقة لا يمكن أن تؤرخ في الفترة قبل منتصف القرن 15 ق.م.- فإن الطبقة 6 من تل براك يجب أن تكون من نفس فترة الطبقة II من نوزي.عثر في في الطبقة 6 ضمن القصر على عدة ألواح مسمارية ، ضمنها وثيقتان رسميتان تعودان إلى عصر الملكين الميتانيين ارتاشومارا وتوشراتا[29] ابنا الملك شوتارنا الثاني الذي حكم في النصف الأول من القرن 14 ق.م[30]. الأختام التي وجدت بالارتباط مع الألواح المسمارية تنتمي إلى الأسلوب الميتاني الخالص[31].ألالاخكانت الالاخ (على الضفة السفلى لنهر العاصي) العاصمة الثانوية لمملكة موكيش (الشكل 7) وخضعت خلال العصر البابلي القديم لمملكة يمخاض التي كانت مركزها مدينة حلب، وكان حاكم الالاخ من العائلة الحاكمة في يمخاض. بعد احتلال الالاخ من قبل الحثيين بقيادة مورشيلي الأول، خضعت الالاخ -كغيرها من المدن التي كانت تابعة إلى يمخاض- إلى سيطرة المملكة الميتانية الحديثة النشأة. يمكن التعرف على التغيرات السياسية التي حصلت خلال هذه المرحلة من خلال السيرة الذاتية للملك أدريمي ملك الالاخ والمدونة على تمثاله المشهور[32]. كان أدريمي الابن الأصغر لآخر ملوك سلالة حلب المستقلة والذي فقد العرش بعد حادثة الماشيكتو. اظهرت التنقيبات الأثرية في الالاخ وجود طبقتين اثريتين تنتمي اليهما أرشيف الالاخ: الطبقة السابعة (VII) وتعود إلى نهاية عصر سورية القديم (يقابل العصر البابلي القديم في بلاد الرافدين)، والطبقة الرابعة (IV) وتنتمي إلى العصر الميتاني. يمكن ربط كلا الطبقتين بحكام أو أحداث وردت في مصادر أخرى: وتعود الطبقة السابعة إلى عصر ملوك يمخاض الذين حكموا بعد عصر أرشيف ماري، وقد تم تدمير هذه الطبقة على الأغلب من قبل خاتوشيلي الأول خلال حملته الأولى على سورية، أي قبل سقوط بابل بجيل أو جيلين. أما الطبقة الرابعة فتعود بدايتها إلى عصر الملك نيقميبا (Niqmepa) ابن أدريمي[33]. أما الطبقة السادسة (VI) والخامسة (V) فهي محصورة بين الطبقتين السابعة والرابعة، ومن المهم تقدير الفترة الزمنية التي تنتمي إليها هاتين الطبقتين: أحدى المشاكل التي نصادفها هو عدم اكتشاف نصوص مسمارية ضمن الطبقتين، إضافة إلى ذلك فأن البقايا المعمارية الباقية قليلة جداً، وهذا يدعو للتساؤل فيما إذا كان هذا الأمر يعود إلى سوء الحظ اثناء التنقيب أو إلى قصر فترة الاستيطان في الطبقتين؟درس M.H.Gates نتائج الاكتشافات الأثرية وأكد بأن الفخار ذو اللونين (الشكل 8) وجد فقط في الطبقتين الخامسة والسادسة[34]، واختفى هذا النوع من الفخار من الطبقة الرابعة وظهر بدلاً منه فخار نوزي الذي لم يكن له وجود سابقاً. كان فخار نوزي منتشراً في العصر البرونزي الوسيط، من خلال التحليل توصل Gates إلى نتيجة مفادها بأن المادة الأثرية تشير بوضوح إلى أن فترة الاستقرار تجاوزت المئة سنة بقليل. وهكذا فأنها تورجح نمط التأريخ القصير. وقد تبعها M.Heinz [35]في تحليل فخار الطبقة السابعة، وقد اشار الباحث إلى وجود علاقة وثيقةبين اللقى الأثرية من هذه الطبقة وتلك التي اكتشفت في طبقات العصر الميتاني المبكر في مواقع مثل تل حديدي (على الفرات الاوسط بسورية). أعادC. Bergoffen فحص الفخار القبرصي من الالاخ في ضوء المعطيات اللغوية والاثرية[36]. وأثبتت النتائج التي توصل اليه نمط التأريخ القصير بكل جوانبه. وتعتمد تلك الدراسات الثلاث على المعطيات الاثرية، صرف كل من W. van Soldt and F. Zeeb اهتمامهم بالأدلة اللغوية والكتابية[37]، بشكل مستقل عن بعضهما البعض وفضل كلاهما نمط التأريخ القصير جداً الذي اقترحه H. Gasche[38]. بخلاف Zeeb يرى van Soldt بأنه يجب ربط ما يسمى ماشيكتو في حلب بتدمير المدينة من قبل خاتوشيلي الأول[39]، بذلك فان بداية حكم أدريمي في الالاخ يجب أن يرتبط مع الطبقة الأثرية 5أ Va)) أكثر من ارتباطه بالطبقة 5ب (Vb) (وهو أمر فضله H.Gates من قبل).لو أخذنا جميع هذه الدراسات في الحسبان سنصل باعتقادي إلى النتيجة الآتية المقنعة بخصوص الارتباط الزمني وتسلسل الطبقات في الالاخ (الشكل 9)[40]: تم تدمير الطبقة السابعة نتيجة لغزو خاتوشيلي الأول، وتبع هذه الطبقة مباشرة الطبقة السادسة، نهاية الطبقة السادسة ربما حدث نتيجة لغزو مورشيلي الأول حفيد خاتوشيلي الأول، حوالي 30 أو 40 سنة بعد تدمير الطبقة الخامسة[41]. وهذا يمكن أن يكون نفس الحدث الذي ذكر الماشيكتو في نص أدريمي[42].يمكن تمييز مرحلتين في الطبقة الخامسة: 5أ (Va) و5ب (Vb). اختلاف نمط العمارة بين المرحلتين يمكن أن يكون نتيجة لعمليات البناء التي ربما حدثت خلال الفترة الطويلة لحكم أدريمي. إعادة بناء المدينة من قبل نيقميبا Niqmipa ابن أدريمي والذي يحدد بداية الطبقة الرابعة (IV) ربما حدث اثناء حملات تحوتمس الثالث الأولى في سورية حوالي سنة 1450 ق.م[43].هذا الإطار الزمني مع تأريخ حكم أدريمي باعتباره كان أحد خلفاء ملوك حلب في عصر سورية القديم يمكن أن يفسر على سبيل المثال لماذا صنع ختم هذا الملك حسب التقاليد الفنية المتبعة في العصر السوري القديم (الطبقة السابعة) ولا يظهر أي تأثير من العصر الميتاني اطلاقاً.
المصدر: مدارات كورديه