الرئيسية

كوردستان أكبر من الأحزاب والزعماء

شعر من تأليفي أرجوا أن ينال اعجابكم

بقلم: أمير أبو حديد

أيها الكوردي، قبل أن تسأل أخاك: إلى أي حزب تنتمي؟ اسأله سؤالًا واحدًا: ألسنا أبناء شعب واحد؟

لقد دفع الشعب الكوردي عبر تاريخه ثمنًا باهظًا من دمه وأرضه ومستقبله، ولكن من أخطر ما أصابه لم يكن قوة خصومه وحدها، بل الانقسام بين أبنائه، وتحول الخلاف السياسي أحيانًا إلى جدار يفصل الكوردي عن أخيه الكوردي.

علينا أن نفهم حقيقة بسيطة: الأحزاب وُجدت لخدمة الشعب، ولم يوجد الشعب لخدمة الأحزاب.

والزعيم، مهما كان اسمه وتاريخه ومكانته، ليس أكبر من كوردستان. والرئيس ليس الوطن، والحزب ليس الشعب.

نحن، الشعب، من نعطي السياسي شرعيته ومكانته. نحن من ننتخبه ونؤيده ونمنحه الثقة، ومن حقنا بالوسائل الديمقراطية أن نسحب هذه الثقة عندما يفشل في خدمة شعبه.

فلا تجعلوا أسماء الزعماء سببًا للعداء بين أبناء البيت الواحد.

يمكنني أن أكون بارزانيًا وأنت طالبانيًا، ويمكن لثالث أن يؤيد أوجلان، ولرابع أن يرفضهم جميعًا، ويمكن أن نختلف في اليمين واليسار، وفي شكل الدولة، وفي الاقتصاد، وفي السياسة والتحالفات.

لكن يجب ألا نختلف على أن دم الكوردي وكرامته وحقوقه أعلى من مصالح الأحزاب.

ليس عيبًا أن تكون لنا أحزاب متعددة. التعددية السياسية أمر طبيعي في كل مجتمع حر. المصيبة تبدأ عندما يتحول الحزب إلى هوية بديلة عن الوطن، وعندما يصبح الزعيم أهم من الشعب، وعندما يرى الكوردي أخاه خصمًا لأنه يحمل راية سياسية مختلفة.

يا أبناء كوردستان في روج آفا وباشور وباكور وروجهلات، وفي المهجر وفي كل مكان:

اختلاف الحدود لا ينبغي أن يمحو شعورنا بالمصير المشترك.

لقد أثبت التاريخ أن الانقسام الكوردي كانت له كلفة قاسية. وحتى في إقليم كوردستان العراق، بقي انقسام بعض المؤسسات والقوات على أسس حزبية تحديًا طويل الأمد أمام بناء مؤسسات موحدة. ولهذا فإن الوحدة التي نحتاج إليها ليست مجرد شعار نرفعه في المناسبات؛ إنها مشروع سياسي ومؤسساتي وثقافي.

الوحدة لا تعني أن يصبح جميع الكورد أعضاء في حزب واحد.

ولا تعني أن نصمت عن الفساد.

ولا تعني أن نقدس قائدًا.

ولا تعني أن نتخلى عن آرائنا.

الوحدة الحقيقية تعني أن نتفق على الحد الأدنى الذي لا يجوز لأي خلاف حزبي أن يهدمه: حقوق الشعب الكوردي، كرامته، لغته، ثقافته، أمنه، أرضه، وتمثيله السياسي الحر.

وليختلف السياسيون بعد ذلك كما يشاؤون.

فلنتنافس في الانتخابات، ولنكتب وننتقد، ولنحاسب المسؤول، ولتتغير الحكومات والبرلمانات والقيادات؛ فهذه هي السياسة.

أما عندما يتعلق الأمر بحقوق شعب بأكمله ومستقبله، فعلينا أن نتذكر أننا كورد أولًا، وأن الحزب وسيلة سياسية وليس وطنًا.

أيها الكوردي الشريف:

لا تكره أخاك لأن حزبه غير حزبك.

لا تخسر صديقًا من أجل سياسي لا يعرف اسمك.

لا تجعل صورة زعيم أهم عندك من دم أخيك.

ولا تسمح لأحد أن يقنعك بأن نصف شعبك أعداؤك لأنهم يختلفون معه سياسيًا.

كوردستان تتسع للجميع.

تتسع للبارزاني والطالباني والأوجلاني والمستقل، وتتسع للمؤمن والعلماني، ولليساري واليميني، ولمن يريد الاستقلال ولمن يختار مشروعًا سياسيًا مختلفًا؛ ما دام الاحتكام في النهاية إلى إرادة الشعب وحقوق الإنسان والطريق الديمقراطي.

إن كان للكورد أن يحققوا يومًا حقهم في تقرير مصيرهم، فلن يصنع ذلك رجل واحد، ولا عائلة واحدة، ولا حزب واحد.

سيصنعه شعب يعرف أن قوته في وحدته.

وإذا جاء اليوم الذي يستطيع فيه الشعب الكوردي أن يقرر مستقبله بحرية، فليبدأ عندها أكبر خلاف سياسي ديمقراطي في تاريخ كوردستان!

أسسوا مئة حزب.

اختلفوا في البرلمان.

غيّروا الحكومات.

حاسبوا الرؤساء.

اكتبوا ضد بعضكم.

وتنافسوا على كل مقعد انتخابي.

لكن افعلوا ذلك تحت سقف وطن وحقوق مصانة وإرادة شعب حرة.

فالزعيم يرحل.

والحزب يتغير.

والحكومة تسقط وتأتي أخرى.

أما الشعب فيبقى.

والأرض تبقى.

واللغة تبقى.

والذاكرة تبقى.

وكوردستان تبقى.

لذلك أقول لكل كوردي، أينما كان:

مد يدك إلى أخيك قبل أن تمدها إلى حزبك.

اجعل مصلحة شعبك فوق مصلحة الزعيم.

ارفض الاقتتال الكوردي–الكوردي.

احترم اختلاف الرأي.

وطالب بوحدة الموقف في القضايا المصيرية.

فنحن الذين نرفع السياسي إلى كرسيه، ونحن الذين نستطيع عبر إرادتنا الحرة أن ننزله منه.

لا تصنعوا أصنامًا سياسية؛ اصنعوا مؤسسات.
لا تورثوا أبناءكم الخصومات؛ ورثوهم وطنًا.
لا تجعلوا الحزب أكبر من كوردستان؛ اجعلوا كوردستان أكبر من الجميع.

ففي الاتحاد قوة، وفي الانقسام ضعف.

وليكن شعارنا:

أنا كوردي قبل حزبي، وكوردستان أكبر من كل زعيم.

أمير أبو حديد
باحث في التاريخ والفكر، ومؤرخ وكاتب

أمير أبو حديد

أنا أمير أبو حديد، من غرب كوردستان، روج آفا – كوردستان سوريا، من قرية الزهرية، من بيت رفو. ولدت عام 1965، وترعرعت في مدينة حلب، حيث أمضيت سنوات طفولتي وشبابي وتلقيت تعليمي حتى حصولي على الشهادة الثانوية. منذ سنواتي الأولى كان التاريخ بالنسبة إليّ أكثر من مجرد حوادث وأسماء وتواريخ؛ كان سؤالًا دائمًا عن الإنسان والأرض والهوية والحقيقة. وهذا الشغف هو الذي قادني لاحقًا إلى رحلة طويلة في الدراسة والبحث لم تتوقف حتى اليوم. بعد إنهائي المرحلة الثانوية انتقلت إلى دمشق والتحقت بكلية الآداب، قسم الفلسفة. وبعد السنة الأولى انتقلت إلى كلية التربية لدراسة علم النفس. وقد أتاحت لي هاتان التجربتان الاقتراب من الإنسان من زاويتين مختلفتين: الفكر والنفس، وهو ما ترك أثرًا في الطريقة التي أصبحت أقرأ بها التاريخ فيما بعد. ثم انتقلت إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، كلية الآداب والعلوم، قسم التاريخ. وهناك درست موضوعات شملت تاريخ الشرق الأوسط، وتاريخ بلاد الشام، والدراسات العثمانية وآثار الشرق القديم. وكانت بيروت بالنسبة إليّ أكثر من مرحلة جامعية؛ ففي أثناء وجودي فيها بدأت، باجتهاد شخصي، دراسة الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، والبحث في نصوصها وتاريخها والعلاقات التي نشأت بينها وبين مجتمعات الشرق الأدنى. وبسبب الحرب الأهلية اللبنانية انتقلت إلى هولندا، حيث واصلت مسيرتي الدراسية والمعرفية، وأقيم فيها منذ نحو ثمانية وثلاثين عامًا. أكثر من ثلاثين عامًا في البحث لم تتوقف علاقتي بالتاريخ بانتهاء الدراسة الجامعية، بل بدأت بعدها بالنسبة إليّ المرحلة الأهم. فعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا واصلت البحث والتدقيق والمقارنة والتفتيش عن الحقيقة التاريخية، وخصوصًا في تاريخ الشرق الأدنى القديم، وشعوب بلاد الرافدين وزاغروس، والحوريين والكورد، وتاريخ الأديان والهويات والقوميات التي تشكلت في المنطقة. وأحرص على متابعة ما يصدر حديثًا من أبحاث ودراسات، ولي اتصالات ومراسلات مع جامعات في هولندا بهدف الاطلاع على المستجدات في علم الآثار والدراسات التاريخية والبحوث المتعلقة بالشرق القديم. وقد تعلمت خلال هذه الرحلة الطويلة مبدأً أعدّه أساسًا في عملي: التاريخ ليس نصًا مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه. فالعلم يتقدم باستمرار، والتنقيبات الأثرية تكشف مواقع جديدة، والنقوش والمسماريات يعاد فحصها وقراءتها، ونظريات كانت مقبولة لعشرات السنين قد تتغير عندما يظهر دليل جديد. وقد أثبت تطور علم الآثار والدراسات المسمارية أن بعض القراءات والتفسيرات القديمة تحتاج إلى التصحيح أو إعادة النظر. ولهذا لا أتعامل مع رأي مؤرخ أو عالم، مهما كان اسمه، باعتباره نهاية البحث، وإنما أسأل دائمًا: ما الدليل؟ وما المصدر؟ وهل ما زال هذا التفسير قائمًا أمام المكتشفات والدراسات الحديثة؟ مؤلفاتي وأبحاثي وصل عدد كتبي المنشورة على موقع مكتبة نور العربية إلى 27 كتابًا، تناولت فيها موضوعات تاريخية وفكرية متعددة، مع اهتمام خاص بتاريخ الشعب الكوردي وحضارات الشرق الأدنى القديم. ومن بين مؤلفاتي: «تاريخ الكورد بالمختصر المفيد»، الذي حاولت من خلاله تقديم تاريخ الشعب الكوردي وجذوره ومسيرته التاريخية بصورة واضحة ومركزة. وكتاب «البارزاني: من عشيرة جبلية إلى قوة سياسية في كوردستان»، الذي أتناول فيه التحولات التاريخية والسياسية التي رافقت صعود الحركة البارزانية ومكانتها في التاريخ الكوردي الحديث. وكذلك كتاب «من زاغروس الساسانية إلى شنكال: تاريخ العنف والمجازر والتهجير ضد الشعب الكوردي من 636م إلى الوقت الحاضر»، وهو محاولة لتوثيق مسار طويل من الحروب والمجازر والتهجير والتحولات التي تعرض لها الشعب الكوردي عبر مراحل تاريخية مختلفة. كما كنت من أوائل من تناولوا بالنقد ما يسمى «حضارة تارتاريا»، وخصصت لها دراسة هدفت إلى تفكيك الادعاءات المنتشرة حول وجود إمبراطورية تارتارية عالمية مخفية، ومقارنتها بالخرائط والوثائق والشواهد التاريخية. ولي كذلك كتاب أتناول فيه الحضارة الإغريقية وصلاتها بحضارات الشرق القديم، وأبحث بصورة خاصة في أوجه التشابه والتأثير التي أراها بين بعض الموروثات الإغريقية والعالم الحوري، ولا سيما في مجال الآلهة والأساطير والمعتقدات. الحوريون والكورد وإعادة قراءة تاريخ الشرق القديم يشكل البحث في الحضارة الحورية واحدًا من أهم محاور مشروعي الفكري والتاريخي. ومن خلال سنوات طويلة من المقارنة بين الجغرافيا والأسماء القديمة والنقوش والمواقع الأثرية وحركة الشعوب، طورت أطروحتي الخاصة حول العلاقة التاريخية بين الحوريين والكورد، وأعمل على إعادة قراءة تاريخ المناطق الممتدة من جبال زاغروس إلى شمال بلاد الرافدين والجزيرة السورية والأناضول ضمن هذا الإطار. كما طرحت قراءتي الخاصة لمسألة الأموريين، وحاولت من خلالها إعادة النظر في هويتهم وأصولهم وعلاقتهم بالشعوب والجغرافيا المحيطة بهم. وعملت كذلك على تحديد ما أراه الجغرافيا التاريخية لكوردستان الكبرى، من خلال مقارنة الخرائط التاريخية وأسماء المناطق والجبال والأنهار والمدن والمصادر القديمة والحديثة. ومن أبحاثي التي أعتز بها أيضًا دراسة أكاديمية خصصتها لمسألة أصول السومريين. وفيها أطرح أطروحتي بأن البحث عن جذورهم ينبغي أن يتجه نحو المجال الحوري والزاغروسي والكوردي القديم، وأقدم الأدلة والمقارنات التي بنيت عليها هذا الاستنتاج، مع مناقشة النظريات الأخرى المتعلقة بأصل السومريين. وأؤكد عندما أطرح مثل هذه الآراء أنني أقدم نتائج بحثي وأطروحاتي الشخصية؛ فالقول إنني أول من فك «شفرة الأموريين»، أو أول من ربط الكورد بجذور حورية، أو أنني أثبت الأصل الحوري-الكوردي للسومريين، هو ما أتوصل إليه وأدافع عنه في أبحاثي، وأضع أدلتي أمام القارئ والباحث للنقاش والنقد والمقارنة. لماذا أبحث في التاريخ؟ بعد هذه السنوات الطويلة أصبحت أكثر اقتناعًا بأن وظيفة الباحث ليست الدفاع عن الرواية التي ورثها، وإنما اختبارها. أنا لا أبحث لكي أكرر ما كتبه الآخرون، ولا أعتقد أن قدم النظرية يجعلها صحيحة بالضرورة. أبحث في النقوش، والآثار، والجغرافيا، واللغات، والخرائط والمصادر، وأقارن بينها قدر استطاعتي، لأنني أؤمن بأن اكتشافًا أثريًا واحدًا أو قراءة صحيحة لنقش قديم قد يجبرنا أحيانًا على إعادة النظر في صفحات كاملة من التاريخ. قد يتفق القارئ معي، وقد يختلف، وهذا حقه. ما أطلبه هو أن يكون الدليل هو الحكم. رحلتي التي بدأت من قرية الزهرية، ومرت بحلب ودمشق وبيروت، واستقرت بي في هولندا، تحولت عبر العقود إلى رحلة بحث عن شيء واحد: الحقيقة التاريخية كما أستطيع الوصول إليها، لا كما يراد لي أن أراها. وما زلت أقرأ وأبحث وأراجع وأصحح؛ لأنني أؤمن أن الباحث الحقيقي لا يصل إلى يوم يقول فيه إنه عرف كل شيء، بل يبقى مستعدًا لأن يعيد النظر في رأيه عندما يظهر أمامه دليل أقوى. أنا الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد باحث في التاريخ والفكر، ومؤرخ وكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *