أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

حين تكتب الوثيقة تاريخ الكورد

قراءة في «جوانب من تراث الكورد في القرون المتأخرة» لعماد عبد السلام رؤوف

بقلم: مروان فلو

هناك كتب نقرأها لنضيف إلى معلوماتنا بعض الحقائق، وكتب أخرى نقرأها فتدفعنا إلى إعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى التاريخ نفسه. وكتاب المؤرخ العراقي الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، «جوانب من تراث الكورد في القرون المتأخرة»، الصادر عن دار الزمان في دمشق سنة 2017، من النوع الثاني. فالكتاب، الذي يقع في نحو 276 صفحة، ليس تاريخاً شاملاً للكورد، ولا محاولة لكتابة سردية قومية عنهم، وإنما هو مجموعة من الدراسات الوثائقية التي تتتبع جوانب مختلفة من حضور الكورد السياسي والعلمي والثقافي والعمراني في تاريخ المنطقة.
ولعل هذه هي أولى نقاط قوة الكتاب: أن المؤلف لا يبدأ من النتيجة ليبحث عما يؤيدها، وإنما يبدأ من الوثيقة ليصل إلى النتيجة.
وهذه مسألة تبدو بسيطة، لكنها في الكتابة التاريخية ليست كذلك.
فالتاريخ العربي والكوردي والعثماني، شأنه شأن كثير من تواريخ المنطقة، ظل في أحيان كثيرة أسير الروايات القومية والمذهبية والسياسية اللاحقة، بحيث يجري إسقاط مفاهيم العصر الحديث على وقائع تنتمي إلى عصور كانت مختلفة في تركيبها السياسي والاجتماعي والثقافي. أما رؤوف فيحاول، قدر الإمكان، أن يعيد الحدث إلى سياقه التاريخي، وأن يترك للوثيقة والمخطوط والأثر والرحلة أن تتحدث.
مؤرخ لا يكتب التاريخ من زاوية الهوية
ولد عماد عبد السلام رؤوف في بغداد سنة 1948 لأسرة موصلية الأصل، وتخرج في قسم التاريخ بجامعة بغداد سنة 1970، ثم واصل دراساته العليا في جامعة القاهرة، فنال الماجستير في التاريخ الحديث سنة 1973 والدكتوراه سنة 1976. وقد امتد اهتمامه العلمي إلى التاريخ العراقي والعثماني، والمخطوطات، والتراجم، والرحلات، والعمران، وتاريخ المؤسسات العلمية. وتوفي في أربيل في 27 حزيران/يونيو 2021.
وتكشف أعماله المتعددة أن اهتمامه بالكورد لم يكن طارئاً أو منفصلاً عن مشروعه العلمي؛ فقد تناول في أعمال أخرى الأمراء والعلماء من كوردستان في العصر العثماني، كما بحث في تاريخ العراق والإدارة والقضاء والأسر الحاكمة والمؤسسات العلمية.
وهنا تظهر قيمة كتابه عن تراث الكورد.
فالمؤلف لا يكتب عن الكورد من خارج تاريخ العراق والمنطقة، ولا يحاول أن يعزلهم عن محيطهم الحضاري، بل يضعهم في قلب التاريخ الذي كانوا جزءاً منه.
وهذا تحديداً ما يجعل الكتاب بعيداً عن النزعة الإثنية الضيقة.
من السفارة إلى المخطوط
يتوزع الكتاب على مجموعة من الدراسات، تبدأ بـ أول سفارة كوردية إلى القاهرة في عهد المماليك البحرية، ثم تتناول المعالم الكوردية في القاهرة العثمانية، ورواق الأكراد في الأزهر وآثار العلماء الكورد في المكتبة الأزهرية، وآثارهم في مكتبات الحرمين الشريفين ودار الكتب المصرية وجامعة الإسكندرية، ثم تنتقل إلى مطبعة كوردستان العلمية وتاريخها ومطبوعاتها، وبعض وقائع تاريخ كوردستان، ورحلة الباليساني إلى عقرة، ومدافع رواندوز، وأخيراً قضية أراضي حمدي بك بابان.
وقد يبدو للقارئ لأول وهلة أن هذه الموضوعات متباعدة، لكنها في الحقيقة تنتظم حول فكرة واحدة:
الكشف عن الحضور الكوردي في التاريخ من خلال آثاره المادية والعلمية والمؤسسية، لا من خلال الشعارات اللاحقة.
فالسفارة تكشف عن حضور سياسي ودبلوماسي، والمسجد والمدرسة والتكية تكشف عن حضور عمراني واجتماعي، ورواقالأكراد في الأزهر يكشف عن حضور علمي، والمخطوطات تكشف عن حركة العلماء والمعرفة، والمطبعة تكشف عن انتقال الثقافة الكوردية من عصر المخطوط إلى عصر الطباعة.
وبذلك يتحول الكتاب من مجرد «تاريخ للكورد» إلى دراسة في كيفية تشكل الحضور الثقافي والاجتماعي والسياسي لجماعة تاريخية داخل فضاء إقليمي واسع.
القاهرة بوصفها مرآة للتاريخ الكوردي
من اللافت أن جزءاً مهماً من الكتاب يتتبع الآثار الكوردية في القاهرة.
فالقاهرة لم تكن مجرد عاصمة سياسية لمصر، بل كانت لقرون طويلة واحدة من أهم مراكز العلم في العالم الإسلامي. ومن ثم فإن وجود العلماء الكورد فيها، ووجود مؤسسات وأوقاف وأبنية مرتبطة بهم، يدل على أن حركة النخب العلمية لم تكن محكومة بالحدود السياسية التي نعرفها اليوم.
ومن هنا تأتي أهمية دراسة رواق الأكراد في الأزهر، وآثار العلماء الكورد في المكتبات المصرية.
إنها لا تخبرنا فقط عن «الكورد في مصر»، وإنما تخبرنا عن طبيعة المجال العلمي الإسلامي قبل تشكل الدولة القومية الحديثة؛ حيث كان العالم ينتقل بين بغداد والقاهرة ودمشق والحجاز وكوردستان، ويحمل معه كتبه وشيوخه وتلامذته وشبكاته العلمية.
وهذه زاوية مهمة جداً في فهم تاريخ المنطقة؛ لأنها تذكّرنا بأن الحدود السياسية الحديثة لا ينبغي أن تتحول إلى حدود معرفية نعيد بواسطتها كتابة الماضي.
المخطوط بوصفه شاهداً على التاريخ
ربما يكون الجانب الأكثر تميزاً في عمل رؤوف هو اعتماده على المخطوطات وآثار العلماء.
فبدلاً من الاكتفاء بالقول إن للكورد علماء ومؤلفين، يبحث المؤرخ عن المخطوط الذي بقي شاهداً على ذلك: أين يوجد؟ من ألّفه؟ ما موضوعه؟ أين عاش مؤلفه؟ وإلى أين انتقلت آثاره؟
وهنا تتحول المكتبة إلى أرشيف تاريخي.
إن وجود مؤلفات لعلماء كورد في مكتبات الأزهر والحرمين الشريفين ودار الكتب المصرية وجامعة الإسكندرية ليس مجرد معلومة ببليوغرافية؛ وإنما هو دليل على شبكة واسعة من انتقال المعرفة والعلماء والكتب عبر المنطقة.
ومن هذه الزاوية، يقدم الكتاب خدمة تتجاوز موضوعه المباشر، لأنه يفتح أمام الباحث باباً لدراسة التاريخ الثقافي المشترك بين العراق وكوردستان ومصر والحجاز.
من المخطوط إلى المطبعة
ومن أكثر فصول الكتاب دلالة على التحول التاريخي دراسة مطبعة كوردستان العلمية وتاريخها ومطبوعاتها.
فهنا ننتقل من عالم المخطوط إلى عالم الطباعة، ومن تداول المعرفة في حلقات العلماء والمكتبات إلى انتشارها على نطاق أوسع.
والطباعة ليست مجرد تقنية جديدة؛ فهي في التاريخ الثقافي أداة لإعادة تشكيل المجال العام، وتوسيع دائرة القراء، وتثبيت اللغة، ونشر الأفكار، وتكوين النخب الجديدة.
ومن ثم فإن دراسة المطبعة الكوردية يمكن أن تُقرأ أيضاً بوصفها جزءاً من تاريخ انتقال المجتمع الكوردي إلى العصر الحديث وتبلور أدوات الوعي الثقافي والسياسي الجديد.
ميره كور ومدافع رواندوز: عندما يصبح التاريخ العسكري تاريخاً للتنمية
غير أن الفصل الذي يستحق، في تقديري، قراءة خاصة هو فصل مدافع رواندوز.
ذلك أن تجربة الأمير محمد باشا، المعروف بـ«ميره كور»، في إمارة سوران، لا تستحق أن تُقرأ فقط باعتبارها واقعة من وقائع الصراع بين إمارة كردية والدولة العثمانية.
هناك جانب آخر أكثر أهمية، ولا سيما بالنسبة للباحث في التاريخ السياسي والاستراتيجي: محاولة إنتاج السلاح محلياً.
فحين يحاول حاكم محلي في أوائل القرن التاسع عشر إنشاء قدرة على صناعة المدافع، فإننا لا نكون أمام واقعة تقنية معزولة، وإنما أمام محاولة لبناء عناصر من القوة الذاتية: معرفة فنية، وموارد، وأيدٍ عاملة، ومؤسسات، وقدرة على الصهر والسبك، ثم توظيف الناتج في مشروع عسكري وسياسي.
وبعبارة أخرى:
إن المدفع هنا ليس مجرد قطعة سلاح؛ بل هو مؤشر على مستوى من الاستقلال الاستراتيجي.
وهذه النقطة تجعل تجربة ميره كور جديرة بإعادة القراءة بعيداً عن السجال القومي.
فالأمير الذي استطاع أن ينشئ صناعة للسلاح في رواندوز لم يكن مجرد شخصية متمردة في تاريخ كوردستان، وإنما كان أيضاً حاكماً يحاول بناء أدوات القوة في بيئة إقليمية شديدة التنافس.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تجربة سوران باعتبارها واحدة من المحاولات المحلية المبكرة لبناء قدرة عسكرية وتقنية مستقلة نسبياً عن المركز الإمبراطوري.
وهذه قراءة لا تحتاج إلى أن يكون الباحث كردياً أو عربياً أو عثمانياً؛ إنها ببساطة قراءة تاريخية واستراتيجية.
لماذا تبدو شخصية المؤلف أكبر من الكتاب؟
ربما كان هذا هو السبب الذي جعل بعض القراء يشعرون بأنهم أمام مؤرخ مختلف.
فالكتابة التاريخية الهادئة لا تعني غياب الموقف، وإنما تعني أن الموقف لا يسبق الدليل.
وهذه سمة واضحة في مشروع عماد عبد السلام رؤوف كما يظهر من دراساته ومؤلفاته. وقد تناولت دراسة أكاديمية منشورة في مجلة آداب المستنصرية سيرته ومنهجه، ووصفت تجربته العلمية بأنها اتسمت بالتحليل والاستنتاج ونقد الروايات التاريخية، إلى جانب سعة الأفق وغزارة المعلومات وحسن الصياغة.
ولهذا يمكن فهم الانطباع الذي قد ينتاب القارئ وهو يقرأ الكتاب: «كيف استطاع مؤرخ أن يتناول موضوعاً كوردياً بهذه المساحة من التعاطف العلمي دون أن يتحول إلى خطاب قومي؟»
والجواب، في تقديري، أن المؤلف لم يكن يحاول أن يكون «مع» الكورد أو «ضد» الكورد.
كان يحاول أن يكون مع الوثيقة.
وهذه مسألة جوهرية.
التاريخ لا يحتاج إلى محامين
إن واحدة من مشكلات الكتابة التاريخية في منطقتنا أن المؤرخ يتحول أحياناً، بوعي أو من دونه، إلى محامٍ عن جماعته: القومية أو الطائفة أو المدينة أو الدولة أو الشخصية التاريخية.
وعندها يصبح السؤال: كيف أثبت أن «نحن» كنا على حق؟
أما المنهج العلمي فيطرح سؤالاً آخر:
ماذا حدث فعلاً؟ وما الذي نستطيع إثباته؟ وما الذي لا نستطيع إثباته؟
وهذا الفارق هو الذي يعطي كتاب رؤوف قيمته.
فهو لا يحتاج إلى تحويل كل شخصية كوردية إلى بطل، ولا إلى تحويل كل خصم لها إلى شرير؛ لأن وظيفة المؤرخ ليست صناعة الأبطال والأشرار، بل إعادة تركيب الماضي بأكبر قدر ممكن من الأمانة.
ومن هنا أيضاً ينبغي الحذر من بعض المبالغات التي رافقت الكتاب في بعض المراجعات الشخصية، سواء ما يتعلق بعدد مؤلفاته أو ترجماتها أو بعض المناصب والعلاقات السياسية التي تنسب إليه من دون توثيق كافٍ. فتكريم المؤرخ لا يحتاج إلى إضافة ما لا نستطيع إثباته؛ بل إن أفضل تكريم له هو احترام المنهج الذي عاش من أجله.
عماد عبد السلام رؤوف: عراق يتسع للجميع
في النهاية، ربما تكون القيمة الأعمق في تجربة رؤوف أنه كان مؤرخاً عراقياً بالمعنى الواسع للكلمة.
اهتم ببغداد والموصل والعراق العثماني، وبالعلماء والمخطوطات والأسر الحاكمة والإدارة والقضاء، كما اهتم بكوردستان وتراث علمائها وأمرائها.
وهذا الاتساع مهم في لحظة تاريخية عربية وعراقية أصبح فيها التاريخ في كثير من الأحيان مادة للصراع السياسي المعاصر.
فالمؤرخ الحقيقي لا يمحو الاختلافات، لكنه يمنعها من ابتلاع الماضي.
والكورد جزء من تاريخ العراق والمنطقة، كما أن العرب والتركمان والآشوريين وغيرهم جزء من تاريخها المتداخل. والتاريخ الذي يعترف بهذه الحقيقة لا ينتقص من هوية أحد، بل يجعلها أكثر رسوخاً لأنها تستند إلى واقع تاريخي معقد، لا إلى رواية انتقائية.
كلمة أخيرة
خرجت من قراءة «جوانب من تراث الكرد في القرون المتأخرة» بانطباع أن الكتاب لا يقول لنا فقط شيئاً عن الكرد؛ بل يقول لنا شيئاً مهماً عن صناعة التاريخ نفسها.
يقول إن المخطوط قد يكون أبلغ من الخطاب، وإن الأثر قد يكون أصدق من الذاكرة، وإن المكتبة قد تكون سجلاً للعلاقات بين الشعوب، وإن المدفع قد يصبح وثيقة على محاولة بناء القوة، وإن المؤرخ يستطيع أن يقترب من موضوع حساس من دون أن يتحول إلى طرف في الصراع حوله.
ولهذا فإن عماد عبد السلام رؤوف لا يستحق التقدير لأنه كتب عن الكرد فحسب، وإنما لأنه قدم نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه المؤرخ العراقي حين يجعل العلم فوق الانتماء، والوثيقة فوق الانطباع، والحقيقة التاريخية فوق الرغبة في إثبات موقف مسبق.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في حق هذا المؤرخ الراحل هو أن مشروعه لا يدعونا إلى أن نحب التاريخ الذي نريده، وإنما إلى أن نتعلم كيف نقرأ التاريخ الذي كان.
وهذا، في النهاية، هو الفارق بين التاريخ بوصفه ذاكرة، والتاريخ بوصفه علماً.
+++++++++++++++++++&&&
المصدر الرئيس: عماد عبد السلام رؤوف، جوانب من تراث الكرد في القرون المتأخرة، دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 2017، 276 صفحة، ISBN 9789933453572.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *