الرئيسيةقسم التاريخمقالات

أصول الأرمن من منظور حوري–أورارتي.

بقلم الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد

مقدمة:

أنطلق في هذه الدراسة من رؤيتي الخاصة للتاريخ القديم للهضبة الأرمنية وشمال بلاد الرافدين، وهي أن الشعب الأرمني القديم والشعب الحوري لم يكونا شعبين منفصلين، بل كانا شعبًا واحدًا في جذوره الحضارية والسكانية، امتد وجوده عبر الجبال والسهول الواقعة بين زاغروس وبحيرة وان وأرارات وأعالي دجلة والفرات.

ومن منظوري، لم يظهر الأرمن القدماء فجأة في أرضٍ خالية، ولم تبدأ هويتهم مع أول ورود لاسم «أرمينيا» في المصادر الفارسية واليونانية؛ بل كانوا امتدادًا بشريًا وحضاريًا للسكان الحوريين الذين استوطنوا هذه الجغرافيا منذ الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد. وعندما قامت مملكة أورارتو في الألف الأول قبل الميلاد، لم تكن حضارة غريبة عن ذلك الإرث، وإنما مثلت مرحلة سياسية جديدة من تاريخ المجتمع الحوري نفسه، مع تطور أنظمة الحكم واللغة الرسمية والمؤسسات العسكرية والدينية.

وأرى أن الانتقال من الحوريين إلى الأورارتيين ثم إلى الأرمن القدماء لم يكن انتقالًا بين شعوب متعاقبة لا صلة بينها، وإنما كان تحولًا داخليًا طويلًا حدث داخل الجغرافيا والسكان نفسيهما. تغيرت أسماء الممالك واللغات الرسمية، ودخلت عناصر لغوية وثقافية جديدة، لكن القاعدة السكانية القديمة بقيت حاضرة ولم تختفِ.

إن المعابد والقلاع والمنشآت المائية والآلهة والطقوس الجنائزية والفنون المعدنية وأسماء الجبال والأنهار والمدن تكشف، في نظري، عن استمرارية حضارية واضحة بين العالم الحوري وأورارتو وأرمينيا القديمة. ولهذا أرفض النظر إلى تاريخ الأرمن وكأنه بدأ من لحظة ظهور اسمهم في النصوص الأجنبية؛ لأن تاريخ الشعوب أقدم من الأسماء التي أطلقها عليهم الملوك والكتّاب والجغرافيون.

وبناءً على ذلك، أقول بوضوح: إن الشعب الأرمني القديم والحوري شعب واحد من حيث الجذور التاريخية والسكانية، وإن أورارتو كانت الجسر الحضاري والسياسي الذي نقل هذا الإرث القديم إلى المرحلة الأرمنية. أما الهوية الأرمنية اللاحقة، فقد تبلورت عبر قرون من التحولات اللغوية والسياسية والدينية، من دون أن تنقطع عن أساسها الحوري–الأورارتي العميق.

هذه هي الرؤية التي سأعرض أدلتها من خلال الجغرافيا والآثار وأسماء الأماكن والديانات القديمة والاستمرارية السكانية، لفهم أصول الأرمن داخل أرضهم التاريخية، لا بوصفهم شعبًا ظهر من خارجها، بل باعتبارهم امتدادًا لأحد أقدم شعوبها وحضاراتها.

الآن آتي الى الشرح :

يُعدّ الأرمن من أقدم شعوب الهضبة الأناضولية–القوقازية، وقد انشغل الباحثون طويلاً بأصولهم اللغوية والإثنية. إحدى المقاربات المهمّة هي المقاربة الحورية–الأورارتية، التي تربط الأرمن بالشعوب التي سكنت جبال طوروس والأناضول الشرقية وشمال الهلال الخصيب خلال الألفين الثاني والأول قبل الميلاد.

1. الخلفية التاريخية للحوريين

الحوريون شعب قديم ظهر في شمال ميزوبوتاميا وجبال زاغروس. امتلكوا لغة معزولة (الحورية) وتنظيمات سياسية متعددة، أهمها مملكة ميتاني. تركوا أثراً واسعاً في الثقافة والديانة والرمزية العسكرية، خصوصاً في رموز القرص المجنح، الإله تجلس، ومظاهر السلطة الملكية.

2. الحضارة الأورارتية وعلاقتها بالحوريين

الأورارتيون ظهروا في منطقة بحيرة فان خلال الألف الأول ق.م. لغتهم (الأورارتية) قريبة جدًا من الحورية، وتجمعهما بنية لغوية واحدة تُسمّى “الحورو–أورارتية”. قامت دولة قوية عرفت باسم “بيانيلي”. تأثروا بالحوريين في الدين، والفنون، والعمارة، ونظام القلاع الصخرية.

3. العلاقة بين الأرمن والحوريين والأورارتيين

ترى المدرسة الحورية–الأورارتية أن الأرمن:

– اختلطوا بالسكان الحوريين في الأناضول الشرقية.

– ورثوا جزءاً من المكون السياسي–الثقافي للأورارتيين بعد انهيار دولتهم في القرن السابع ق.م.

– اعتمدوا الكثير من العناصر الرمزية الحورية–الأورارتية في الأساطير والبنية الاجتماعية.

4. الأدلة اللغوية

– اللغة الأرمنية تُظهر طبقة مفردات حورية–أورارتية غير هندوأوروبية.

– كثير من أسماء الجبال والأنهار في أرمينيا ليست هندوأوروبية بل حورية.

– يظهر تأثير حوري–أورارتي واضح في المصطلحات الدينية والرمزية الأرمنية المبكرة.

5. الأدلة الثقافية والرمزية

– وجود رموز مشتركة بين الأرمن والأورارتيين: الشمس، القرص المجنح، رموز القوة الملكية.

– استمرار تقاليد البناء الجبلي والتحصينات التي كانت سمة أورارتية.

– تشابه الأختام والرموز الطقوسية بين الحوريين والأورارتيين ثم الأرمن.

6. التحولات السياسية

بعد سقوط دولة أورارتو على يد الآشوريين ثم الميديين:

– بقي السكان الأصليون (الحوري–أورارتيون) في المنطقة.

– اندمجت القبائل الأرمنية القادمة من الشمال معهم.

– نتجت هوية جديدة هي “الأرمن” تجمع العنصر المحلي القديم والعنصر الهندوأوروبي.

خلاصة

يُظهر المنظور الحوري–الأورارتي أن الأرمن ليسوا شعباً وافداً فقط، بل نتاج امتزاج تاريخي طويل بين:

– السكان الحوريين الأوائل،

– الدولة الأورارتية،

– والقبائل الأرمنية الهندوأوروبية.

وبذلك فإن أصول الأرمن مركبة ومتجذّرة عميقاً في جغرافيا الأناضول الشرقية وشمال ميزوبوتاميا.

أمير أبو حديد

أنا أمير أبو حديد، من غرب كوردستان، روج آفا – كوردستان سوريا، من قرية الزهرية، من بيت رفو. ولدت عام 1965، وترعرعت في مدينة حلب، حيث أمضيت سنوات طفولتي وشبابي وتلقيت تعليمي حتى حصولي على الشهادة الثانوية. منذ سنواتي الأولى كان التاريخ بالنسبة إليّ أكثر من مجرد حوادث وأسماء وتواريخ؛ كان سؤالًا دائمًا عن الإنسان والأرض والهوية والحقيقة. وهذا الشغف هو الذي قادني لاحقًا إلى رحلة طويلة في الدراسة والبحث لم تتوقف حتى اليوم. بعد إنهائي المرحلة الثانوية انتقلت إلى دمشق والتحقت بكلية الآداب، قسم الفلسفة. وبعد السنة الأولى انتقلت إلى كلية التربية لدراسة علم النفس. وقد أتاحت لي هاتان التجربتان الاقتراب من الإنسان من زاويتين مختلفتين: الفكر والنفس، وهو ما ترك أثرًا في الطريقة التي أصبحت أقرأ بها التاريخ فيما بعد. ثم انتقلت إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، كلية الآداب والعلوم، قسم التاريخ. وهناك درست موضوعات شملت تاريخ الشرق الأوسط، وتاريخ بلاد الشام، والدراسات العثمانية وآثار الشرق القديم. وكانت بيروت بالنسبة إليّ أكثر من مرحلة جامعية؛ ففي أثناء وجودي فيها بدأت، باجتهاد شخصي، دراسة الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، والبحث في نصوصها وتاريخها والعلاقات التي نشأت بينها وبين مجتمعات الشرق الأدنى. وبسبب الحرب الأهلية اللبنانية انتقلت إلى هولندا، حيث واصلت مسيرتي الدراسية والمعرفية، وأقيم فيها منذ نحو ثمانية وثلاثين عامًا. أكثر من ثلاثين عامًا في البحث لم تتوقف علاقتي بالتاريخ بانتهاء الدراسة الجامعية، بل بدأت بعدها بالنسبة إليّ المرحلة الأهم. فعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا واصلت البحث والتدقيق والمقارنة والتفتيش عن الحقيقة التاريخية، وخصوصًا في تاريخ الشرق الأدنى القديم، وشعوب بلاد الرافدين وزاغروس، والحوريين والكورد، وتاريخ الأديان والهويات والقوميات التي تشكلت في المنطقة. وأحرص على متابعة ما يصدر حديثًا من أبحاث ودراسات، ولي اتصالات ومراسلات مع جامعات في هولندا بهدف الاطلاع على المستجدات في علم الآثار والدراسات التاريخية والبحوث المتعلقة بالشرق القديم. وقد تعلمت خلال هذه الرحلة الطويلة مبدأً أعدّه أساسًا في عملي: التاريخ ليس نصًا مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه. فالعلم يتقدم باستمرار، والتنقيبات الأثرية تكشف مواقع جديدة، والنقوش والمسماريات يعاد فحصها وقراءتها، ونظريات كانت مقبولة لعشرات السنين قد تتغير عندما يظهر دليل جديد. وقد أثبت تطور علم الآثار والدراسات المسمارية أن بعض القراءات والتفسيرات القديمة تحتاج إلى التصحيح أو إعادة النظر. ولهذا لا أتعامل مع رأي مؤرخ أو عالم، مهما كان اسمه، باعتباره نهاية البحث، وإنما أسأل دائمًا: ما الدليل؟ وما المصدر؟ وهل ما زال هذا التفسير قائمًا أمام المكتشفات والدراسات الحديثة؟ مؤلفاتي وأبحاثي وصل عدد كتبي المنشورة على موقع مكتبة نور العربية إلى 27 كتابًا، تناولت فيها موضوعات تاريخية وفكرية متعددة، مع اهتمام خاص بتاريخ الشعب الكوردي وحضارات الشرق الأدنى القديم. ومن بين مؤلفاتي: «تاريخ الكورد بالمختصر المفيد»، الذي حاولت من خلاله تقديم تاريخ الشعب الكوردي وجذوره ومسيرته التاريخية بصورة واضحة ومركزة. وكتاب «البارزاني: من عشيرة جبلية إلى قوة سياسية في كوردستان»، الذي أتناول فيه التحولات التاريخية والسياسية التي رافقت صعود الحركة البارزانية ومكانتها في التاريخ الكوردي الحديث. وكذلك كتاب «من زاغروس الساسانية إلى شنكال: تاريخ العنف والمجازر والتهجير ضد الشعب الكوردي من 636م إلى الوقت الحاضر»، وهو محاولة لتوثيق مسار طويل من الحروب والمجازر والتهجير والتحولات التي تعرض لها الشعب الكوردي عبر مراحل تاريخية مختلفة. كما كنت من أوائل من تناولوا بالنقد ما يسمى «حضارة تارتاريا»، وخصصت لها دراسة هدفت إلى تفكيك الادعاءات المنتشرة حول وجود إمبراطورية تارتارية عالمية مخفية، ومقارنتها بالخرائط والوثائق والشواهد التاريخية. ولي كذلك كتاب أتناول فيه الحضارة الإغريقية وصلاتها بحضارات الشرق القديم، وأبحث بصورة خاصة في أوجه التشابه والتأثير التي أراها بين بعض الموروثات الإغريقية والعالم الحوري، ولا سيما في مجال الآلهة والأساطير والمعتقدات. الحوريون والكورد وإعادة قراءة تاريخ الشرق القديم يشكل البحث في الحضارة الحورية واحدًا من أهم محاور مشروعي الفكري والتاريخي. ومن خلال سنوات طويلة من المقارنة بين الجغرافيا والأسماء القديمة والنقوش والمواقع الأثرية وحركة الشعوب، طورت أطروحتي الخاصة حول العلاقة التاريخية بين الحوريين والكورد، وأعمل على إعادة قراءة تاريخ المناطق الممتدة من جبال زاغروس إلى شمال بلاد الرافدين والجزيرة السورية والأناضول ضمن هذا الإطار. كما طرحت قراءتي الخاصة لمسألة الأموريين، وحاولت من خلالها إعادة النظر في هويتهم وأصولهم وعلاقتهم بالشعوب والجغرافيا المحيطة بهم. وعملت كذلك على تحديد ما أراه الجغرافيا التاريخية لكوردستان الكبرى، من خلال مقارنة الخرائط التاريخية وأسماء المناطق والجبال والأنهار والمدن والمصادر القديمة والحديثة. ومن أبحاثي التي أعتز بها أيضًا دراسة أكاديمية خصصتها لمسألة أصول السومريين. وفيها أطرح أطروحتي بأن البحث عن جذورهم ينبغي أن يتجه نحو المجال الحوري والزاغروسي والكوردي القديم، وأقدم الأدلة والمقارنات التي بنيت عليها هذا الاستنتاج، مع مناقشة النظريات الأخرى المتعلقة بأصل السومريين. وأؤكد عندما أطرح مثل هذه الآراء أنني أقدم نتائج بحثي وأطروحاتي الشخصية؛ فالقول إنني أول من فك «شفرة الأموريين»، أو أول من ربط الكورد بجذور حورية، أو أنني أثبت الأصل الحوري-الكوردي للسومريين، هو ما أتوصل إليه وأدافع عنه في أبحاثي، وأضع أدلتي أمام القارئ والباحث للنقاش والنقد والمقارنة. لماذا أبحث في التاريخ؟ بعد هذه السنوات الطويلة أصبحت أكثر اقتناعًا بأن وظيفة الباحث ليست الدفاع عن الرواية التي ورثها، وإنما اختبارها. أنا لا أبحث لكي أكرر ما كتبه الآخرون، ولا أعتقد أن قدم النظرية يجعلها صحيحة بالضرورة. أبحث في النقوش، والآثار، والجغرافيا، واللغات، والخرائط والمصادر، وأقارن بينها قدر استطاعتي، لأنني أؤمن بأن اكتشافًا أثريًا واحدًا أو قراءة صحيحة لنقش قديم قد يجبرنا أحيانًا على إعادة النظر في صفحات كاملة من التاريخ. قد يتفق القارئ معي، وقد يختلف، وهذا حقه. ما أطلبه هو أن يكون الدليل هو الحكم. رحلتي التي بدأت من قرية الزهرية، ومرت بحلب ودمشق وبيروت، واستقرت بي في هولندا، تحولت عبر العقود إلى رحلة بحث عن شيء واحد: الحقيقة التاريخية كما أستطيع الوصول إليها، لا كما يراد لي أن أراها. وما زلت أقرأ وأبحث وأراجع وأصحح؛ لأنني أؤمن أن الباحث الحقيقي لا يصل إلى يوم يقول فيه إنه عرف كل شيء، بل يبقى مستعدًا لأن يعيد النظر في رأيه عندما يظهر أمامه دليل أقوى. أنا الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد باحث في التاريخ والفكر، ومؤرخ وكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *