أصول الأرمن من منظور حوري–أورارتي
بقلم الباحث والمؤرخ أمير أبو حديد
أصول الأرمن من منظور حوري–أورارتي
دراسة في الاستمرارية السكانية والحضارية من الحوريين إلى أرمينيا القديمة
أقدّم في هذا الكتاب دراسة تاريخية أبحث من خلالها في الجذور القديمة للشعب الأرمني، متتبعًا التاريخ السكاني والحضاري للمرتفعات الأرمنية وشمال بلاد الرافدين والأناضول الشرقي، منذ الحوريين وممالكهم القديمة، مرورًا بشعوب نايري ومملكة أورارتو، وصولًا إلى ظهور أرمينيا القديمة.
أنطلق في دراستي من فكرة أساسية: إن تاريخ الشعوب أقدم من تاريخ الأسماء السياسية التي أطلقت عليها. فظهور اسم «أرمينيا» في المصادر القديمة لا يعني أن تاريخ سكان هذه الأرض بدأ في اللحظة التي ظهر فيها الاسم، ولذلك أعود إلى الشعوب والممالك التي سبقت أرمينيا فوق الجغرافيا نفسها، وأضع الحوريين وشعوب نايري والأورارتيين في قلب هذا البحث.
وأولي أهمية خاصة للصلة اللغوية المثبتة بين الحورية والأورارتية، ثم أنتقل إلى القضية الأكثر تعقيدًا: ظهور اللغة الأرمنية الهندية الأوروبية، والتمييز بين تاريخ اللغة وتاريخ السكان. فأنا لا أرى أن تغير اللغة، في حد ذاته، يكفي لإثبات اختفاء السكان السابقين وظهور شعب جديد مكانهم.
ومن بحيرة وان وأورميا وسيفان إلى نهر أراس وأعالي دجلة والفرات وزاغروس، أتتبع الجغرافيا التي احتضنت هذه الشعوب، وأدرس الحوريين ومراكزهم وممالكهم، وشعوب نايري، وقيام أورارتو وعاصمتها توشبا وملوكها ولغتها وديانتها وآثارها، ثم سقوط المملكة وظهور اسم أرمينيا والتحولات السياسية والسكانية واللغوية والثقافية التي أعقبت ذلك.
وأبحث في النقوش المسمارية، وأسماء الملوك والآلهة والمدن، والقلاع والمعابد والمنشآت المائية والمعتقدات الدينية والعلاقات اللغوية، محاولًا أن أحدد ما استمر من مرحلة تاريخية إلى أخرى وما تغير، مع حرصي على التمييز بين ما تثبته النصوص والآثار وبين تفسيري التاريخي الخاص.
لا أتعامل مع الأرمن القدماء بوصفهم شعبًا ظهر فجأة فوق أنقاض أورارتو، ولا أفترض أن سقوط دولة يعني اختفاء سكانها. بل أطرح رؤية تقوم على وجود استمرارية سكانية وحضارية شاركت فيها القاعدة الحورية–الأورارتية القديمة، إلى جانب العناصر والتحولات السكانية واللغوية والسياسية التي عرفتها المنطقة عبر القرون.
إن هذا الكتاب رحلة عبر آلاف السنين، من الحوريين وأوركيش وميتاني، إلى شعوب نايري وأورارتو، ومنها إلى أرمينيا القديمة؛ رحلة أحاول من خلالها الوصول إلى ما يقع خلف الأسماء والحدود السياسية، والبحث عن الإنسان الذي بقي فوق أرضه بينما تغيرت الدول والممالك واللغات.
والسؤال الذي يرافقني منذ الصفحة الأولى حتى نهاية هذه الدراسة هو:
من هم السكان الذين عاشوا على هذه الأرض قبل ظهور اسم أرمينيا، وما مقدار ما بقي من إرثهم السكاني والحضاري في الشعب الأرمني القديم؟
الباحث والمؤرخ
أمير أبو حديد
