ملحمة كلكاميش و تأثيرها على الديانات السماوية..

الكاتب: نور الدين أبو حسين

▪︎تمهيد:

هناك علاقة واضحة وقوية بين المفردات السومرية و المفردات الكُردية. اللغة السومرية و اللغة الكُردية هما لغتان تعتمدان على لصق الكلمات مع بعضها البعض للحصول على مفردات جديدة. مثلًا: كلمة “بالا” بمعنى عالٍ، رفيع. تصبح حين تلصق بكلمة أخرى مثل “دَسْت أي يد”: بالادست يكون لها معنى جديد هو “ذو شأن، قوي،..” و إذا تم إلصاق كلمة أخرى أمامها مثل “كار: عمل” ستصبح “كاربالا” بمعنى العمل الباهر،العظيم.. و هي بذلك تختلف عن اللغات الاشتقاقية. و منذ وقت مبكر، نشر العلامة البريطاني: L.A.Waddell دراساته اللغوية عن علاقة اللغة السومرية باللغات الآرية و الإنكليزية و ذهب إلى أن الأبحاث الحديثة تثبت بأن الأصول الجينية لأغلب الإنكليز تعود لأصول من الشرق الأوسط و بالأخص مناطق جبال زاغروس، عيلام، الخليج الفارسي، العراق، وسوريا بسبب إنتقال الفلاحين إلى أوروبا في العصور القديمة و بعد إنتهاء العصر الجليدي أي منذ عشرة آلاف عام.▪︎المعنى الحرفي لكلمة كلكاميش باللغة الكُردية:كلمة كلكاميش مؤلفة من ثلاث مقاطع: (كل: gil، كا:ga، ميش:mêş) :(كل): تعني الشجاع، هائج، ضخم.(كا): ثور، ذكر البقر.(ميش): حيوان مجنح، أي ثور مجنح.▪︎تبدأ الملحمة بالحديث عن كلكاميش. ملك أوروك حيث كانت والدته إلهة خالدة و والده من البشر و لهذا قيل بأن نصفه إله و نصفه الآخر بشر. كان هذا الإنتماء المزدوج يؤرق كلكاميش و يؤثر في نفسيته لقناعته بأنه سوف لن يكون خالدًا كالآلهة بسبب نصفه البشري و سوف لن يكون مهابًا و مبجّلًا في نظر العامة لذلك قام بتسخير الناس لبناء سور ضخم حول مملكته العظيمة. إبتهل سكان أوروك للآلهة بأن تخلصهم من ظلم كلكاميش فاستجابت الآلهة و قامت إحدى الإلهات و اسمها “أرورو” بخلق “أنكيدو” من الطين يغطي جسده شعر كثيف و يعيش مع الحيوانات أي على النقيض تمامًا من كلكاميش. كان أنكيدو يحمي الحيوانات من بطش الصيادين. فقام الصيادون برفع شكواهم إلى الملك كلكاميش. أمر كلكاميش إحدى خادمات المعبد بلقاء أنكيدو و محاولة إغرائه ليمارس الجنس معها و بهذا يصبح أنكيدو مستأنسًا و مروَّضًا و سوف تبتعد عنه الحيوانات. نجحت خطة كلكاميش و بدأت خادمة معبد الإلهة عشتار و كان “اسمها شمخات” بتعليم أنكيدو الحياة المدنية و اخبرته عن قوة كلكاميش و كيف يدخل بالعرائس قبل أزواجهن. و لما عرف أنكيدو بهذا الأمر قرر تحدي كلكاميش بقتاله لثنيه عن إرتكاب هذه العادة لكن الغلبة كانت لكلكاميش واعترف أنكيدو بقوة غريمه. بعد هذه الحادثة يصبح الإثنان صديقين حميمين. و كان كلكاميش دائمًا يحب القيام بأعمال عظيمة تخلد إسمه فقرر في يوم من الأيام الذهاب إلى غابة الأرز و قطع جميع أشجارها و لتحقيق هدفه يجب أولًا القضاء على حارس الغابة. يبدأ كلكاميش و أنكيدو رحلتهما نحو الغابة بعد حصولهما على مباركة “شمش” إله الشمس و بدآا بقطع الأشجار فاقترب منهما حارس الغابة “خومبابا” ليبدأ قتال عنيف بينهم قُتل على إثره حارس الغابة الأمر الذي أثار غضب إلهة الماء “أنليل” التي أناطت مسؤولية حراسة الغابة لخومبابا.بعد مصرع حارس الغابة القوي و الضخم بدأ إسم كلكاميش بالإنتشار و طبقت شهرته الآفاق فحاولت الإلهة عشتار التقرب منه بغرض الزواج لكن كلكاميش رفض ذلك فشعرت عشتار بالإهانة و غضبت غضبًا شديدًا و طلبت من والدها “آنو: إله السماء” أن ينتقم لكبريائها فيقوم آنو بإرسال ثور مقدس من السماء لكن أنكيدو تمكن من الإمساك بقرن الثور بينما قام كلكاميش بالاجهاز عليه و قتله.بعد مقتل الثور المقدس، يعقد الآلهة إجتماعًا للنظر في كيفية معاقبة كلكاميش و أنكيدو فيقرر الآلهة قتل أنكيدو لأنه كان من البشر أما كلكاميش فكان يسري في عروقه دم الآلهة من جانب والدته لذلك بقي على قيد الحياة. بعد موت أنكيدو، يصاب كلكاميش بحزن شديد و يرفض أن يقوم أحد بدفن الجثة لمدة أسبوع ثم قام بنفسه بدفن الجثة لينطلق بعدها شاردًا في البراري و قد تخلى عن ثيابه الفاخرة و ارتدى جلود الحيوانات و يدرك حينها حقيقة الموت و بدأ بالبحث عن سر الخلود. ولإيجاده عليه مقابلة الإنسان الوحيد الذي وصل إلى ذلك السر و هو “أوتنابيشتم” و أثناء بحثه يلتقي بإحدى الإلهات “سي دوري” إلهة النبيذ فتقوم بتقديم مجموعة من النصائح إلى كلكاميش و التي تتلخص بأن يستمتع كلكاميش بما تبقى له من الحياة بدل أن يقضيها في تلك الرحلة العسيرة. ساعدت سي دوري كلكاميش لإلحاحه الشديد في عبور بحر الأموات و وصل إل أوتنابيشتم ليبلغه سر الخلود. سرد له أوتنابيشتم قصة الطوفان العظيم الذي حدث بأمر من الآلهة و قد نجا هو و زوجته فقط من ذلك الطوفان و قررت الآلهة منحهما الخلود.بعد أن لاحظ أوتنابيشتم إصرار كلكاميش، قام بعرض فرصة عليه ليصبح خالدًا. فإن تمكن كلكاميش من البقاء متيقّظًا دون أن يغلبه النوم لمدة ستة أيام و سبع ليالي سيصبح من الخالدين لكنه فشل في هذا الإختبار. شعرت زوجة أوتنابيشتم بالشفقة على كلكاميش فدلّتْهُ على عشب سحري ينمو تحت البحار بإمكان ذلك العشب إرجاع الشباب الدائم إلى كلكاميش. بدأ كلكاميش بالغوص في أعماق البحر في أرض الخلود و تمكن من الحصول على تلك العشبة. بعد حصوله على تلك العشبة، قرر أن يأخذها إلى أوروك ليجربها على رجل طاعن في السن قبل أن يقوم هو بتناوله و لكن في طريق العودة أراد أن يغتسل في النهر. و بينما كان في النهر، جاءت إحدى الأفاعي و سرقت العشبة و تناولتها فرجع كلكاميش إلى مملكته أوروك صفر اليدين. اقترب من مملكته و رأى السور العظيم الذي بناه حول المملكة فوصل في قرارة نفسه إلى نتيجة مفادها بأن عمل ضخمًا كهذا السور هو أفضل طريقة لتخليد إسمه. و في النهاية تتحدث الملحمة عن موت كلكاميش و حزن أوروك على فقدانه. ▪︎

الخلاصة:========

▪︎يقول عالم الآشوريات الكسندر هايدل: إن تأثير الملحمة في الكتاب المقدس معترف به و مقبول أكاديميًّا و العديد من المواضيع و عناصر الحبكة الدرامية و الشخصيات في هذه الملحمة لها نظائر في الكتاب المقدس العبري و لا سيما مواضيع جنات عدن، النصيحة في سفر الجامعة و الطوفان في كل من سفر التكوين و القرآن.▪︎هناك أوجه تشابه دقيقة بين قصة (أنكيدو-شمخات) و (آدم-حواء) حيث أن الرجلين أنكيدو و آدم مخلوقان من الطين و المرأتان : شمخات و حواء قامتا بإغواء الرجلين. ▪︎العديد من الشخصيات في الملحمة لديها نظائر في الكتاب المقدس و أبرز الأمثلة Nin ti نين تي إلهة الحياة السومرية تم خلقها من ضلع إنكي لتشفيه بعد أن كان قد أكل من الزهور الممنوعة.▪︎ورد في الملحمة عدد “ستة أيام” و هي الفترة التي ينبغي على كلكاميش أن يكون يقظًا فيها ليحصل على الخلود و نفس المدة الزمنية وردت في الكتب السماوية أن الله خلق الكون أيضًا في ستة أيام. ============================

المصادر:

-A Sumer Aryan Dictionary by L.Austin Waddell, London 1927.- دراسة حديثة في موقع الديلي ميل البريطانية تحت عنوان:Most Britons Descended from Male Farmers who Left Iraq, and Syria, 10000 Years ago. – Gilgamesh “Randon House Webster’s” .- Hidel, Alexander, The Gilgamesh Epic and Old Testament Parallels: A Translation and Interpretation of the Gilgamesh Epic and Related Babylonian and Assyrian Decuments, Chicago, University of Chicago Press, 1946.

لا يتوفر وصف للصورة.
لا يتوفر وصف للصورة.