غياب الحلفاء وضرورة ولادة جبهة جديدة

الكاتب: بيوراسب دارا

في شرقٍ يزداد اضطراباً كل يوم، وتتشابك فيه المصالح الدولية والإقليمية، يقف الكورد أمام لحظة تاريخية تتطلب وضوحاً في الرؤية وجرأة في القرار. المنطقة كلها تتحرك، القوى تتبدل، الخرائط تهتز، والفراغات السياسية تُملأ بسرعة، ومن لا يملك مشروعاً واضحاً يجد نفسه خارج اللعبة. الكورد اليوم ليسوا مجرد طرف محلي، بل شعب أثبت حضوره في كل معركة خاضها، وقدم تضحيات جعلته رقماً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص مستقبل الشرق.

الكورد يفكرون في موقعهم وسط هذه التحولات، يفكرون في كيفية حماية وجودهم السياسي والاجتماعي، وفي كيفية تحويل نضالهم الطويل إلى مكاسب ملموسة. يدركون أن العالم لا يمنح الحقوق مجاناً، وأن من يريد أن يُسمع صوته عليه أن يتقن لغة السياسة، وأن يعرف أين تُصنع القرارات وكيف تُبنى التحالفات. يفكرون في بناء علاقات دولية مستقرة، وفي تقديم قضيتهم للعالم بصوت موحد، وفي تثبيت حضورهم في كل ساحة يمكن أن تؤثر على مستقبلهم.

الوضع العام في الشرق لا يبعث على الاطمئنان. الصراعات تتوسع، الأنظمة تتآكل، القوى الكبرى تتنافس على النفوذ، والشعوب تبحث عن مخرج من دوامة لا تنتهي. ومع ذلك، يبقى الكورد من أكثر الشعوب قدرة على الصمود، وأكثرهم استعداداً لتحويل الألم إلى قوة. التجارب القاسية التي مروا بها جعلتهم أكثر وعياً، وأكثر إدراكاً لطبيعة العالم الذي يعيشون فيه.

في الولايات المتحدة، يتحرك عدد من أعضاء مجلس الشيوخ لطرح مشاريع تتعلق بحماية الكورد، وهناك من يرى أن الكرد كانوا الشريك الأكثر ثباتاً في مواجهة الإرهاب، وأن دعمهم ضرورة استراتيجية. هذه الأصوات لا تمثل سياسة أمريكية كاملة، لكنها تشكل فرصة سياسية يجب استثمارها. من بين هذه الأصوات يبرز السيناتور ليندسي غراهام، الذي تحدث بوضوح عن أهمية دعم الكورد، وعن ضرورة عدم تركهم وحدهم. توجيه الشكر له هو رسالة سياسية بأن الكرد يقدّرون من يقف معهم، وأن العلاقات تُبنى على المواقف الواضحة.

وفي خضم هذا كله، يطرح كثيرون سؤالاً جوهرياً: لماذا لا يتجه الكورد نحو الإيباك وإسرائيل لبناء صداقات جديدة؟ السياسة لا تعترف بالعواطف، والسياسة لا تنتظر من أحد أن يفهمك إذا لم تبادر أنت إلى شرح نفسك. الشعوب التي تريد أن تحمي نفسها تبني تحالفات، تفتح قنوات، تبحث عن مصالحها، وتتحرك في كل الاتجاهات الممكنة. الكرد بحاجة إلى حضور قوي في مراكز التأثير، بحاجة إلى أن يكون لهم صوت في الأماكن التي تُصنع فيها القرارات الكبرى.

وهنا يظهر سؤال آخر أكثر عمقاً: ألم نتعلم السياسة بعد؟ ألم نتعلم أن التردد يكلّفنا الكثير، وأن الانقسام يضعفنا، وأن الانتظار يسرق منا الفرص؟ التاريخ لم يكن لطيفاً مع الكرد، لكنه أيضاً لم يغلق الباب أمامهم. الفرص موجودة، لكنها تحتاج إلى من يلتقطها. لا يكفي أن تكون صاحب قضية عادلة، يجب أن تكون صاحب مشروع واضح، وصاحب خطاب قادر على الوصول إلى العالم.

وفي النهاية، تبقى الثورة ضرورة حين تُغلق الأبواب، ويبقى تشكيل جبهة شعبية واسعة خياراً لا غنى عنه. جبهة تعيد تعريف القضية الكوردية وفق القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، جبهة تقدم للعالم صورة واضحة عن شعب يطالب بحقه الطبيعي في الحرية والكرامة، جبهة تمنع الآخرين من كتابة قصته نيابة عنه. القضية الكوردية ليست قضية ثانوية، إنها قضية شعب يريد أن يعيش بسلام، ويريد أن يكون سيد قراره، ويريد أن يجد مكانه في عالم لا يعترف إلا بمن يفرض وجوده.

هذا هو الشرق اليوم، وهذه هي لحظة الكورد، وهذه هي مسؤوليتهم أمام أنفسهم وأمام التاريخ.