عيد نوروز، تاريخ وأساطير [6 – 8]

الدكتور:مهدي كاكەيي

الخلفية التاريخية لِعيد نوروزعيد (أكيتي) السومري وعيد (نوروز) الكورديفي البداية أود أن أقول إنّ الإحتفالات بِقدوم فصل الربيع والدفء والنور وإشراقة الشمس وخضار الأرض وإختفاء الشتاء والبرد والظلام، بدأت منذ أن ظهر الإنسان العاقل على كوكبنا الأرضي وإكتسبت هذه المناسبة أسماءً مختلفة عبر الحُقب الزمنية التي مرّ بها الإنسان ونسجت شعوب المنطقة حولها مختلف الأساطير والقصص التي ترمز الى التحرر والقضاء على الطغاة والظلم وصبَغَتْها هذه الشعوب بِأصباغٍ قومية ووطنية ودينية، تُمجّدها وتُلهمها في مواصلة نضالها من أجل تحقيق حريتها وتقدمها ورفاهيتها وتُمجّد ماضيها وتمنح الأمل لها في مستقبل مضيء لها ولأجيالها القادمة. في الأزمنة القديمة كان التقويم الطقوسي في بلاد ما بين النهرين، يستند على الإعتدال الربيعي والخريفي، حيث أنه عندما يكون القمر والشمس في توازن مثالي مع بعضهما، تبدأ بداية السنة الزراعية ونهايتها على التوالي. أي أنه كان يتم إنطلاق الاعتدال الربيعي من خلال ظهور أول قمر جديد للربيع والذي يصادف نهاية شهر مارس/آذار أو بداية شهر أپريل/نيسان وفقاً لِدورة القمر السنوية، بينما يُمثّل الإعتدال الخريفي ظهور أول قمر جديد للخريف. تُشير الأساطير السومرية الى أنّ سكان بلاد ما بين النهرين كانوا مزارعين، قاموا بِبناء المدن في هذه البلاد. لذلك كانت تُقام إحتفالات مُهيبة في بداية ونهاية السنة الزراعية، حيث أنّ هاتَين المناسبتَين كانتا تُصادفان إعتدال فصل الربيع والخريف على التوالي. بمرور الوقت تحولت هذه الإحتفالات إلى إحتفالات دينية ذات أهمية كبرى في تقويم الطقوس الدينية لبلاد ما بين النهرين. بالنسبة لإحتفالات الخريف، كان السومريون يحتفلون بِتساوي النهار والليل في الخريف، حيث كانوا يحتفلون بِجني المحاصيل الزراعية ويُعبّرون عن فرحهم بِجمع منتوجاتهم الزراعية بعد عملٍ شاق يستمر لأشهر عديدة، حيث كانوا يزرعون المحاصيل الزراعية ويخدمونها الى أن يحين موعد حصادها وجمعها وتناولها. كان الإعتدال الخريفي يُمثل أول قمر جديد للخريف. كان إسم عيدهم الخريفي هو (Zag-mug) الذي يعني بالسومرية (ميلاد السنة الجديدة) أي ميلاد يوم جديد أو ميلاد الشمس من جديد بعد خلاصها من هيمنة الظلام. لا تزال هذه الكلمة المركبة باقية في اللغة االكوردية (زگماك) التي تعني (أُم أو ما له علاقة بالولادة)، حيث على سبيل المثال، أنّ مصطلح (زمانی زگماك Zimanî Zigmak) يعني (لغة الأم) باللغة الكوردية. تُشير النصوص السومرية أيضاً الى أنّه كان للسومريين عيد يبدأ في الأول من شهر نيسان من كل عام وكان إسم هذا العيد هو (أكيتي (Ákiti) وكانت إحتفالات السومريين بهذا العيد تستمر لمدة أحد عشر يوماً [1]. بدأت إقامة مهرجان السنة الجديدة (عيد أكيتي) في بلاد ما بين النهرين في مدينة أور التي كانت مدينة الإله (نانا Nanna) الذي كان الإله السومري للقمر وكان يحكم كلاً من (مرور الوقت) و (خصوبة التربة) وكان إبناً لإله وإلهة الهواء (إنليل Enlil) و (نينليل Ninlil)) [a]. مع مرور الوقت إنتقلت طقوس مهرجان (أكيتي) من مدينة (أور) الى المدن السومرية الأخرى والى بقية مدن بلاد ما بين النهرين، حيث على سبيل المثال تم تبنّي المهرجان من قِبل مدينة (نيپور Nippur)، التي كانت العاصمة الدينية لبلاد ما بين النهرين وكذلك مدينة (أداب Adab) و(أوروك Uruk) و(أريدو Eridu) وغيرها، حيث أنّ كل مدينة قامت بِتعديل المهرجان فيها وفقاً لِطقوس الإله الرئيسي لها. كل مدينة إحتفلت بِهذه المناسبة بإدخال تمثال إلهها أو إلهتها الخاصة بها. كانت هذه المهرجانات فرصة عظيمة للترحيب بالإله أو الإلهة المحلية وإظهار الإحترام له أو لها وهذه بدورها دفعت الإله أو الإلهة الى أن يقوم بإدارة المدينة بالعدل وتقديم الخدمات التي كانت المدينة وِأهلها بِحاجةٍ لها [a]. كان برنامج المهرجان السومري يبدأ بِقدوم إله القمر (نانا Nanna)، الذي كان يُرمَز إليه بتشميع القمر في السماء ويتم تمثيله من خلال جلب تمثال له الى مدينة (أور) من خارج المدينة. قبل جلب التمثال الى مدينة (أور)، كان التمثال يوضَع مؤقتاً في بناية كانت تُسمى “بيت أكيتي”، حيث كان هناك يتم تقديم الأضحية والصلوات الى الإله خلال مكوثه في هذا البيت. كان يتم جلب التمثال في موكب فخم، ووضعه في مركبة كبيرة خاصة لمثل هذه الإحتفالات. بعد ذلك كان الإله يستلم إدارة المدينة ويخطط لها ويُدار من قِبله [a].الإسم السومري (Ákiti) إسم مُركّب، مؤلف من (3) ثلاث كلمات، هي (Á) و (ki) و (ti). حرف (Á) قد يشير إلى (لحظة زمنية) أي (وقت أو فترة)، و (ki) تعني (مكان)، وأن هذه الكلمة لا تزال باقية في اللغة الكوردية ومتحورة الى (جي Cî)، وكلمة (ti) تعني (لقاء) وهذه الكلمة السومرية متحورة في اللغة الكوردية الى (دي Dî) والتي تعني (إلتقى أو رأى). هكذا (Ákiti) قد يعني (لحظة لقاء ِإله القمر “نانا” بِمدينته الأبدية، “أور” لأول مرة) [b]، حيث كان الإله يُقيم مرة واحدة في مكانٍ خاص قبل إختيار مدينته التي يُقيم فيها بشكلٍ دائم. لذلك كان يُقام المهرجان للاحتفال بالوقت الذي إختاره الإله السومري (نانا) لتحديد مدينته. إستغراق المهرجان لمدة أحد عشر يوماً هو الفترة التي خلالها يتم تمكين القمر من الإنتهاء من تشمّعه في السماء أي هي المدة التي كانت تستغرقه رحلة الإله (نانا) من بيته المؤقت المُسمى “بيت أكيتي” إلى مدينته الدائمة (أور) [a]. هكذا، بمرور الوقت تحولت هذه الإحتفالات الموسمية الى إحتفالات دينية ذات أهمية قصوى في تقويم الطقوس الدينية لبلاد ما بين النهرين وتمّ تبنّي عيد (أكيتي) ليكون عيد الإله السومري للقمر نانا (Nanna) المولود من إنليل (Enlil ) و نينليل (Ninlil)، سيّد و سيدة الهواء، حيث كان هذا الإله يحكم كلاً من مرور الوقت و خصوبة الأرض، ولذلك كانت تُقام إحتفالات كبرى لإله القمر (نانا) في عيد (أكيتي).كما هو معروف، أنّ يوم 21 مارس/آذار هو رأس السنة الكوردية (عيد نوروز). يوم عيد نوروز يصادف الأوّل من نيسان حسب التقويم السومري. هذا يعني أن عيد نوروز يصادف يوم عيد (أكيتي) السومري الذي كان يُقام في الأول من نيسان من كل عام حسب التقويم السومري، وبذلك فأن عيد نوروز هو إمتداد لِعيد (أكيتي) السومري.عيد (أكيتي Akiti) السومري الذي كان السومريون هم أول مَن إحتفلوا به والذي كان يبدأ في الأول من شهر نيسان من كل عام، كان في الحقيقة عيداً للإحتفاء بإنتهاء فصل الشتاء بِقسوته وبرودته وثلوجه ورياحه وعواصفه وظلامه وإبتداء فصل الربيع، حيث الشمس الساطعة وتساوي طول الليل والنهار والمناخ المعتدل والطبيعة المكسوة بالخضار والأوراد البرية المنتشرة في كل مكان وزقزقة الطيور وولادات المواشي والأغنام وتدفق مياه الينابيع. كانت إحتفالات السومريين بِعيد (أكيتي (Ákiti) تستمر لمدة أحد عشر يوماً [1]. تستمر احتفالات الشعب الكوردي بِعيد نوروز لمدة (13) يوماً والذي يتم إختتامها في اليوم الثالث عشر من نوروز، حيث يخرج الناس في هذا اليوم الى حيث الطبيعة الخضراء، حاملين معهم مأكولاتهم التي يتناولونها ويُغنَون ويرقصون هناك ويُسمّى هذا اليوم باللغة الكوردية ب(سێزدەبەدەر) أي (الخروج الى حيث الطبيعة في اليوم الثالث عشر من عيد نوروز).هكذا فأنّ عيد نوروز، تعود جذوره الى آلاف السنين قبل الميلاد، حيث كان أسلاف الكورد السومريون يحتفلون في الربيع (21 آذار) بمناسبة تساوي النهار والليل في هذا اليوم والبدأ بزيادة طول النهار وحلول فصل الربيع. في هذا اليوم، تتخلص الشمس وتتحرر من قبضة الظلام.

قد تكون صورة ‏‏٧‏ أشخاص‏
قد تكون صورة ‏‏شخصين‏ و‏أشخاص يقفون‏‏