حتى الحجر.. الإتاوات تطال كل شيء في عفرين
مع بداية موسم الرمان أو العنب أو الزيتون، يستقبل الخمسيني أحمد شيخو من سكان ريف عفرين، دورية لفصيل الحمزات، لإعطائهم الضرائب أو الإتاوات المفروضة على مزارعي المنطقة و”حبة مسك فوقها للشباب”.
حجة الفصائل هي أنهم “يقومون بحماية تلك المحاصيل من السرقة، كما يعملون على حفظ الأمن والأمان” في المنطقة التي تسيطر عليها القوات التركية وفصائل الجيش الوطني السوري منذ مطلع العام 2018.
ومنذ سيطرة الفصائل الموالية لتركيا على منطقة عفرين وريفها قبل نحو خمس سنوات يتعرض السكان الأصليون لانتهاكات وابتزازات مستمرة شبه منظمة.
وتفرض تلك الفصائل الإتاوات على معظم المحاصيل الزراعية والمشاريع التجارية رغم قلتها، لا سيما وأن معظم تلك المشاريع باتت حكراً على النازحين الموجودين في عفرين وريفها والتي تزيد نسبتها عن 60 بالمئة، بينما 40 بالمئة منها فقط للسكان الأصليين والذين يتعرضون أيضا للتضييق المستمر.
ومنذ بداية موسم قطاف ورق العنب وقرب موعد قطاف الرمان والعنب، سارعت فرقتا الحمزة والسلطان سليمان شاه لفرض الإتاوات على المزارعين في المنطقة، إذ يسيطر الفصيلان على نحو 80 بالمئة من منطقة عفرين بعد أن تمكنوا قبل أشهر من طرد معظم الفصائل الأخرى إلى أعزاز وشمال شرقي حلب بمساندة هيئة تحرير الشام التي بات نفوذها واضحاً في المنطقة إما بشكل علني أو من خلال حلفائها الحمزات والعمشات.
إتاوات ليست بالجملة
ومنذ ثلاث سنوات يضطر أحمد شيخو (51 عاماً) وهو اسم مستعار، لأحد سكان بلدة الباسوطة جنوب عفرين، لدفع مبالغ مالية عن المحاصيل التي تنتجها أرضه، وهي الرمان والعنب والزيتون والدراق والتي تزيد مساحتها عن 20 هكتاراً.
إذ أنه كان يدفع سابقاً لفصائل الفيلق الثالث، بينما هذا الموسم تسلم الأمر فرقة الحمزات بتعليمات مباشرة من قائدها “سيف بولاد”، بحسب “شيخو”.

وأضاف “شيخو” لنورث برس، أن الضرائب على محاصيله لا تفرض بالجملة، أي مثلاً مبلغاً مالياً عن كل محاصيله يدفعه نهاية كل عام، بل يدفع عن كل شجرة مثمرة في أرضه والتي يزيد عددها عن خمسة آلاف شجرة مثمرة.
وأوضح أن الفيلق الثالث كان يفرض في السنوات الماضية “مبلغ نصف دولار عن كل شجرة مثمرة ولا يفرض شيئاً على قطاف ورق العنب، بينما فرقة الحمزات اليوم تفرض دولاراً واحداً على كل شجرة مثمرة”.
ولاحقت الفرقة أيضاً، موسم قطاف ورق العنب وفرضت أيضاً نصف دولار على كل شجرة، رغم قلة أرباح ذلك القطاف بالنسبة للمزارع.
وأشار “شيخو” إلى أن الحمزات يعتمدون كثيراً على الإتاوات التي يفرضونها على المزارعين، إذ لا يثقون بالعدد الذي يقوله صاحب الأرض عن الأشجار التي لديه.
وشكلت الفرقة لجاناً شبه رسمية مهامها إحصاء كل شجرة مثمرة في الباسوطة وكذلك في عين دارة والغزاوية وغيرها من المناطق الأخرى في عفرين.
ويتساءل المزارع: “كيف لا تقوم بذلك وهو شيء يدر عليهم مئات آلاف الدولارات سنوياً لا سيما وأن لا أحد يجرأ على التخلف من الدفع، وعواقب ذلك قطع الأشجار أمام أنظار صاحبها”.
ويقول كوران الحلبي (48 عاماً) وهو اسم مستعار لأحد سكان بلدة شران بريف عفرين، لنورث برس، إن “الإتاوات تفرض على كل شيء في عفرين حتى على البسطات الصغيرة على جوانب الطريق”.
ويضطر معظم أصحاب المحال التجارية في البلدة لدفع ضريبة شهرية لفصيل السلطان مراد تتراوح بين 10 و 15 دولاراً، وذلك بحسب المشروع التجاري والأرباح التي يجنيها.
كما يدفع المزارعون في البلدة سنوياً عن كل شجرة زيتون دولاراً أمريكياً، كما يفرض على كل مزارع تزيد مساحة أرضه عن ثلاثة هكتارات 30 كيلو من زيت الزيتون.
وأضاف لنورث برس: “مؤخراً بدأ حصاد محصول القمح في بعض مناطقنا، لذلك يريد المزارعون إحضاره وتسليمه إلى مراكز خزن الحبوب في عفرين والتي يحددها المجلس المحلي، إلا أنه تتم مطالبة المزارعين الكرد بدفع الإتاوات على كل حاجز يضطر المزارع للمرور منه، وتختلف التسعيرة من حاجز لآخر”.
ويطالبون أيضاً سائقي ماكينات حصاد القمح الكرد وغيرهم “بدفع الأموال لتأمين الحماية اللازمة لهم أثناء الحصاد على حد قولهم”.
ويلفت المزارع إلى أن تلك الضرائب في الحقيقة “باتت ترهق سكان المنطقة لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي يعاني منها معظم السكان”.
محاصرون
وفي الشيخ حديد غرب مركز مدينة عفرين، حيث معقل فصيل السلطان سليمان شاه (العمشات)، تفرض الضرائب والإتاوات العلنية على كل شيء في المنطقة حتى على الحجر، وفقاً لعبد الرحمن حديد (40 عاماً)، وهو اسم مستعار.
ويملك “حديد” منشرة للحجر والرخام وتصنيع البلوك في إحدى القرى التابعة لناحية الشيخ حديد، إذ يضطر لدفع إتاوات شهرية للجنة المخصصة لجمع الضرائب والإتاوات من السكان في المنطقة، وتتراوح بين 20 و30 دولاراً وذلك حسب التقييم الذي تحدده تلك اللجنة بغض النظر عن أرباح المنشرة إن كان عملها جيداً أو لا.
كما أنه يضطر لدفع الإتاوات لمعظم الحواجز أثناء مرور بضائعه من حجر ورخام ومواد البناء، وأقل حاجز يفرض ما يقارب الخمس دولارات وأحيانا تتجاوز الـ 10 دولارات.
ويفكر “حديد” في إغلاق المنشرة التي يملكها بسبب الخسائر التي بات يتكبدها شهرياً من الإتاوات والضرائب المفروضة عليه، وذلك على الرغم من كونها مصدر دخل عائلته الوحيد والتي يزيد عدد أفرادها عن عشرة أشخاص بما فيهم والديه الذين يعانون المرض.
وإغلاق المنشرة سيدفع “حديد”، للاعتماد فقط على ما تنتجه أرضه من العام إلى العام رغم أنها أيضاً لا تنجو من تلك الإتاوات، “وفي النهاية لا يوجد أحد نشتكي إليه وليس هناك من يسمعنا، وما يسعنا إلا أن نصبر إلى أن يأتي الفرج الذي يبدو أنه بعيد”، على حد تعبيره.
المصدر، نورث برس