بين دمشق وروج آفا… من يضغط على زرّ الفوضى؟
الكاتب: بيوراسب داريوس
في الشرق الأوسط، لا شيء يحدث صدفة، ولا حدث يمرّ دون أن يترك ظلاله على خرائط السياسة. هنا، تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع حسابات الدول الإقليمية، وتتحرك الخطوط كما لو أن الأرض نفسها تتنفس تحت أقدام اللاعبين. الولايات المتحدة وإسرائيل تقفان في قلب هذه المعادلة، تمسكان بخيوط كثيرة، وتتركان الآخرين يتصارعون على المساحات الضيقة بين النفوذ وال
واشنطن، التي اعتادت إدارة الأزمات بدل حلّها، تتعامل مع المنطقة كرقعة شطرنج واسعة. لا تريد حرباً شاملة، ولا سلاماً كاملاً، بل توازناً هشاً يسمح لها بالبقاء الحكم واللاعب في آن واحد. أما إسرائيل، فتنظر إلى كل ما يجري من زاوية الأمن وحده؛ أي حركة في سوريا أو العراق أو لبنان تُقرأ كاحتمال تهديد، وأي تقارب بين خصومها يُعدّ خطراً يجب احتواؤه قبل أن يتشكل.
وسط هذه التوازنات، كانت دمشق تعيش لحظة حساسة. تقاربٌ خجول بدأ يظهر بينها وبين روج آفا، خطوات صغيرة لكنها ثقيلة في معناها، وكان من المقرر أن يزور مظلوم عبدي العاصمة لفتح باب جديد من الحوار. لكن الشرق الأوسط لا يسمح للخطط أن تكتمل بسهولة.
فجأة، وقع الانفجار. استُهدف موكب الرئيس أحمد الشرع، وارتفعت سحابة الدخان في سماء دمشق كأنها إعلان عن عودة الفوضى. أصيب الشرع، ونُقل لتلقي العلاج، بينما دخلت العاصمة في حالة استنفار. لم يعد ممكناً الحديث عن لقاءات سياسية أو تفاهمات جديدة؛ كل شيء تجمّد عند لحظة الانفجار. وهكذا، أُلغيت زيارة مظلوم عبدي، ليس بسبب خلاف سياسي، بل لأن الأمن في دمشق لم يعد يحتمل أي خطوة إضافية.
ومع أن الحادث لم يُربط رسمياً بأي جهة، إلا أن كثيراً من المراقبين عادوا إلى السؤال القديم الذي يتكرر كلما اقتربت دمشق وروج آفا من بعضهما: لماذا تظهر العراقيل دائماً في اللحظة التي يبدو فيها أن الحوار قد يجد طريقه؟ ولماذا تبدو تركيا، في كل مرة، الطرف الأكثر انزعاجاً من أي تقارب بين الطرفين؟
بالنسبة لأنقرة، أي خطوة نحو تفاهم بين دمشق والإدارة الذاتية تعني احتمال اعتراف سياسي بوجود كردي منظم على حدودها الجنوبية. وهذا وحده كافٍ لتتحرك تركيا بكل أدواتها: ضغط سياسي، تصعيد عسكري، أو استخدام الفصائل المسلحة التي تدور في فلكها. فتركيا لا تريد كياناً كردياً مستقراً، ولا نموذجاً ناجحاً يمكن أن يلهم أكرادها داخل الحدود. لذلك، كلما تقدمت دمشق وروج آفا خطوة، ظهرت أمامهما خطوات معاكسة، وكأن هناك من يحرص على إبقاء المسافة بينهما ثابتة.
وفي الشمال السوري، تتهم أصوات كثيرة تركيا والفصائل التابعة لها بأنها المستفيد الأكبر من استمرار الفوضى. فالفوضى تمنح نفوذاً، وتسمح بإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا، وتُبقي أوراق الضغط بيد أنقرة في مواجهة الجميع: دمشق، روج آفا، وحتى واشنطن وموسكو.
وهكذا، يصبح الشرق الأوسط مسرحاً مفتوحاً، تتحرك فيه القوى كما لو أنها ترقص على حافة النار. كل خطوة محسوبة، وكل حدث يحمل أكثر مما يظهر على السطح. الانفجار الذي أصاب موكب أحمد الشرع لم يكن مجرد حادث أمني؛ كان حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التوازنات التي تُكتب بالدم والضغط والمصالح المتشابكة.
ومع ذلك، يبقى السؤال معلّقاً في الهواء: هل يمكن لأي مشروع سياسي في سوريا أن يكتمل ما دامت القوى الإقليمية والدولية تتعامل مع البلاد كساحة نفوذ لا كدولة؟ وهل يمكن لدمشق وروج آفا أن تقتربا فعلاً، أم أن الطريق بينهما سيظل محفوفاً بالعراقيل التي تُزرع كلما ظهرت فرصة للحوار؟
ربما يكون المستقبل مرهوناً بقدرة السوريين أنفسهم على تجاوز هذه الحقول الملغومة، وصياغة معادلة جديدة لا تُكتب في أنقرة أو واشنطن أو تل أبيب، بل تُكتب بيدهم… على أرضهم… ولأجلهم.