الى الاحزاب الكردية التي تدعي أنها تناضل من أجل الديمقراطية

الكاتب الأستاذ فيصل يعقوب

🔸ما هي الديمقراطية ؟ و ما هو النظام الديمقراطي ؟ و ما هي شروط و مستلزمات تطبيق النظام الديمقراطي و إمكانية تطبيقه في مجتمعاتنا ؟

🔸هذه الأسئلة تحتاج إلى الكثير من البحث ،و لتجنب الأمور المملة و التي قد تفسد متعة القراءة لدى القارئ سيتم أختصار بقدر الإمكان ،

🔸الديمقراطية تعني حرفيًا حكم الشعب ، أي بمعنى أن يحكم شعب ما نفسه بنفسه ! ولكن كيف لشعب ما أن يحكم نفسه بنفسه ؟ ( أي أن تكون إرادة الشعب هي مصدر السلطة الشرعية ).

🔸١ـ أن يتم ذلك بشكل مباشر حيث يصوت المواطنون شخصيًا حول القوانين، والقرارات، والتعيينات .

🔸٢ـ غير المباشرة ، حيث يتم تمثيل الشعب من قبل هيئة منتخبة ، مثل مجلس أو برلمان.

🔸و لتطبيق القوانين والقرارات والتعيينات التي إتخذها الشعب بشكل مباشر أو غير مباشر لا بد من جهاز معين ( الدولة ، الحكومة ، السلطة التنفيذية ) .

🔸ـ أي النظام الديمقراطي ( دولة ديمقراطية )، يكون الشعب بأكمله صاحب سيادة وكل السلطة تقوم على موافقة الشعب (على الأقل نظريًا). يعتمد هذا الشكل من الحكم على المثل الأعلى للمساواة بين البشر. إذا وُلِد الجميع أحرارا ومتساوين في الحقوق والواجبات (كما هو مذكور في المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) ، فلن يكون لأحد الحق أكثر من أي شخص آخر في سن قوانين معينة أو اتخاذ قرارات. غالبًا ما يكون تطبيق هذه النظرية في الممارسة السياسية ليس سهلاً وله جوانب عديدة. و جوهر الديمقراطية لا تعني ذهاب إلى صناديق الانتخابات و الحصول على نتيجة نصف زائد واحد ، لا بل هو ترك الناس في أختياراتهم في كيفية تنظيم و إدارة أمور حياتهم ، طبعا لا بد من وجود الحريات و على رأسها حرية الرأي و التعبير التي تعد من أهم مؤشرات الانفتاح في المجتمع. حيث يوجد مجال للآراء المختلفة والأصوات الجديدة هي مساحة للناس ، في جميع اختلافاتهم. هي حرية المواطنين في التعبير عن قناعاتهم دون رقابة مسبقة من قبل الدولة. و يُنظر إلى حرية التعبير كمفهوم متكامل في الديمقراطيات. إن حرية التعبير عن رأيك دون خوف من الاضطهاد مذكورة صراحة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .

🔸و جوهر الديمقراطية تكمن أيضًا في فهم أن الاكثرية عند أخذ القرارات تفسح المجال للأقلية بمواقفها و سلوكها و ان الحقوق الاساسية لشعب او فئة ما تأخذ مكانها و معانيها الحقيقية في بلد يستطيع الاقليات ان تعيش فيه بحسب رؤيتهم و معتقداتهم الخاصة بهم و بدون ان يكون احدهم عبأ على الاخر .

🔸ملاحظة المقصود بالاقليات ليست فقط الاقليات العرقية أو الدينية أو الطائفية بل الاقليات السياسية أيضاً ( الأحزاب الصغيرة ) أو المعارضة التي لا تشارك في الحكم .

🔸ـ و ما هي شروط و مستلزمات تطبيق النظام الديمقراطي و إمكانية تطبيقه في مجتمعاتنا ؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف أولاً ما هي البنية التحتية ( الأسس) التي تحتاج إليها الديمقراطية!

🔸١ـ تحتاج الديمقراطية إلى حرية الرأي و التعبير ، حرية الرأي هي حرية التعبير عن رأيك دون خوف من الملاحقة و الاضطهاد و لكنها ليست مطلقة مثلها مثل معظم الحقوق الأساسية الأخرى على سبيل المثال يعاقب على الإهانة والتشهير في ظل ظروف معينة و حرية التعبير مفهومًا لا يتجزأ في الديمقراطيات .

🔸٢ـ يحتاج نظام ديمقراطي إلى مجتمع مدني متحضر يوجد فيه ثقافة التسامح و الاحترام المتبادل و تقبل الآخر المختلف كما هو .

🔸٣ ـ تحتاج الديمقراطية إلى تأهل الطبقات البرجوازية الوطنية لخلق فرص العمل لتأمين العيش الكريم للطبقة العاملة و إلى تحرير المرأة و مساواتها بالرجل في كافة المجالات الحياة

🔸٤ـ تحتاج الديمقراطية إلى مستوى اقتصادي متطور و بنية اجتماعية متطورة و بيروقراطية عقلانية ( عدم إساءة أستخدام السلطة و المنصب في المحسوبيات و الفساد ).

🔸٥ـ تحتاج الديمقراطية إلى الطبقة المثقفة من العلماء و الفلاسفة الذين يساهمون بشكل فعال في بناء المجتمع.

🔸لو أخذنا الشرط الأول من هذه الشروط لتحقيق الديمقراطية سنجد بأن الديمقراطية هي قضية حضارية مدنية،و ليست قضية قبلية أو ريفية عشائرية ففي الثقافات العشائرية و القبلية هناك استخدام العنف و عدم تقبل الأخر ، الأحترام المتبادل و التسامح في حدودها الدنيا. في حين أن الثقافة المدنية المتحضرة مبنية على أساس الحرية الفردية و التسامح.أن أغلب الدول في الشرق الاوسط هي مازالت(اقطاعية) و لا توجد فيها كثير من التحضر و التمدن و لا توجد فيها بيئة فكرية اجتماعية فلسفية مستقلة و لا يوجد الابداع و التمرد على ماهو سائد في تلك المجتمعات من الثقافات العشائرية و القبلية . لذلك تحقيق الديمقراطية في الشرق الأوسط سوف يستغرق وقتا طويلا و الثورات اليوم سوف لم تحل القضايا الاساسية الاقتصادية و الاجتماعية على المدى القصير ، و إيجاد الحلول لهذه المشاكل هي أصعب بكثير من الإطاحة بدكتاتور ما . بما أن الفكر الإسلامي هو السائد في الشرق الاوسط و الثورات الربيع العربي تبدو ذات الصبغة الاسلامية و هي تنادي بالحرية و الحرية تعني غياب الإكراه و لا إكراه في الدين فهل سيتم تحقيق هذا الهدف أي الحرية؟ من حيث المبداء (قد لا يوجد هناك خلاف بين بعض الجوانب الايجابية في الإسلام و الديمقراطية في بعض مجالات الحياة ) إذا عرفنا بإن الديمقراطية ليست رديفة للعلمانية كما يعتقد الكثيرون، الديمقراطية هي نظام سياسي يحق فيها للإنسان ان يختار من سيحكمه.

🔸في حين العلمانية هي ايديولوجية لفصل الدين عن الدولة بحيث ان لا يتدخل الدين في الشؤون العامة للدولة و الناس ، وهل هذا ممكن في بلدان الشرق الاوسط؟ اعتقد بأن هذا صعب للغاية لذلك ربما من الأفضل ان ندعو إلى العلمنة!! وهي لاتعني العلمانية بل تعني التحضر ،الترشيد و التصنيع فإذا استطاعت هذه الثورات و القوى المحركة لها ان تعمل لتحضر و الترشيد و التصنيع قد نحقق الديمقراطية المنشودة.

🔸ملاحظة الغاية الحقيقية من الدعوة إلى العلمنة هي لانتقال إلى مجتمع ديمقراطي بأقل خسائر ممكنة ،أي تقليل ما أمكن من أستخدام العنف (و ابعاد الدين عن السياسة بشكل تدريجي) و العمل على تحضر لمجتمع المدني يسود فيه ثقافة التسامح و الأحترام المتبادل،لتخلص من المجتمعات العشائرية القبلية.