مقال: منظومة TVDM وتحولات الشراكة مع السلطة السورية
الكاتب: حسين قاسم(بيوراسب)
في المشهد السياسي الكوردي، برزت منظومة TVDM التابعة للـ PKK كقوةٍ ترفع شعارات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكنها في الواقع لا تمتلك من هذه القيم سوى الخطاب. فهذه المنظومة التي قدّمت نفسها كحركة تغيير، تحوّلت تدريجياً إلى جزء من البنية السلطوية التي تديرها الدولة السورية، وهي دولة لم تُعرف يوماً باحترامها لحقوق الشعوب أو التعددية السياسية.
لقد شهدنا في السنوات الماضية مواقف صادمة لهذه المنظومة، خصوصاً في شنكال وكري سبيه وسري كانيه وعفرين، حيث كان الشعب الكوردي يواجه حملات عنف وتهجير، بينما كانت TVDM تتخذ مواقف سياسية متناقضة مع مصالح أهلها، وتدخل في تحالفات أضعفت الموقف الكوردي في لحظات مصيرية. قدّم الكورد آلاف الشهداء في تلك المناطق، سقطوا دفاعاً عن الأرض والهوية، بينما كانت المنظومة نفسها تنخرط في مسارات سياسية لا تحمل أي مشروع تحرري حقيقي، بل تتقاطع مع قوى تعمل على إعادة إنتاج السلطة المركزية نفسها التي همّشت الكورد لعقود طويلة.
اليوم، وبعد سلسلة من التحولات، أصبحت منظومة TVDM شريكاً فعلياً في إدارة الدولة السورية، ليس فقط عبر المشاركة السياسية، بل عبر الانخراط في مشاريع خطيرة تستهدف الهوية الكوردية بشكل مباشر. أخطر هذه المشاريع هو تغيير أسماء المدن الكوردية، وهي خطوة لا يمكن تفسيرها إلا كتمهيدٍ لتعريبٍ ممنهج يعيد إنتاج سياسات الإنكار القديمة بثوبٍ جديد. إنّ المشاركة في هذا المشروع ليست مجرد خطأ سياسي، بل هي مساهمة مباشرة في محو الذاكرة الكوردية، وفي إعادة صياغة الجغرافيا بما يخدم السلطة المركزية لا الشعب الذي ناضل لعقود من أجل الاعتراف به.
والمفارقة أنّ بعض رموز هذه المنظومة يخرجون اليوم ليتحدثوا عن “كوردستان”، وكأنّ الكلمة يمكن أن تُقال بلا مسؤولية، أو كأنّ التاريخ يمكن أن يُعاد تشكيله عبر خطابٍ إعلاميٍّ منفصل عن الواقع. إنّ كوردستان ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل مشروع تحرريٌّ يحتاج إلى وضوحٍ سياسي، وإلى موقفٍ لا يتناقض مع مصالح الشعب الكوردي ولا يساوم على هويته.
لهذا، فإنّ المرحلة القادمة تتطلب ثورة وعي قبل ثورة السلاح، ثورة تُعيد تعريف المشروع الكوردي بعيداً عن المنظومات التي فقدت بوصلتها، وتحوّلت إلى جزء من السلطة التي طالما حاربت الكورد. ثورة تُعيد بناء الحركة الوطنية الكوردية على أسسٍ واضحة: حق تقرير المصير، حماية الهوية، واستعادة القرار السياسي من كل القوى التي اختطفته.
إنّ الشعب الكوردي لا يمكن أن ينتظر من منظومات مرتبطة بالسلطة أن تمنحه الحرية. الحرية تُنتزع عبر مشروعٍ تحرريٍّ حقيقي، مشروعٍ يفضّ كل الشراكات التي تُستخدم لإعادة إنتاج القمع، ويعيد للشعب الكوردي مكانته الطبيعية كصاحب قضية عادلة وحق تاريخي لا يسقط بالتقادم.
كوردستان لن تُبنى عبر الشعارات، بل عبر ثورةٍ تُعيد الأمور إلى نصابها، وتضع الشعب في مركز القرار، وتفتح الطريق نحو مستقبلٍ لا يُصادره أحد.
