أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

صراع السلطة، خوف القوميين، وورقة الكورد التي قد تعيد رسم الدولة

الكاتب: حسين قاسم(بيوراسب)

تركيا اليوم تتحرك فوق طبقات متراكمة من الأزمات؛ من نظام رئاسي شخصن الدولة حول أردوغان، إلى معارضة تنتظر لحظة سقوطه، إلى قضية كوردية لم تُحسم لا بالحرب ولا بالسلام، وكل ذلك في ظل شعور متزايد بأن مظلة الناتو لم تعد ضمانة ثابتة وأن الغرب يحمل لتركيا مزيجاً من الشك والضغينة. الحزب الجمهوري التركي يرى أن نهاية أردوغان ليست مجرد تغيير رئيس، بل فرصة لإعادة هندسة النظام السياسي برمّته، لذلك يراقب كل اهتزاز في شعبية أردوغان وكل تصدّع في تحالفه مع القوميين، لأنه يعرف أن أي انفتاح حقيقي على الكورد يمكن أن يعيد توزيع الخريطة الانتخابية ويؤخر لحظة السقوط. في المقابل، دولت بهجلي يدرك أن قوة خطابه القومي المتشدد قائمة على استمرار الصراع مع الكورد بوصفه “ملف أمن قومي”، وأن أي انتقال من لغة الحرب إلى لغة التسوية يهدد موقعه كحارس للهوية التركية الصلبة، لهذا يخشى أن يستخدم أردوغان ورقة السلام مع الكورد في لحظة ضعف ليجدد شرعيته ويكسب كتلة كوردية في باكور، فيتحول بهجلي من شريك ضروري إلى عبء سياسي. ما عُرض على أوجلان في عملية السلام السابقة لم يكن مشروع حل جذري، بل صفقة إدارة صراع: تخفيف السلاح مقابل فتح هامش سياسي محدود، اعتراف جزئي بالحقوق الثقافية واللغوية مقابل بقاء تعريف الدولة القومي على حاله، وقناة تفاوض مع أوجلان بوصفه مرجعاً للحركة المسلحة دون منحه شرعية تمثيل سياسي للكورد داخل تركيا. هذه الصيغة كانت مفيدة لأردوغان ما دام يحتاج إلى تهدئة الجبهة الكوردية لتوسيع نفوذه داخلياً وخارجياً، لكنها أصبحت عبئاً عليه عندما احتاج إلى تعبئة القوميين في لحظات الانتخابات، فاختار أن يضحّي بمسار السلام ليحافظ على تحالفه مع بهجلي وعلى صورة “الرئيس القوي” الذي لا يقدّم تنازلات. توقف عملية السلام لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة تراكب ثلاثة عوامل: أولاً، إدراك أردوغان أن أي تنازل إضافي للكورد سيُستخدم ضده في صناديق الاقتراع من قبل القوميين والإسلاميين المتشددين؛ ثانياً، ضغط بهجلي الذي بنى جزءاً من شرعيته على رفض أي حوار سياسي مع الـPKK وأوجلان؛ ثالثاً، تحوّل القضية الكوردية من ملف داخلي إلى عقدة إقليمية بعد صعود الكورد في روج آفا، ما جعل أنقرة ترى في أي مكسب للكورد داخل تركيا جزءاً من شبكة أوسع قد تعيد رسم حدود النفوذ في المنطقة. في هذا السياق، أردوغان يتحرك بعقلية لاعب يوازن بين ثلاث ساحات: ساحة الداخل حيث يحتاج إلى أصوات الكورد دون أن يخسر القوميين، وساحة الإقليم حيث يخشى من تشكّل كيان كوردستاني متصل جغرافياً، وساحة الغرب حيث يحاول أن يستخدم موقع تركيا في الناتو كورقة تفاوض لا كالتزام ثابت. لهذا يبدو أحياناً أنه يقترب من أوجلان ثم يبتعد، يفتح نافذة صغيرة للسلام ثم يغلقها، لأنه يتعامل مع القضية الكوردية كأداة في لعبة السلطة لا كملف وجودي للدولة. الحزب الجمهوري من جهته لا يملك رفاهية استخدام الكورد كورقة تكتيكية بنفس الطريقة؛ هو يدرك أن أي مشروع جدي لإعادة بناء تركيا بعد أردوغان يحتاج إلى صيغة جديدة للعلاقة مع الكورد، تقوم على دستور مدني أقل قومية وأكثر اعترافاً بالتعدد، لكنه يخشى أن يُتهم بأنه “يتنازل” أو “يفرّط” في الهوية التركية، لذلك يفضّل الآن أن يترك أردوغان يتحمل كلفة إدارة هذا الملف، وينتظر لحظة ما بعده ليطرح حلولاً تبدو عقلانية وهادئة. أوجلان في قلب هذه المعادلة ليس مجرد سجين، بل عقدة سياسية ورمزية؛ الدولة تراه مفتاحاً لضبط قرار السلاح، والحركة الكوردية تراه مرجعاً تاريخياً، وأردوغان يراه ورقة يمكن أن تُستخدم في لحظة حرجة لتغيير قواعد اللعبة، لكن أوجلان نفسه يدرك أن أي اتفاق لا يغيّر بنية الدولة ولا يضمن حقوقاً واضحة للكورد سيبقى صفقة مؤقتة قابلة للانهيار عند أول أزمة انتخابية. لذلك يبقى السؤال المفتوح: هل يريد أردوغان فعلاً سلاماً يعيد تعريف تركيا، أم يريد هدنة تكتيكية تعيد تعريف موقعه هو في السلطة؟ إذا اختار المسار الأول، سيصطدم حتماً ببهجلي وبجزء من قاعدته القومية؛ وإذا اختار المسار الثاني، سيبقى ملف الكورد قنبلة سياسية مؤجلة تنتظر من يملك شجاعة تحويلها من ورقة مساومة إلى أساس لإعادة بناء الدولة. في النهاية، تركيا اليوم ليست فقط على صفيح ساخن، بل على مفترق تاريخي: إما أن تستمر في إدارة القضية الكوردية كجرح مفتوح يُستخدم في كل دورة انتخابية، وإما أن تقرر أن هذا الجرح هو بوابة عبورها من دولة الخوف إلى دولة التعدد، وهنا يتحدد مصير أردوغان وبهجلي والمعارضة معاً، لأن من يحسم شكل العلاقة مع الكورد سيحسم شكل تركيا نفسها لعقود قادمة.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *