طارئ جيوسياسي كافتراض والدولة متجذّرة كحقيقة الأمة الكيان
الكاتب: فلو مروان
مقدمة جدلية في الفكر الاستراتيجي والطوارئ الأصل
في أحد أعقد المحاور في الفلسفة السياسية المعاصرة، تُشكّل العلاقة التلازمية الصدامية بين مفهومي “الأمة” و”الدولة” آن واحد. يكشف التفكيك المعرفي عن هوّة سحيقة بين الكيانين، إذ غالباً ما يُخلط في الخطاب العام بين المفهومين بطريقة غير استراتيجية. يسعى هذا المقال إلى قراءة حديثة تقوم على البناء القانوني والمؤسّساتي، وعلى الكيان المشترك الذي ينبض بالوجدان التاريخي الثقافي والتحوّل، قابلاً للمراجعة جيوسياسياً كافتراض، ويرى في حقيقة الأمة منظوراً استراتيجياً متجذّراً ثقافياً وتاريخياً كحقيقة أولى.
أولاً: الأمة كحقيقة تاريخية ثقافية
ليست الأمة مجرّد اختراع سياسي عابر أو وليدة قرار مؤسّساتي طارئ، بل هي حقيقة أنطولوجية جوهرها في الوجدان الجمعي الذي يربط أفرادها بوجود قانوني وجغرافي مرسوم. تتشكل الأمة عبر صيرورة تراكمية تفاعلية ممتدة بين البشر، لا تُولد بمرسوم بل تنبثق من رحم الهوية المشتركة. يبرز في هذا السياق إسهام المفكر بندكت أندرسون في كتابه الشهير Imagined Communities، حيث يُعرّف الأمة بأنها “مجتمع متخيّل”، لا بمعنى الوهم بل بمعنى الوعي الجمعي الذي يتجاوز الواقع المعيش، إذ لا يلتقي أفراده أبداً، لكنهم يتشاركون روابط روحية وثقافية ووجدانية تمنحهم إحساساً عميقاً بالانتماء. هذا الوعي المشترك هو القوة الاستراتيجية الدافعة للشعوب، الواقعية لا المصطنعة، في مواجهة جفاف الحدود السياسية.
ثانياً: الدولة كافتراض جيوسياسي
تتبدّى الدولة الحديثة ككيان سياسي قانوني نشأ استجابةً لتحوّلات القوى الكبرى في التاريخ الإنساني. الافتراض الغالب في الفكر السياسي يرى الدولة مساراً حتمياً للتطور البشري، لكن القراءة التاريخية العميقة تكشف أن نشوء الدول الحديثة وحدودها المعاصرة فُرضت في معظم الحالات عبر صراعات القوى والحروب والنزاعات العسكرية، واتفاقيات ومعاهدات قسرية رسمت خرائط النفوذ والثروات وفق مصالح الإمبراطوريات الاستعمارية، دون مراعاة للاعتبارات الثقافية أو الديموغرافية للشعوب المحتلة. هكذا نشأت دول مصطنعة بحدود سياسية جغرافية لا تعبّر عن الواقع الاجتماعي، بل عن لحظات تاريخية فرضتها توازنات دولية.
ثالثاً: مأزق الصدام الاستراتيجي
تظهر الإشكالية الكبرى عندما تصطدم الدولة المصطنعة بواقع الأمة المتجذّرة، إذ يُفرض الانصهار القسري لهويات وثقافات متعددة داخل قالب سياسي واحد. في العراق وسوريا وإيران وتركيا مثلاً، ولّد هذا الانصهار نزاعات داخلية دائمة، لأن الأمة الواحدة توزعت بين دول عدّة، فبُترت الأواصر الثقافية التاريخية لشعب واحد. إن محاولة الدولة قسر الواقع الاجتماعي التاريخي لتنظيمه وفق حدودها القانونية، تتحول إلى أداة إنكار للواقع لا إلى وسيلة لإدارته بكفاءة، فتُنتج أزمات استراتيجية متكررة، لأن الجذر الأساسي للأزمة هو محاولة تطويع الواقع لخدمة الافتراض الجيوسياسي لا العكس.
خاتمة: نحو رؤية استراتيجية متوازنة
يتطلب الفهم العميق للمفاهيم الاستراتيجية إزالة القداسة المطلقة عن الحدود السياسية للدول، وإعادة الاعتبار لحقيقة الشعوب والأمم. إن استدامة الاستقرار الإقليمي والدولي رهينة بقدرة الدولة على التصالح مع الأمة الحقيقية، والاعتراف بوعيها ووجدانها وهويتها الأصلية. فالأمة، بوعيها وتاريخها، تظلّ عصيّة على الزوال، بينما الدولة التي تنكر شعوبها لا يمكن أن تستقر. الركيزة الأساسية لبناء أي كيان سياسي مستقر هي الاعتراف بالوعي الجمعي للأمة كحقيقة أصيلة لا كافتراض مؤقت.
