مقالات

الضمانات الدولية ومستقبل القضية الكوردية في سوريامن الرهان على الخارج إلى بناء الالتزام المؤسسي: قراءة تحليلية في ضوء تحولات 2025-2026

بقلم: مروان فلو

ملخص
تتناول هذه الدراسة مسألة الضمانات الدولية بوصفها أحد محددات استدامة أي تسوية بين الكورد والدولة السورية. وتنطلق من أطروحة مفادها أن العلاقات الدولية، مهما بلغ تأثيرها، لا تتحول تلقائياً إلى التزامات قابلة للوثوق بها ما لم تُترجم إلى قواعد دستورية وآليات تنفيذ ومؤسسات محلية قادرة على الاستمرار. وتراجع الدراسة هذه الأطروحة في ضوء ما شهده عاما 2025 و2026: اتفاق آذار 2025، ثم العملية العسكرية الحكومية في كانون الثاني 2026، فاتفاق 29/30 كانون الثاني، وصولاً إلى إعلان اكتمال الدمج وحلّ قوات سوريا الديمقراطية في آب 2026 وانسحاب القوات الأمريكية. وتخلص إلى أن مركز الثقل في مسألة الضمانات انتقل من الضمانة الخارجية الصلبة إلى ضمانات دستورية وتشريعية ومؤسسية داخلية، تسندها أدوات أوروبية وأممية مشروطة، وأن نجاح هذا المسار يتوقف على وحدة الخطاب الكوردي ودقة الصياغة الدستورية.

الكلمات المفتاحية:
الضمانات الدولية؛ القضية الكوردية؛ سوريا؛ اللامركزية؛ قوات سوريا الديمقراطية؛ الاتحاد الأوروبي؛ الشراكة السياسية.

مقدمة: إشكالية الدراسة وأسئلتها
لم تعد مسألة الضمانات الدولية المتعلقة بمستقبل الكورد في سوريا مطلباً تفاوضياً يُطرح على هامش الحوار مع دمشق، بل غدت اختباراً حاسماً لقدرة التسوية السورية على الانتقال من تفاهمات ظرفية إلى ترتيبات دستورية ومؤسسية تحمي الحقوق القومية والسياسية والثقافية للكورد، وتؤسس لشراكة وطنية متوازنة في إدارة الدولة. وقد زادت تطورات العامين الأخيرين هذه المسألة إلحاحاً، إذ تغيّرت تغيراً جذرياً الشروط التي حكمت علاقة القوى الكوردية بالفاعلين الدوليين.
وتتمثل الإشكالية المركزية في الفجوة بين امتلاك علاقات دولية مؤثرة وامتلاك التزامات قابلة للإنفاذ. فالعلاقة التي تقوم على مصلحة آنية لا تنتج بالضرورة ضمانة دائمة، والدعم الخارجي يخضع لتبدل الإدارات وتحول الأولويات وتغير موازين القوى الإقليمية. وقد أظهرت الأشهر الماضية أن هذه الفجوة واقع ملموس لا مجرد افتراض نظري.

وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة:

  1. ما أنماط الضمانات الممكنة في تسويات كهذه، وأيها أقدر على حماية الاتفاق من التراجع؟
  2. كيف أثّر تحول الموقفين الأمريكي والأوروبي في 2025-2026 في إمكانية الاعتماد على ضمانات خارجية؟
  3. ما البنية الضمانية الواقعية التي يمكن بناؤها في مرحلة ما بعد حلّ قوات سوريا الديمقراطية؟

وتفترض الدراسة أن الضمانة الأمتن هي الضمانة الدستورية والمؤسسية الداخلية، وأن الأدوات الخارجية لا تعمل إلا بوصفها رافعة مساندة لها. وتعتمد منهجاً تحليلياً مقارناً يستند إلى أدبيات تسوية النزاعات الأهلية، وإلى تقارير بحثية وصحفية منشورة بين آذار 2025 وآب 2026. ويُنبَّه إلى أن بعض الوقائع حديثة ومتنازَع على تفسيرها، وأن الأرقام تتفاوت بين المصادر.

أولاً: الإطار المفاهيمي: معضلة الالتزام وأنماط الضمانات
تقوم أدبيات تسوية النزاعات الأهلية على مفهوم “معضلة الالتزام”: فالطرف الذي يتخلى عن سلاحه أو يدمج مؤسساته في كيان أقوى يعرّض نفسه لخطر عدم الوفاء بالتعهدات لاحقاً. وقد ذهبت باربرا والتر إلى أن وجود طرف ثالث يضمن التنفيذ كثيراً ما يكون شرطاً لنجاح الاتفاقات (Walter, 2002). وفي المقابل، بيّن هارتزيل وهودي أن الاتفاقات التي تقاسم السلطة في أبعاد متعددة، سياسية وعسكرية وإقليمية واقتصادية، أطول عمراً من غيرها (Hartzell & Hoddie, 2003)، ونبّه ستيدمان إلى خطر “المعطِّلين” الذين يستفيدون من فشل التسوية فيسعون إلى إفشالها (Stedman, 1997).

ويمكن في ضوء ذلك التمييز بين ثلاثة أنماط من الضمانات:
ضمانات خارجية صلبة: وجود عسكري أو التزام تعاهدي أو قوة مراقبة. وهي الأقوى، وهي أيضاً الأندر والأعلى كلفة.
ضمانات خارجية ناعمة: مراقبة وتقارير وضغط دبلوماسي وربط المساعدات بشروط محددة.
ضمانات داخلية: نصوص دستورية، وقضاء مستقل، وتوزيع للسلطات والموارد، وتمثيل مؤسسي منتخب.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن الخلط بين الأنماط الثلاثة يقود إلى تقدير مبالغ فيه لما يمكن أن يقدمه الخارج، ويصرف الانتباه عن الضمانات الداخلية التي تظل في المحصلة الأكثر استدامة.

ثانياً: السياق المستجد: من اتفاق آذار 2025 إلى حلّ قوات سوريا الديمقراطية
وُقّع في آذار 2025 اتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية يقضي بدمج هذه القوات في مؤسسات الدولة، غير أن التنفيذ تعثّر وسط اتهامات متبادلة بالإخلال، ومرّ الموعد المحدد بنهاية 2025 دون تقدم يُذكر (Reuters/Dawn, 2026). وفي كانون الثاني 2026 شنّت القوات الحكومية عملية عسكرية استعادت بها مساحات واسعة من الشمال والشرق، شملت حقول النفط الرئيسة وأراضي زراعية مهمة، فيما قدّرت تقديرات أممية نزوح نحو مئة ألف شخص، معظمهم من الكورد (Rudaw, 2026). وانتهت الجولة باتفاق شامل أُعلن في 30 كانون الثاني 2026 ينص على دمج تدريجي للقوات العسكرية ومؤسسات الإدارة الذاتية المدنية في الدولة، وعلى عودة النازحين، مع ضمانات للحقوق المدنية والتعليمية (The New Arab, 2026).
ورافق الاتفاق مرسوم رئاسي (رقم 13) اعترف بالكوردية لغةً وطنية يمكن تدريسها اختيارياً، وأشاد المبعوث الأمريكي بإجراءات منحت الجنسية للكورد عديمي الجنسية (The National, 2026). غير أن التطبيق كشف فجوة بين النص والممارسة؛ إذ جاء قرار وزارة التربية رقم 493 ليسمح بتعليم محدود للكوردية في المناطق ذات الأغلبية الكوردية، وهو أقرب إلى تصور الحكومة منه إلى ما كانت الإدارة الذاتية تأمله (Margolin & Tabler, 2026). وفي 20 آب 2026 أُعلن اكتمال الدمج المدني والعسكري، ثم أُعلن حلّ قوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة مستقلة، وعُيّن مظلوم عبدي مستشاراً رئاسياً دون رتبة عسكرية، وتولى عدد من قادتها مواقع في وزارة الدفاع (Margolin & Tabler, 2026).
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن أكثر من عشرين ألف موظف عام من المنطقة استُوعبوا في جهاز الدولة، وأن نحو ستة آلاف مقاتل انضموا إلى أربعة ألوية في وزارة الدفاع، بينما بقي مصير أعداد كبيرة أخرى، ولا سيما قوات الأسايش ووحدات حماية المرأة، غير محسوم بالكامل (Margolin & Tabler, 2026). وتتحدث تقارير عن حوادث اعتداء على عائدين من النازحين الكورد وعن انتقادات كوردية لطبيعة عملية الدمج (The New Region, 2026).
وتنطوي هذه الوقائع على مفارقة تحليلية: فقد حقق الاتفاق مكاسب نصية وإدارية، لكنه جاء بعد تحول ميزان القوة لمصلحة دمشق، وهو ما يحدّ من قدرة الكورد على فرض مضمونه بالقوة، ويرفع بالتالي من قيمة الضمانات القانونية والمؤسسية بوصفها البديل المتاح عن أدوات الإكراه.

ثالثاً: الولايات المتحدة: من الشراكة الوظيفية إلى التفويض المشروط
اعتاد التحليل السائد افتراض أن الأولويات الأمريكية متقلبة، وأن الرهان على واشنطن محفوف بعدم اليقين. وقد تجاوزت الوقائع هذا الافتراض، فالتقدير الأدق أن واشنطن لم تقدّم في أي مرحلة التزاماً سياسياً بعيد المدى؛ إذ وصفت إدارات متعاقبة الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية بأنها ترتيب مؤقت لخدمة أهداف أوسع، منها هزيمة تنظيم داعش (Margolin & Tabler, 2026). ثم رأى المبعوث توم باراك أن الدور الأصلي للقوات في قتال التنظيم قد انتهى إلى حد بعيد، وأخلت القوات الأمريكية آخر قواعدها في نيسان 2026، وفي الأثناء تعمّق التقارب مع دمشق، فانضمت سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش، وأُفيد برفعها عن قائمة الدول الراعية للإرهاب (المرجع نفسه).
والدرس هنا أعمق من مجرد تقلب السياسة الأمريكية: فالعلاقة المبنية على وظيفة أمنية تنتهي بانتهاء الوظيفة. وهذا يقتضي تعديل الأطروحة التقليدية، فلا ينبغي تصور واشنطن ضامناً، وإنما قناة ضغط ناعم ما دامت مصلحتها المعلنة في استقرار سوريا موحدة تمرّ عبر إدماج حقيقي للكورد لا شكلي. وتدعو مراكز أبحاث أمريكية إلى أن يكون الدمج حقيقياً، وأن يحصل المدمجون على فرص متساوية ولا يُحصروا في الشمال الشرقي، وأن تُوزَّع إيرادات الموارد توزيعاً منصفاً (Margolin & Tabler, 2026). وهذه توصيات يمكن للكورد توظيفها حجةً في الحوار مع واشنطن، مع التنبيه إلى أنها صادرة عن مركز يقدّم توحيد الدولة وأمن المنطقة على ما سواهما.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *