القضية الكوردية: أزمة قوة أم أزمة استراتيجية؟
الجزء الأول من ثلاثة: السؤال والإطار والمفاهيم
بقلم: مروان فلو
سلسلة من ثلاثة أجزاء:
(1) السؤال والإطار والمفاهيم،
(2) الإمكانات والحالات الأربع والتنسيق،
(3) التفسيرات المتنافسة والمنهجية والاستنتاج.
الملخص
تتناول هذه السلسلة المعضلة الاستراتيجية الكوردية من زاوية تتجاوز المقاربات التي تركز أساسًا على المظلومية التاريخية وسياسات الإنكار والقمع. وهي لا تقلل من أثر هذه العوامل، بل تختبر سؤالًا إضافيًا: إلى أي مدى أسهمت الصعوبات الداخلية، وضعف التنسيق، ومحدودية بناء المؤسسات، في تعثر تحويل الموارد البشرية والجغرافية والاقتصادية والسياسية المتاحة إلى قدرة استراتيجية مستدامة؟
تنطلق السلسلة من فرضية مفادها أن امتلاك الموارد لا ينتج القوة السياسية تلقائيًا، وأن التأثير يتوقف على تنظيم الموارد، والقدرة على توظيفها مؤسسيًا، وبناء الشرعية، وتنسيق المصالح، وإدارة العلاقات الخارجية. ويُقترح مفهوما “الأمن القومي الكوردي” و”القوة الوظيفية” بوصفهما أداتين تحليليتين قيد الاختبار، لا حقيقتين مثبتتين.
الكلمات المفتاحية:
القضية الكوردية، الأمن القومي الكوردي، القوة الوظيفية، الاستقلالية الاستراتيجية، التنسيق السياسي، بناء المؤسسات.
أولًا: المقدمة – من توصيف المظلومية إلى تحليل القدرة الاستراتيجية
تُعد القضية الكوردية من أعقد القضايا القومية والسياسية في الشرق الأوسط. فقد تشكلت أوضاع الكورد المعاصرة ضمن سياقات ارتبطت بترسيم الحدود، وبناء الدول الحديثة، وصعود القوميات المركزية، وتفاوت فرص المشاركة السياسية والاعتراف بالحقوق القومية. وأسهمت الحروب والقمع والتهجير والإنكار والتدخلات الخارجية في رسم مسارات مختلفة للقضية في العراق وسوريا وتركيا وإيران.
وقد ركزت أدبيات مهمة على القومية الكوردية وتكوين الهوية وتاريخ الحركات السياسية والعلاقة بين الدولة والمجتمع. وتوفر هذه المقاربات أساسًا ضروريًا، لكنها لا تستنفد الأسئلة كلها، ومنها سؤال العلاقة بين الإمكانات المتاحة والنتائج السياسية المتحققة.
فإذا كانت قوى كوردية قد راكمت خبرات سياسية وعسكرية وإدارية، وأقامت مؤسسات حكم في ظروف معينة، وبنت علاقات إقليمية ودولية، فلماذا ظلت مكاسبها متفاوتة، وأحيانًا هشة أو محدودة الاستدامة؟ ولماذا لم يؤدِّ وجود مصالح مشتركة لدى قطاعات كوردية في الدول الأربع إلى إطار مستقر للتنسيق الاستراتيجي؟
ولا تفترض الدراسة أن الكورد يمتلكون بالضرورة كل مقومات القوة القابلة للتحول إلى نفوذ، ولا أن عدم تحقق أهداف قومية معينة يثبت وحده خللًا استراتيجيًا داخليًا. فقد تكون الموارد محدودة أصلًا، أو كلفة توظيفها مرتفعة، أو قد تمنع موازين القوى الإقليمية والدولية تحويلها إلى نتائج قابلة للاستمرار.
ومن ثم فالسؤال المركزي ليس: هل تعاني القضية من “أزمة قوة” أو “أزمة استراتيجية” على نحو حصري؟ بل: هل التفاوت بين الموارد والنتائج ناتج عن قصور في تحويل الإمكانات إلى قدرة منظمة، أم عن قيود خارجية يعجز الفاعلون الكورد عن تجاوزها منفردين، أم عن تفاعل بين المستويين؟ لذلك تنتقل الدراسة من تفسير أحادي إلى إطار يقارن بين التفسيرات المتنافسة ويحدد الأدلة اللازمة لتقييم كل منها.
ثانيًا: الإشكالية والأسئلة
تتمثل الإشكالية في تفاوت بين الموارد المتوافرة بدرجات مختلفة لدى الفاعلين الكورد، وقدرتهم على تحقيق نتائج سياسية ومؤسسية مستقرة. ويتطلب تحديد طبيعة هذا التفاوت التمييز بين الإمكانات الفعلية والموارد المفترضة، وبين الأهداف المعلنة والنتائج الممكنة في كل سياق.
السؤال الرئيس: ما العوامل التي تفسر تفاوت قدرة الفاعلين السياسيين الكورد على تحويل مواردهم وعلاقاتهم الخارجية إلى نتائج سياسية مستدامة، وما الوزن النسبي للعوامل الداخلية والقيود الجيوسياسية في هذا التفاوت؟
ويتفرع عنه:
- ما الموارد التي يمتلكها كل فاعل، وما حدود قدرته الفعلية على تعبئتها؟
- كيف تؤثر جودة المؤسسات والحوكمة والشرعية الاجتماعية في تحويل الموارد إلى نتائج؟
- ما أثر الانقسام الحزبي وتعارض المصالح المحلية في التنسيق بين القوى الكوردية؟
- كيف تؤثر علاقات الاعتماد على القوى الإقليمية والدولية في الاستقلالية الاستراتيجية؟
- إلى أي مدى تستطيع المصالح المشتركة بين الأجزاء الأربعة إنتاج تعاون عملي رغم اختلاف الظروف؟
- هل تكفي العوامل الداخلية وحدها للتفسير، أم تفسر القيود الجيوسياسية جانبًا أكبر؟
- ما الشروط التي تجعل المكاسب قابلة للاستمرار حين تتغير أولويات الشركاء الخارجيين؟
تنقل هذه الأسئلة النقاش من الخطاب العام حول “الوحدة” و”القوة” إلى دراسة عمليات محددة: اتخاذ القرار، وتوزيع الموارد، وتنفيذ الاتفاقات، واستمرارية المؤسسات، وإدارة العلاقات الخارجية
.
ثالثًا: الإطار النظري – من الموارد إلى القدرة الاستراتيجية
- التمييز بين الإمكانات والقوة
لا يكفي وجود الموارد لإثبات امتلاك القوة. فالموارد عناصر قابلة للتوظيف، أما القوة فهي القدرة على تحويلها إلى نتائج تؤثر في سلوك الآخرين أو في توزيع الموارد والسلطات. وقد تمتلك جماعة موقعًا جغرافيًا مهمًا لكنها تفتقر إلى السيطرة المؤسسية لاستثماره، وقد تقيم إدارة محلية بمؤسسات وأجهزة أمنية وتظل معتمدة ماليًا على أطراف خارجية، وقد تحظى بعلاقات دولية واسعة دون أن تحولها إلى ضمانات دائمة.
لذلك يميز التحليل بين أربعة مستويات:
الموارد: السكان والكفاءات والموارد الاقتصادية والموقع الجغرافي والقدرات التنظيمية.
القدرة المؤسسية: إمكان تعبئة الموارد وتنسيقها واتخاذ القرارات وتنفيذها.
النفوذ السياسي: القدرة على التأثير في القرارات والمفاوضات وموازين المصالح.
النتائج الاستراتيجية: مكاسب قابلة للاستمرار في الحقوق أو الحكم أو الأمن أو التمثيل.
ولا تتطابق هذه المستويات بالضرورة. فقد يحقق فاعل نفوذًا تفاوضيًا مؤقتًا دون مكاسب دائمة، وقد ينجح في بناء مؤسسات محلية دون اعتراف قانوني واسع. ويجنّبنا هذا التمييز الاستنتاج الخاطئ بأن كل مورد غير مستثمر فرصة ضائعة، أو أن كل إخفاق سياسي دليل على سوء التخطيط.
- الأمن القومي الكوردي: مفهوم تحليلي مقترح
يُستخدم المفهوم هنا إطارًا لتحليل المصالح المتعلقة بحماية المجتمعات الكوردية وحقوقها وقدرتها على الاستمرار والتطور السياسي والاجتماعي. وهو لا يفترض دولة كوردية واحدة، ولا قيادة قومية موحدة، ولا إجماعًا على هدف نهائي؛ فالكورد موزعون بين دول مختلفة الأنظمة والقوانين، وفاعلوهم يختلفون في رؤاهم وأولوياتهم وخياراتهم بين الحكم المحلي والفدرالية واللامركزية والاستقلال. لذا يُعامل المفهوم بوصفه معياريًا وتحليليًا، يحتاج إلى تحديد مضمونه وقياس مدى تبنيه لدى الفاعلين.
ويمكن تفكيكه لأغراض البحث إلى خمسة أبعاد:
- الأمن المجتمعي: حماية السكان من العنف والتهجير والتمييز.
- الأمن السياسي والقانوني: حماية الحقوق، وتوسيع المشاركة، وضمانات الحكم المحلي أو التمثيل.
- الأمن المؤسسي: قدرة المؤسسات على الاستمرار وتقديم الخدمات وفق قواعد قابلة للمساءلة.
- الأمن الاقتصادي: استدامة الموارد وفرص العمل والبنية التحتية وتقليل الهشاشة.
- الأمن الاستراتيجي: إدارة العلاقات الخارجية وتقليل مخاطر الاعتماد على شريك واحد، ضمن حدود الواقع السياسي والقانوني.
ولا تعني هذه الأبعاد أن المجتمعات الكوردية كلها تواجه التهديدات نفسها؛ بل هي إطار للمقارنة، على أن يتحقق البحث أولًا من ملاءمة المؤشرات لكل حالة. - مفهوم “القوة الوظيفية”
يشير المفهوم إلى قدرة فاعل سياسي أو مؤسسي على تحويل موقعه أو موارده أو دوره الأمني أو الاقتصادي إلى نفوذ تفاوضي أو مكاسب سياسية قابلة للاستمرار. فقد يؤدي فاعل وظيفة أمنية مهمة لشريك خارجي، لكن أهمية الوظيفة لا تضمن اعترافًا سياسيًا أو ضمانات طويلة الأمد؛ إذ تتوقف العلاقة بين الوظيفة والمكسب على مصالح الأطراف وميزان القوى والبدائل المتاحة والمؤسسات الناظمة للعلاقة.
ومن الضروري التمييز بين ثلاثة أمور:
أداء وظيفة: تقديم مساهمة أمنية أو اقتصادية أو جغرافية يحتاج إليها طرف آخر.
تحقيق نفوذ: استخدام هذه المساهمة للتأثير في قرارات ذلك الطرف.
تحقيق مكسب مستدام: تحويل النفوذ إلى اتفاقات أو حقوق أو ترتيبات مؤسسية باقية.
قد يتحقق الأول دون الثاني، وقد يتحقق الثاني مؤقتًا دون الثالث. ولذلك لا يُفترض أن الدور الأمني أو الجغرافي يؤدي تلقائيًا إلى مكاسب، بل تُفحص الظروف التي تسمح بذلك. ويُطرح المفهوم أداةً تفسيرية أولية قابلة للتطوير أو الرفض وفق نتائج البحث، لا نظرية مثبتة.
يتناول الجزء الثاني: الإمكانات الكوردية وحدود توظيفها، وتعدد الحالات الأربع، والتنسيق بينها، والاستقلالية الاستراتيجية.
يتبع
