بين وهم “المكتسبات” وواقع الاتفاقات: إلى أين تتجه روج آفا كوردستان؟
الكاتب: حسين قاسم “بيوراسب”
على مدى السنوات الماضية، طالما ترددت في الخطاب الرسمي لمؤسسات الإدارة الذاتية معزوفة “حماية المكتسبات والمنجزات” التي تُوِّجت بها تضحيات أبناء المنطقة. ولكن مع تسارع الأحداث السياسية والميدانية، يطرح الشارع الكوردي اليوم أسئلة جوهرية وحارسة: عن أي مكتسبات تتحدثون؟ وما الذي بَقِيَ للمواطن الكوردي ليحافظ عليه؟
1. إشكالية الخطاب السياسي والجلوس مع سلطة دمشق
إن التناقض الصارخ اليوم يكمن في البنية السياسية التي يقودها مسؤولو الإدارة الذاتية؛ فبينما كان الخطاب المرفوع يعتمد على الاستقلالية وبناء نموذج ديمقراطي بديل، نرى اليوم جلوساً ومفاوضات متواصلة مع السلطة المركزية في دمشق—تلك السلطة التي لم تُقدّم تاريخياً أي اعتراف بحقوق الشعب الكوردي.
إن الجلوس لتنسيق المرحلة السياسية مع نظام اتُّهم محلياً ودولياً بالعديد من الجرائم والانتهاكات يضع علامات استفهام كبرى حول جدوى تلك “المنظومة” وأهدافها النهائية، وما إذا كانت التضحيات قد اختُزلت في مجرد البحث عن شرعية سياسية أو تحاصص إداري في العاصمة دمشق على حساب تطلعات الشعب الكوردي في حرية تقرير مصيره.
2. اتفاقات الإذعان وتساؤلات حول “تقرير المصير”
هل حقق الشعب الكوردي حق تقرير المصير؟ الواقع الميداني يجيب بالفيصل؛ فالاتفاقات والتفاهمات الأمنية التي أقدم عليها القائد العام لـ “قسد” (مظلوم عبدي) والتنازلات المتتالية تُظهر حجماً كبيراً من الإذعان والتراجع عن الخطوط الحمراء التي أُعلنت سابقاً.
إن خسران مناطق واسعة وتأمين التواجد العسكري لقوى خارجية أو مركزية على حساب إرادة السكان المحليين يؤكد أن مفهوم “حق تقرير المصير” تم تفريغه من مضمونه الحقوقي والسياسي، ليتحول إلى مجرد شعار يُستهلك في المناسبات الإعلامية، دون أن يترجم إلى وثيقة دستورية أو كيان سياسي معترف به يحمي الوجود الكوردي المستدام.
3. الواقع الميداني في روج آفا: انتهاكات الفصائل وسلب الهوية
بعيداً عن أروقة السياسة، يقف المواطن في روج آفا والمناطق المتاخمة أمام واقع ميداني وإنساني مأساوي. إننا إذ نراقب المشهد، نشجب ونستنكر بأشد العبارات كافة الأعمال الإجرامية والأنشطة الإرهابية التي تمارسها الفصائل التابعة لتركيا في المناطق الخاضعة لسيطرتها (مثل عفرين، وسري كانيه/رأس العين، وتل أبيض)، والتي تشمل:
- النهب والسلب المنظم: الاستيلاء على ممتلكات المدنيين ومنازلهم ومحاصيلهم الزراعية.
- التغيير الديموغرافي وتدمير البيئة: قطع آلاف أشجار الزيتون المعمرة وتدمير الغطاء النباتي لإفراغ المنطقة من مكوناتها الأصلية.
- سرقة التاريخ والأثار: تجريف التلال الأثرية ونهب القطع التاريخية لتجريد المنطقة من عمقها الحضاري والتاريخي.
إن هذه الانتهاكات اليومية تجري وسط صمت دولي، وتكشف حجم الفراغ الأمني والسياسي الذي تسببت فيه السياسات الراهنة والتجاذبات الإقليمية.
في الختام نحو ثورة فكرية وشعبية شاملة
إن تقييم المرحلة الراهنة بجرأة يفرض علينا الاعتراف بأن الاعتماد على المنظومات السياسية الحالية أو الرهان على الاتفاقات الهشة مع القوى الإقليمية والمركزية لن يقود الشعب الكوردي إلى بر الأمان.
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب أولاً تكاتف كافة فئات الشعب الكوردي وتجاوز الخلافات الحزبية والأيديولوجية. يجب أن تبدأ الخطوة الأولى بـ ثورة فكرية وثقافية شجاعة تعيد تقييم المصلحة القومية العليا وتصحيح المفاهيم السياسية، لتكون الحجر الأساس لـ ثورة عامة وشاملة تنطلق من إرادة الجماهير الحرة، وتصوغ رؤية سياسية حقيقية قادرة على تحقيق تطلعات الشعب الكوردي في الحرية، والكرامة، وحق تقرير المصير الثابت وغير القابل للتنازل.

طرح مهم يفتح باب النقاش الجاد، مع أهمية مراعاة الواقع الجيوسياسي المعقد.”
يتناول المقال تساؤلات مشروعة تدور في ذهن كل مواطن حريص على مستقبله ومستقبل المنطقة. لكن في المقابل، يجدر بنا التفكير في الخيارات المتاحة أمام الإدارة الذاتية في ظل معادلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد والتغير.
التفاوض أو البحث عن تفاهمات – حتى مع أطراف نختلف معها جذرياً – قد يكون في كثير من الأحيان ضرورة فرضتها التوازنات العسكرية وسياسات الأمر الواقع لتجنب سيناريوهات أكثر قسوة أو حروب شاسعة قد تأكل ما تبقى من الأراضي والخدمات. الدعوة إلى “ثورة فكرية وشاملة” دعوة قيمة، ولكن يبقى التحدي الأكبر هو: كيف نترجم هذه الرؤية الفكرية إلى خطوات عملية يحافظ بها الكرد على وجودهم دون الدخول في فراغ سياسي أو أمني جديد