الرئيسيةثقافة وفنقسم التاريخ

الإمبراطورية الآشورية حقيقة تاريخية.. والقومية الحديثة صناعة استعمارية

الكاتب: حسين قاسم”بيوراسب”

لا أحد يستطيع نكران العظمة العسكرية والمعمارية للإمبراطورية الآشورية القديمة؛ فقد كانت واحدة من أقوى الإمبراطوريات في الشرق الأدنى القديم، وامتد نفوذها لمساحات شاسعة. غير أن التاريخ المدون يؤكد أن هذه الإمبراطورية قد سقطت وانتهت ككيان سياسي وهيكلية سكانية متكاملة مع سقوط عاصمتها نينوى عام 612 قبل الميلاد على يد التحالف الميدي-الكاشي (بابل)، لتذوب شعوبها وتندمج في الحضارات اللاحقة، لا سيما مع انتشار اللغة الآرامية وتسيُّدها للمنطقة.

1. وهم الاعتقاد وصناعة القومية (ليارد وويكرام)

إن الربط المباشر بين سكان منطقة الموصل وجبال حكاري في القرن التاسع عشر وبين الآشوريين القدماء لم يكن امتداداً تاريخياً مدوناً، بل كان نتاج كشوفات وتأويلات المستشرقين الغربيين:

  • أوستن هنري ليارد (Austin Henry Layard): عندما بدأ تنقيباته في نينوى ونمرود عام 1845م، بنى افتراضاته وظنونه على المشاهدات الأثرية وصار يطلق اسم “الآشوريين” على المكونات المسيحية السريانية والشرقية المحلية في المنطقة.
  • وليام ويغرام (William Ainger Wigram): جاء المنصر والكاتب البريطاني في بداية القرن العشرين ليجمع هذه الجماعات حول الموصل وحكاري، ويعزز لديهم الهوية القومية “الآشورية” في إطار اللعبة السياسية للدول العظمى آنذاك.

لقد كان إرجاع كل تراث المنطقة وتاريخها الممتد لآلاف السنين إلى “الآشوريين” فقط ضرباً من الخيال التاريخي؛ حيث أُغفلت المكونات الآرامية والسريانية والزاغروسية الحقيقية التي عاشت واستمرت في هذه الأرض بعد سقوط نينوى بقرون طويلة.

2. بطش الإمبراطورية الآشورية: تدمير سوسة وساسة الجلود

عند قراءة السجلات الآشورية المسمارية نفسها (مثل حوليات الملك آشوربانيبال)، نجد أن الإمبراطورية الآشورية لم تكن مجرد حضارة عمران، بل كانت آلة عسكرية بطاشة تعتمد على الترهيب وإخضاع الممالك بالقوة وفرض الضرائب الباهظة:

  • تدمير مدينة سوسة (647 ق.م): عندما اقتحم آشوربانيبال عاصمة العيلاميين (سوسة)، لم يكتفِ بالتغلب عليها، بل دمّرها عن بكرة أبيها، ودنس مقابر ملوكها، ونشر الملح في أراضيها لكي لا تنبت مجدداً، ونقل غنائمها وسكانها في إبادة حضارية وشاملة وثقتها النقوش الآشورية بفتخار.
  • سياسة التنكيل والسلخ: اعتمد الملوك الآشوريون (مثل آشور ناصر بال الثاني) أساليب ترهيبية غير مسبوقة ضد الممالك الثائرة؛ فكانوا يسلخون جلود قادة الخصوم ويوضعونها على جدران المدن، ويقطعون الرؤوس ويقيمون منها الأهرامات أمام الأسوار لإرهاب الشعوب الخاضعة لهم.

3. الشبه بين النهج الآشوري والسياسات التوسعية القاسية

إن سلوك الإمبراطورية الآشورية القديمة في فرض الهيمنة بالقوة العسكرية وإخضاع الممالك للجزية والضرائب، وتدمير المدن العصية وتجميع الشعوب أو تهجيرها القسري، يتشابه إلى حد كبير مع النمط الذي اتبعته العروش والغزوات التوسعية عبر التاريخ — كالفتوحات العسكرية العثمانية والتركية عند دخولها البلاد — حيث كان منطق القوة والإخضاع المالي والعسكري هو الحاكم الأول للرعية وللممالك المغلوبة.

إن احترام التاريخ يتطلب الفصل بين الامبراطورية الآشورية القديمة بكامل قسوتها وإنجازاتها التي انتهت عام 612 ق.م، وبين المحاولات الاستعمارية الحديثة في القرن التاسع عشر والتي حاولت إسقاط هذا الاسم القديم على مجتمعات آرامية وسريانية مستقرة، لصناعة هوية سياسية جديدة لم تكن موجودة طوال ألفين وخمسمائة عام.

____________________________

. حوليات وسجلات الملوك الآشوريين (المصادر المسمارية الأصلية)

  • Luckenbill, Daniel David (1927).Ancient Records of Assyria and Babylonia, Volume II: “Historical Records of Assyria From Sargon to the End”. University of Chicago Press.
    • (يتضمن الترجمة الإنجليزية الكاملة للنصوص المسمارية الخاصة بالملك آشوربانيبال، وتوثيق حملته العسكرية على سوسة، وتدميرها ونشر الملح فيها، وسياسات السلخ والعقاب الجماعي).
  • Grayson, A. Kirk (1991).Assyrian Rulers of the Early First Millennium BC (858–745 BC). University of Toronto Press.
    • (توثيق الحملات العسكرية لـ “آشور ناصر بال الثاني” والأساليب الترهيبية المستخدمة ضد الممالك الثائرة).

2. المستشرقون وصناعة القومية الآشورية الحديثة (القرن 19 و20)

  • Layard, Austen Henry (1849).Nineveh and its Remains. John Murray, London.
    • (المصدر الأساسي الذي أطلق فيه المستشرق البريطاني ليارد اسم “الآشوريين” على سكان المنطقة المسيحيين بناءً على اكتشافاته الأثرية في نينوى ونمرود).
  • Wigram, William Ainger (1929).The Assyrians and Their Neighbours. Bell & Sons, London.
    • (المصدر الميداني والسياسي للكاتب والمنصر البريطاني ويغرام حول تجميع المكونات حول الموصل وحكاري وترسيخ التسمية الآشورية في تلك الفترة).
  • Becker, Adam H. (2015).Reviving the Assyrians: Early Explorations, Religion, and the Rise of Assyrian Nationalism. Stanford University Press.
    • (دراسة أكاديمية نقديّة تناقش كيف ساهم البعثيون والمنصرون الغربيون في تشكيل الهوية القومية الآشورية الحديثة في القرن التاسع عشر).

3. سقوط نينوى وتاريخ الميديين والكاشيين والآراميين

  • Roux, Georges (1992).Ancient Iraq (3rd Edition). Penguin Books.
    • (من أفضل المراجع الشاملة لتاريخ العراق القديم؛ يغطي التحالف الميدي-البابلي/الكاشي، سقوط نينوى عام 612 ق.م، وسيادة اللغة والثقافة الآرامية بعد سقوط الإمبراطورية).
  • Liverani, Mario (2014).The Ancient Near East: History, Society and Economy. Routledge.
    • (تحليل تاريخي واقتصادي متعمق لسياسات الهيمنة الآشورية، فرض الضرائب الباهظة، والتهجير القسري للشعوب).

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *