الطاقة الكوردية: الموارد وشبكات النقل – أين تكمن القيمة الحقيقية؟
بقلم: مروان فلو
مدخل: من الموارد إلى الموقع في السلسلة
حين يُثار الحديث عن الطاقة في إقليم كوردستان، ينصرف الذهن غالباً إلى مسألة الاحتياطيات من النفط والغاز، بوصفها المعيار الأول لتقييم الثقل الاقتصادي للإقليم. وهذا التوجه له ما يبرره، إذ تشكّل الموارد الهيدروكربونية ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد المحلي. غير أن الاكتفاء بهذا المعيار وحده يُقصّر التحليل عن بلوغ عمقه الاستراتيجي المطلوب. فالسؤال الأجدر بالطرح ليس حجم الاحتياطي، بل موقع الإقليم ضمن سلسلة القيمة الإقليمية للطاقة.
فالقيمة الاقتصادية للطاقة، في أدبيات الاقتصاد السياسي للموارد، لا تتكوّن عند نقطة الاستخراج ولا تنتهي عند نقطة البيع، بل تتوزع على حلقات متتالية: الإنتاج، التجميع، التخزين، النقل عبر الأنابيب، المعالجة، الموانئ، الأسواق، التمويل، التأمين، والخدمات اللوجستية وأمن المنشآت. وإدراك هذه البنية المتشعبة هو ما يفصل بين النظرة الريعية التقليدية للثروة الطبيعية، والنظرة الاستراتيجية التي تعتني بموقع الفاعل داخل الشبكة.
من امتلاك المورد إلى إدارة السلسلة
يمكن لفاعل إقليمي أن يمتلك احتياطياً كبيراً من الموارد، لكن افتقاره إلى بنية تحتية تربطه بالأسواق يجعل جزءاً معتبراً من هذه القيمة خارج نطاق سيطرته الفعلية. وفي المقابل، قد يحقق فاعل لا يتصدّر قائمة الاحتياطيات مكانة استراتيجية متقدمة إذا ما استطاع أن يترسخ كحلقة لا غنى عنها ضمن منظومة انتقال الطاقة. من هنا تُستمد الفرضية المركزية لهذا التحليل: قيمة الطاقة لا تُحدَّد بكمية المورد فحسب، وإنما بموقع الفاعل داخل الشبكة التي تنقل هذا المورد من باطن الأرض إلى الأسواق النهائية.
وبناءً عليه، ثمة فارق جوهري بين “البرميل الكامن تحت الأرض”، بوصفه أصلاً اقتصادياً كامناً، و”البرميل المندمج” ضمن شبكة أنابيب ومحطات تخزين ومعابر آمنة وعقود مستقرة، الذي يشكّل جزءاً من منظومة طاقة فاعلة. والمنظومة، بهذا المعنى، أوسع أثراً من المورد المفرد الذي تقوم عليه.
خط الأنابيب كبنية استراتيجية لا كوسيلة نقل فحسب
يقدّم تاريخ الطاقة في المنطقة شاهداً دالاً على هذه الفرضية. فقد ارتبط النفط المنتَج في كوردستان تاريخياً بمسار كركوك-جيهان الواصل إلى الساحل التركي على البحر المتوسط. وفي عام 2026، استؤنفت الصادرات عبر هذا المسار عقب اتفاق بين بغداد وحكومة إقليم كوردستان، وإن كانت التدفقات الأولية محدودة مع وجود خطط للتوسع تدريجياً.
بيد أن الأهمية الاستراتيجية لهذا المسار لا تنحصر في الكمية المنقولة، بل في كونه يحوّل الجغرافيا نفسها إلى وظيفة: حقول الإنتاج ← كوردستان ← الحدود التركية ← جيهان ← الأسواق الدولية. ومن هنا يتوجب التمييز تحليلياً بين كون الإقليم “منتجاً” للنفط، وكونه أيضاً “جزءاً من البنية” التي تجعل هذا النفط قابلاً للوصول إلى المستهلك النهائي. فالفارق بين الحالتين هو ذاته الفارق بين امتلاك مورد والمشاركة الفعلية في إدارة سلسلة القيمة.
تجاوز حدود الاستخراج: نحو منظومة اقتصادية متكاملة
حين يظل التفكير الاقتصادي حبيس حدود الاستخراج والبيع، يبقى الاقتصاد المحلي رهيناً بتقلبات سعر البرميل في الأسواق الدولية. أما التفكير الاستراتيجي فيفترض سؤالاً مختلفاً: ماذا يمكن أن يُبنى حول هذا المورد؟ ومن الأنشطة التي يمكن أن تتفرع عن السلسلة النفطية: التخزين، خدمات النقل وصيانة الأنابيب، الصناعات البتروكيميائية، المصافي، خدمات التمويل والتأمين، وحتى مراكز البيانات والخدمات الرقمية المرتبطة بإدارة الشبكات. وهذا التفرّع هو ما يحوّل الطاقة من سلعة تُصدَّر إلى منظومة اقتصادية منتجة للقيمة المضافة.
الغاز الطبيعي: الفرصة الأقل استثماراً
لعل أبرز الفرص غير المستثمرة بالقدر الكافي تكمن في قطاع الغاز الطبيعي. فحكومة الإقليم تشير إلى احتياطيات غازية معتبرة، مع توجه معلن لتوجيه الإنتاج أولاً نحو تلبية الطلب المحلي، وبخاصة في قطاعي الكهرباء والصناعة، قبل التفكير في التصدير. غير أن الغاز، خلافاً للنفط الذي يمكن نقله وتسويقه بمرونة نسبية في سوق عالمية واسعة، يتطلب بنية تحتية أكثر تعقيداً: خطوط أنابيب متخصصة، محطات معالجة، وعقوداً طويلة الأمد مرتبطة بمستهلكين محددين.
وهذه الخصوصية التقنية تحمل دلالة استراتيجية: إذ يخلق الغاز نمطاً من الاعتماد المتبادل أعمق من العلاقة النمطية بين بائع ومشترٍ. فإذا اندمج الغاز الكوردي ضمن منظومة الكهرباء والصناعة العراقية أو الشبكات الإقليمية الأوسع، فإن العلاقة تتحول إلى شراكة بنيوية طويلة الأمد، لا إلى صفقة تجارية عابرة.
أمن الطاقة والمسارات البديلة
اكتسب مفهوم “أمن الطاقة” في السنوات الأخيرة أهمية متصاعدة كمتغير استراتيجي مستقل. وقد قدّمت أزمة مضيق هرمز في عام 2026 مثالاً دالاً على القيمة المتنامية للمسارات البديلة، إذ أشارت الوكالة الدولية للطاقة إلى تزايد أهمية طرق بديلة، من بينها مسار العراق-تركيا، في ظل الاضطراب الذي شهدته حركة الطاقة عبر المضيق.
والدرس المستخلص هنا ليس أن مساراً بعينه سيحل محل مضيق هرمز، بل أن تعدد المسارات يرفع القيمة الاستراتيجية للشبكات القادرة على توفير بدائل فعلية. وهذا يعيد الاعتبار إلى العامل الجغرافي، بشرط ألا يُنظر إليه بمعزل عن الطاقة والبنية التحتية والأمن والأسواق مجتمعة، إذ لا تنتج الجغرافيا وحدها قيمة استراتيجية.
من “الحقل” إلى “العقدة”: إعادة صياغة السؤال
السؤال الاستراتيجي المطروح ليس ما إذا كان بإمكان كوردستان أن تصبح “قوة نفطية”، بل ما إذا كان بإمكانها أن تتحول إلى عقدة طاقة . والفارق بين “الحقل” و”العقدة” جوهري: فالحقل ينتج، أما العقدة فتربط. وتضم العقدة، في تصورها المثالي، حقول الإنتاج، شبكات التجميع، خطوط النفط والغاز، مرافق التخزين، محطات المعالجة، شبكات الكهرباء، المناطق الصناعية، الخدمات اللوجستية، الأسواق، والقدرة المؤسسية على ضمان استمرارية التدفق.
وعندئذ، ينتقل السؤال التحليلي من “كم برميلاً نُنتج؟” إلى “كم وظيفة استراتيجية نستطيع أن نؤديها داخل منظومة الطاقة الإقليمية؟”.
هشاشة الاعتماد على مسار واحد
غير أن هناك درساً موازياً لا يقل أهمية: لا يمكن بناء قوة استراتيجية مستدامة على مسار وحيد. فإذا ارتبط تصدير الطاقة بأنبوب واحد أو سوق واحدة أو دولة عبور واحدة، فإن المورد ذاته قد ينقلب من مصدر قوة إلى مصدر هشاشة. وهذا ليس افتراضاً نظرياً، بل واقعة موثقة: فقد شهدت صادرات نفط الإقليم توقفاً ممتداً عقب إيقاف خط العراق-تركيا في مارس 2023، قبل التوصل إلى ترتيبات جديدة لاستئناف التصدير في سبتمبر 2025، ثم إعادة تفعيل مسار كركوك-جيهان في عام 2026.
والدرس الاستراتيجي المستخلص واضح: لا تُقاس قوة الطاقة بالقدرة الإنتاجية وحدها، بل أيضاً بقدرة المنظومة على الاستمرار أو التعافي عند تعطل أحد عناصرها. وهذا ما يُصطلح عليه في أدبيات الطاقة بـ”مرونة الشبكة”، والتي تستوجب تعدد المسارات والأسواق ومصادر الدخل، وتكامل قطاعات النفط والغاز والكهرباء، وتطوير بدائل متعددة، لا بهدف امتلاك كل شيء، بل لضمان ألا يكون تعطل عنصر واحد كافياً لشل المنظومة بأكملها.
الشرط المؤسسي: من الثروة إلى القوة
تجدر الإشارة إلى أن هذا التحول لا يحدث تلقائياً بمجرد وجود الموارد. فالثروة الطبيعية لا تتحول إلى قوة استراتيجية إلا عبر منظومة مؤسسية: قواعد قانونية مستقرة، شفافية، عقود قابلة للتنفيذ، بنية تحتية متطورة، حماية للمنشآت، وقدرة على إدارة العلاقات مع المنتجين والمشترين والجوار الإقليمي. ويكفي الإشارة إلى أن قطاع الكهرباء في الإقليم نفسه واجه تاريخياً إشكالات مرتبطة بتأمين الوقود اللازم لمحطات التوليد، وهو ما يُبرهن على أن امتلاك الموارد لا يستتبع تلقائياً امتلاك منظومة طاقة مكتملة الأركان.
خاتمة: إعادة تعريف السؤال الاستراتيجي
في ضوء ما تقدّم، فإن السؤال الأجدر بالطرح ليس “هل النفط مهم؟” أو “هل الغاز مهم؟” – إذ الإجابة بديهية عن كليهما – بل: هل يُراد لكوردستان أن تكون مجرد منتج للطاقة، أم جزءاً بنيوياً من المنظومة التي تجعل الطاقة الإقليمية ممكنة ومستقرة ومتصلة بالأسواق العالمية؟
فالفارق بين الموقفين جوهري: المنتج يبيع مورداً، أما العقدة الاستراتيجية فتؤدي وظيفة. والوظيفة المستمرة تولّد اعتماداً متبادلاً، والاعتماد المتبادل يفرز مصالح مشتركة، والمصالح المتشابكة تجعل من استقرار المنطقة جزءاً من حسابات أطراف إقليمية ودولية متعددة.
وخلاصة القول إن القيمة الحقيقية للطاقة الكوردية لا تكمن في النفط وحده، ولا في الغاز وحده، بل في الموقع الذي يمكن أن تشغله كوردستان ضمن سلسلة الطاقة الإقليمية. فإن ظل النفط مجرد برميل يُستخرج من الأرض، بقيت قيمته أسيرة تقلبات السوق؛ أما إن أصبح جزءاً من منظومة إنتاج ونقل وتخزين وتصنيع وأسواق متعددة، فإن القيمة تنتقل من المورد إلى الشبكة. وعندها لا يعود السؤال “كم نملك من النفط؟”، بل يصبح: ما الذي يتعذّر على الآخرين إنجازه بسهولة من دون شبكتنا؟ وهذا بالتحديد هو جوهر الانتقال من امتلاك الطاقة إلى امتلاك موقع استراتيجي داخل منظومتها الإقليمية.
