الخلط بين الجينات والتسميات القديمة ✦
بقلم : حسين قاسم ” بيوراسب”
في القرنين الأخيرين حدث خلط كبير بين العلم والتاريخ، بين الجينات واللغة، وبين الحمض النووي والكربون المشع والتسميات مثل “آري”، “هندو–إيراني”، “هندو–أوروبي”، و“سامي”. كثيرون ظنّوا أن هذه الأسماء تشير إلى أعراق بيولوجية، بينما هي في الأصل مصطلحات لغوية–ثقافية لا علاقة لها بالجينات.
الجينات والحمض النووي تدرسان القرابة البيولوجية والهجرات القديمة، أما الكربون المشع فهو تقنية لتحديد عمر الآثار، لا لتصنيف الشعوب. لكن مع ظهور علم اللغات المقارن في أوروبا، بدأ الباحثون بتصنيف اللغات إلى عائلات، فظهرت تسميات مثل “الهندو–أوروبية” و“السامية”، ثم تحوّلت هذه المصطلحات إلى رموز سياسية وعنصرية في القرن التاسع عشر.
كلمة آري (Arya) كانت في الأصل تعني “النبيل” في النصوص الإيرانية والهندية القديمة، ثم استُخدمت للدلالة على الفرع اللغوي الهندو–الإيراني، قبل أن تُحرّف في أوروبا لتصبح شعارًا للعرق المتفوّق. أما هندو–أوروبي فهو مصطلح لغوي يشير إلى عائلة لغات تمتد من الهند إلى أوروبا، لا إلى دم واحد أو جين واحد. وكلمة سامي جاءت من الدراسات التوراتية، نسبةً إلى “سام بن نوح”، واستخدمت لتصنيف اللغات مثل الأكادية والعبرية والعربية، لا لتحديد أصل جيني.
الخلط بين هذه المفاهيم جعل البعض يتحدث عن “جين آري” أو “جين سامي”، وهي أفكار لا أساس لها علميًا، لأن الجينات تُظهر أن البشر متداخلون عبر آلاف السنين، ولا توجد أعراق نقية. أما الكربون المشع فوظيفته تأريخ المواد العضوية، وليس إثبات أصول الشعوب.
وعندما يقول البعض “نحن من جذور واحدة”، فالمعنى الصحيح هو أن البشر يشتركون في أصل بيولوجي بعيد، لا أن لغاتهم أو ثقافاتهم واحدة. الاختلافات اللغوية والثقافية هي نتاج آلاف السنين من التطور، وليست تناقضًا مع الأصل الإنساني المشترك.
في النهاية، هذه التسميات وُلدت من محاولات علمية لتصنيف اللغات، ثم تحوّلت إلى أدوات سياسية لتبرير التفوّق أو الإنكار. أما العلم الحقيقي فيقول بوضوح: لا يوجد جين آري، ولا جين سامي، ولا عرق نقي؛ بل إن الإنسان هو نتاج تداخل طويل بين الجغرافيا والتاريخ واللغة.
