من إنهاء الحرب إلى بناء السلام
تركيا والكورد أمام الاختبار التاريخي لعملية السلام
بقلم: مروان فلو
تدخل العلاقة بين الدولة التركية والحركة الكوردية مرحلة مختلفة من تاريخ طويل اتسم بالصراع المسلح، والعمليات الأمنية، ومحاولات التسوية التي لم يكتب لها الاستمرار. وقد اكتسب المسار الحالي أهمية استثنائية بعد إعلان حزب العمال الكوردستاني إنهاء كفاحه المسلح وحل بنيته التنظيمية، ثم إقرار البرلمان التركي في 10 أغسطس/آب 2026 قانوناً يضع إطاراً قانونياً لنزع السلاح وإعادة إدماج عدد من أعضائه في الحياة المدنية. وقد أقر القانون بأغلبية 468 صوتاً مقابل 88، وبدعم من حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية، إلى جانب حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للقضية الكوردية.
لا شك أن هذه الخطوة مهمة تاريخياً. فهي تنقل جزءاً من الملف من المجال الأمني البحت إلى المجال التشريعي والمؤسسي، وتفتح الباب أمام معالجة قانونية لمسألة كانت لعقود مرتبطة بالحرب والعنف.
لكن أهمية الخطوة لا تعني أنها تمثل، في حد ذاتها، تسوية شاملة للقضية الكوردية.
وهنا تبدأ المسألة التي تستحق نقاشاً أعمق:
هل نحن أمام عملية لإنهاء الحرب، أم أمام عملية لبناء السلام ؟؟؟
فالفرق بين الاثنين ليس لغوياً، وإنما سياسي واستراتيجي.
أولاً: ضرورة التمييز بين الكورد وPKK
من أهم شروط القراءة المتوازنة لهذه العملية ألا نقع في خطأ اختزال الشعب الكوردي في حزب العمال الكوردستاني، أو اختزال المطالب الكوردية في رؤية قيادته.
فالشعب الكوردي في تركيا جزء كبير ومتنوع من المجتمع التركي، وله اتجاهات سياسية وحزبية وفكرية متعددة. كما أن الحركة السياسية الكوردية نفسها ليست كياناً واحداً متجانساً.
أما حزب العمال الكوردستاني فهو تنظيم محدد ذو تاريخ طويل في الصراع المسلح مع الدولة التركية، وله تأثير سياسي واجتماعي كبير في أجزاء من المجتمع الكوردي، لكنه لا يمثل جميع الكورد، ولا يمكن التعامل مع مواقف قيادته باعتبارها التعبير الوحيد عن إرادة الشعب الكوردي.
ومن هنا فإن تصريحات مراد قريلان ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تعبيراً عن موقف قيادة PKK وعن رؤيتها لمسار التسوية، لا باعتبارها «الموقف الكوردي» بصورة عامة.
وهذا التمييز ليس مسألة لغوية فحسب، بل شرط أساسي لفهم طبيعة السلام الذي يجري التفاوض حوله.
قريلان: نزع السلاح ليس نهاية القضية
تكتسب تصريحات مراد قريلان أهمية خاصة لأنها تكشف عن الفجوة بين تصور قيادة PKK للعملية وبين التصور الذي تتبناه الحكومة التركية.
في يوليو/تموز 2026، قال قريلان إن مرحلة الكفاح المسلح «انتهت بشكل قاطع»، وأكد أن الحركة تريد التصالح مع الدولة والمشاركة في جمهورية ديمقراطية، مشيراً إلى أن الهدف لم يعد الوقوف في مواجهة الجمهورية التركية وإنما المشاركة في إعادة تعريفها ديمقراطياً.
وفي تصريح آخر في الشهر نفسه، أكد أن PKK اتخذ، بحسب وصفه، «قرارات جذرية» استجابة لدعوة عبدالله أوجلان إلى إنهاء الكفاح المسلح وحل التنظيم، لكنه رأى أن الجانب التركي لم يقدم بعد الضمانات القانونية والسياسية التي تجعل الانتقال إلى المرحلة الجديدة قابلاً للاستمرار. وحذر من أن قانوناً يركز حصراً على إلقاء السلاح قد يزيد الجمود بدلاً من أن يحل المشكلة.
وتكشف هذه التصريحات عن نقطة جوهرية في رؤية قيادة PKK:
إن إنهاء الصراع المسلح ينبغي ألا يكون بديلاً عن الحل السياسي، بل خطوة ضمنه.
وهذه الفكرة تستحق النقاش بصرف النظر عن الموقف من PKK نفسه.
فالسلام المستدام لا يتحقق فقط عندما يختفي السلاح، وإنما عندما توجد مؤسسات وقواعد سياسية تجعل العودة إلى السلاح غير ضرورية وغير مجدية.
ولكن هناك سؤالاً مقابلاً ينبغي طرحه على الحركة الكوردية
إذا كانت قيادة PKK قد خلصت إلى أن الكفاح المسلح لم يعد الطريق المناسب لتحقيق أهدافها، فإن النتيجة الطبيعية لذلك ينبغي أن تكون الانتقال الكامل من شرعية السلاح إلى شرعية السياسة.
وهنا ينبغي أن تصبح المؤسسات هي الضمانة الأساسية للمطالب السياسية.
البرلمان، والأحزاب، والانتخابات، والقضاء، والإدارة المحلية، وحرية التنظيم، والحقوق الثقافية واللغوية، والإصلاحات الدستورية والقانونية؛ هذه كلها يجب أن تحل تدريجياً محل الأدوات التي استخدمت خلال مرحلة الصراع المسلح.
ومن هذه الزاوية، فإن نجاح العملية لا يقاس فقط بما إذا كان PKK سيسلم سلاحه، وإنما بما إذا كان المجتمع الكوردي سيجد في السياسة والمؤسسات الديمقراطية أدوات فعالة للتعبير عن مطالبه.
وهذا هو الانتقال الحقيقي:
من مقاومة مسلحة إلى مشاركة سياسية مؤسسية.
أوجلان: مهم في العملية، لكنه ليس القضية كلها
لا يمكن تجاهل الدور التاريخي لعبدالله أوجلان في المسار الحالي. فقد ارتبطت نقطة التحول الأساسية بدعوته في فبراير/شباط 2025 إلى إنهاء الكفاح المسلح وحل PKK، ثم أعلن التنظيم في مايو/أيار من العام نفسه حل نفسه وإنهاء نشاطه المسلح.
كما أن قيادة PKK ودوائر سياسية كوردية ما زالت تربط بين نجاح العملية وبين قدرته على التواصل والمساهمة في توجيه المرحلة الانتقالية. وقد انتقد قريلان عدم وجود اتصالات كافية معه، وربط ذلك بغياب التفاهم حول قانون الإطار.
لكن التركيز المفرط على أوجلان يمكن أن يؤدي إلى مشكلة استراتيجية: تحويل قضية سياسية واجتماعية تاريخية إلى قضية شخصية.
فالسؤال الأهم ليس فقط ماذا سيحدث لأوجلان، وإنما:
ما المؤسسات التي ستضمن استمرار السلام بعد غياب أوجلان وقريلان وأردوغان وجميع الشخصيات الحالية؟
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تنتقل إليها العملية.
فإذا كان أوجلان قد لعب دوراً مهماً في الانتقال من الحرب إلى السياسة، فإن النجاح الحقيقي سيكون عندما تصبح عملية السلام قادرة على الاستمرار من دون الاعتماد على شخصية واحدة.
إن السلام الذي يقوم على الأشخاص قد يبدأ بهم، لكنه لا ينبغي أن يبقى أسيراً لهم.
أنقرة: خطوة تاريخية، ولكنها ليست نهاية الطريق
من الضروري أيضاً الاعتراف بأن تركيا اتخذت خطوة مهمة.
فالبرلمان التركي لم يكتفِ بخطاب سياسي، بل أقر تشريعاً ينظم جوانب من نزع السلاح وإعادة الإدماج، ويوفر في حالات معينة تعليقاً أو تأجيلاً للملاحقات والأحكام المتعلقة بأعضاء سابقين في PKK، مع استثناءات تتعلق بجرائم خطيرة، خصوصاً القتل العمد وبعض أحكام السجن المؤبد. كما أن دخول بعض هذه الإجراءات حيز التنفيذ مرتبط بالتحقق الرسمي من حل التنظيم وتسليم أسلحته.
وهذا ليس تنازلاً شكلياً، ولا ينبغي التقليل منه.
لكن في الوقت نفسه يجب التفريق بين إنهاء البنية المسلحة لـPKK وبين حل القضية الكوردية.
فالقانون الذي أقره البرلمان يركز بصورة أساسية على نزع السلاح وإعادة الإدماج، بينما لم يحسم القضايا الأوسع المتعلقة بالحقوق السياسية والثقافية الكوردية، ولا إصلاح الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب، ولا وضع أوجلان.
ومن هنا تظهر فجوة بين مستويين من الخطاب.
المستوى الأول: هو خطاب أنقرة الذي يركز على «تركيا خالية من الإرهاب».
والمستوى الثاني: هو خطاب قطاعات من الحركة السياسية الكوردية التي ترى أن إنهاء الإرهاب أو الصراع المسلح يجب أن يترافق مع دمقرطة أوسع للنظام السياسي والقانوني.
ولا ينبغي إلغاء أي من المنظورين.
فالدولة التركية من حقها، بل من واجبها، أن تطلب نهاية نهائية للعنف المسلح.
وفي الوقت نفسه، من حق المواطنين الكورد المطالبة بأن يكون التخلي عن السلاح مقدمة لمرحلة سياسية تعالج الأسباب التي جعلت الصراع ممكناً، لا مجرد نهاية تنظيم مسلح.
منطق «التنازلات» قد يكون عقبة أمام السلام
ربما تكون المشكلة الأكثر حساسية في المرحلة الحالية هي الطريقة التي ينظر بها كل طرف إلى ما قدمه.
فمن منظور تركي، يمكن القول إن الدولة قدمت خطوة كبيرة عندما انتقلت من مقاربة أمنية إلى إطار قانوني يسمح بإعادة إدماج آلاف العناصر السابقين في PKK.
ومن منظور قيادة PKK، يمكن القول إن الحركة اتخذت خطوة أكثر جوهرية عندما أعلنت إنهاء الكفاح المسلح وحل تنظيمها.
لكن إذا تحول الحوار إلى عملية حسابية من نوع:
من تنازل أكثر؟ ومن حصل على أكثر؟
فإن عملية السلام ستظل أسيرة منطق الصراع القديم.
أما إذا تحول السؤال إلى:
ما الذي يجب أن نبنيه حتى لا يعود الصراع؟
فإننا نكون قد بدأنا بالفعل في بناء السلام.
وهذا فرق جوهري.
من «السلام السلبي» إلى «السلام الإيجابي»
يمكن هنا الاستفادة من التمييز المعروف في دراسات النزاعات بين السلام السلبي والسلام الإيجابي.
السلام السلبي يعني غياب الحرب والعنف.
أما السلام الإيجابي فيعني بناء مؤسسات وعلاقات سياسية واجتماعية تعالج مصادر النزاع وتمنع إعادة إنتاجه.
ومن هذه الزاوية، فإن نزع سلاح PKK، مهما كانت أهميته، يمثل في أحسن الأحوال بداية للسلام السلبي.
أما السلام الإيجابي فيحتاج إلى مرحلة أخرى أكثر تعقيداً:
- ضمان المساواة في المواطنة ليس بشكل فردي بل بشكل جماعي؛
- حماية الحقوق الثقافية واللغوية؛
- توسيع المجال السياسي أمام جميع التيارات السلمية؛
- مراجعة القوانين التي يمكن أن تحد من النشاط السياسي المشروع؛
- تعزيز استقلال القضاء؛
- بناء ضمانات قانونية لتنفيذ الاتفاق؛
- إشراك البرلمان بصورة مستمرة في مراقبة العملية؛
- وإشراك المجتمع المدني والمناطق التي عانت مباشرة من الصراع.
وهنا تكمن أهمية المؤسسة.
فالمصالحة التي لا تنتقل إلى القانون والمؤسسات يمكن أن تتراجع مع تغير الحكومات والظروف.
أما المصالحة التي تصبح جزءاً من بنية الدولة والمجتمع، فتصبح أكثر قدرة على الصمود.
المطلوب: سلام مؤسسي لا سلام شخصي
لذلك فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على بناء بنية مؤسسية للسلام.
ويمكن أن تبدأ هذه البنية من أربعة مستويات مترابطة:
أولاً: المستوى التشريعي
أن يتحول الاتفاق إلى منظومة قوانين واضحة لا تعتمد على التفسيرات السياسية المتغيرة.
ثانياً: المستوى الدستوري
أن تصبح المواطنة المتساوية والحقوق الأساسية والثقافية والسياسية لجميع المواطنين، بمن فيهم الكورد، جزءاً من الإطار الدستوري بصورة لا تجعلها رهينة لتوازنات حزبية مؤقتة.
ثالثاً: المستوى السياسي
أن تصبح الأحزاب والمؤسسات المنتخبة هي المجال الرئيسي للتعبير عن المطالب الكوردية، وأن يتمتع العمل السياسي السلمي بحماية قانونية واضحة.
رابعاً: المستوى المجتمعي
أن تشمل المصالحة الضحايا وعائلاتهم والمجتمعات المحلية، وألا تختزل العملية في مفاوضات بين الدولة وقيادة PKK.
وهذا المستوى الأخير مهم جداً، لأن السلام الذي لا يملك قاعدة اجتماعية عريضة يبقى هشاً.
لماذا هذه اللحظة أكبر من تركيا والكورد؟
ينبغي ألا ننظر إلى المسار التركي–الكوردي بوصفه قضية تركية داخلية فقط.
فالملف الكوردي متداخل مع العراق وسوريا وإيران، كما أن مستقبل العلاقات بين تركيا والكورد سيكون له أثر مباشر على توازنات الشرق الأوسط.
وإذا نجحت تركيا في تحويل العلاقة مع المجتمع الكوردي من علاقة أمنية صراعية إلى علاقة سياسية مؤسسية، فإن آثار ذلك يمكن أن تمتد إلى العراق وسوريا، وربما إلى النقاش الأوسع حول كيفية معالجة النزاعات القومية والإثنية في المنطقة.
ولهذا فإن نجاح العملية لن يكون مكسباً تركياً أو كوردياً فقط.
سيكون مكسباً إقليمياً.
إسرائيل ضمن البيئة الإقليمية، لا باعتبارها طرفاً في القضية
ومن الضروري عند قراءة البعد الإقليمي ألا نتجاهل إسرائيل، ولكن من دون وضعها في موقع لا تملكه.
إسرائيل معنية بالتوازنات الجديدة في سوريا، وبموقع إيران، وبالعلاقات التركية–السورية، وبمستقبل القوى الكوردية في المنطقة. ولذلك فمن الطبيعي أن تتابع مسار التسوية التركية–الكوردية باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط.
لكن هذا لا يعني أن السلام التركي–الكوردي ينبغي أن يصاغ وفقاً لمصالح إسرائيل أو أي قوة إقليمية أخرى.
الأدق هو أن تكون التسوية تركية–كوردية في جوهرها، إقليمية في آثارها، ودولية في انعكاساتها.
أي أنها ينبغي أن تراعي المخاوف والمصالح الإقليمية، بما فيها إسرائيل، ولكن من دون منح أي دولة حق تعطيل حقوق طرف آخر أو فرض شكل التسوية عليه.
السلام الذي تنتظره المنطقة
ربما تكمن أهمية اللحظة الحالية في أن شعوب المنطقة أصبحت أكثر إنهاكاً من الحرب ومن الحلول الأمنية.
فالعراق وسوريا وتركيا وإيران، بدرجات مختلفة، عاشت عقوداً من الصراع المرتبط بالهوية والأمن والحدود والنفوذ الإقليمي.
ولهذا فإن أي نجاح حقيقي في المسار التركي–الكوردي يمكن أن يقدم درساً يتجاوز حدود تركيا:
النزاعات التاريخية لا تنتهي عندما ينتصر طرف على آخر، وإنما عندما يجد الطرفان نظاماً سياسياً يجعل التعايش أكثر فائدة من الصراع.
وهنا تصبح عملية السلام فرصة تاريخية.
ليس لأنها ستنهي فقط صراعاً مسلحاً دام عقوداً، وإنما لأنها قد تفتح الباب أمام نموذج مختلف لإدارة النزاعات في الشرق الأوسط.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
إن إقرار البرلمان التركي للقانون ليس نهاية العملية، وإنما بداية الاختبار الحقيقي.
فإذا توقفت العملية عند حدود نزع السلاح وإعادة الإدماج، فقد تنجح تركيا في إنهاء تهديد أمني كبير، لكنها لن تكون قد حلت بالضرورة القضية السياسية التي ارتبط بها الصراع.
وإذا ركزت الحركة الكوردية فقط على المطالبة بمكاسب قيادية أو رمزية، فقد تفشل في تحويل التحول التاريخي من السلاح إلى السياسة إلى مشروع مؤسسي ديمقراطي واسع.
أما إذا أدرك الطرفان أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من التفاوض على شروط التنازل إلى التفاوض على قواعد التعايش، فإن فرص نجاح العملية ستكون أكبر بكثير.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة ليس:
ماذا يريد أردوغان؟
ولا:
ماذا يريد قريلان أو أوجلان؟
ولا حتى:
من تنازل أكثر؟
السؤال الأهم هو:
ما الدولة والمؤسسات والقواعد السياسية التي يمكن أن يعيش فيها الأتراك والكورد معاً من دون أن يحتاج أي طرف إلى السلاح لحماية هويته أو تحقيق مطالبه؟
خاتمة: من إنهاء الحرب إلى صناعة السلام
لقد قطعت تركيا والحركة التي يقودها PKK مسافة تاريخية عندما انتقل الحوار من منطق الحرب إلى منطق نزع السلاح والتسوية.
لكن الطريق الأصعب لم يبدأ إلا الآن.
إن إنهاء الحرب يمكن أن يكون قراراً سياسياً.
أما بناء السلام فهو عملية اجتماعية ودستورية وقانونية طويلة.
ولذلك فإن النجاح الحقيقي لا ينبغي أن يقاس بعدد الأسلحة التي تم تسليمها، ولا بعدد السجناء الذين أُعيد إدماجهم، ولا بعدد اللقاءات بين القيادات.
المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت تركيا قادرة على بناء نظام سياسي ومؤسسي يجعل المواطن الكوردي يرى في البرلمان والقانون والقضاء والانتخابات طريقاً أكثر فاعلية من السلاح لتحقيق مطالبه، وفي الوقت نفسه يجعل المواطن التركي يرى أن الاعتراف بالتعددية لا يمثل تهديداً لوحدة الدولة وسيادتها.
وهذا يتطلب من الطرفين التخلي عن عقلية «ماذا أخذنا وماذا أعطينا؟» والانتقال إلى عقلية «ماذا سنبني معاً؟».
إن الكورد ليسوا PKK، وتركيا ليست الحكومة وحدها، والسلام ليس اتفاقاً بين مجموعة من القيادات.
السلام الحقيقي هو عقد سياسي واجتماعي جديد يشارك فيه المجتمع بأسره.
وإذا استطاعت أنقرة والقوى السياسية الكوردية تحويل هذه اللحظة من مجرد صفقة لإنهاء الصراع المسلح إلى مشروع لبناء مؤسسات السلام، فإن أثرها لن يتوقف عند الحدود التركية.
قد تصبح هذه العملية نموذجاً إقليمياً لكيفية الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره، ومن السلام السلبي إلى السلام الإيجابي، ومن منطق الانتصار إلى منطق التعايش.
فالمنطقة لا تحتاج إلى منتصر جديد.
إنها تحتاج إلى صيغة تجعل الجميع قادرين على العيش من دون خوف، وعلى المطالبة بحقوقهم من دون سلاح، وعلى حماية دولهم من دون إنكار تعدد مجتمعاتها.
وهنا تكمن، في تقديري، القيمة التاريخية الحقيقية للفرصة القائمة اليوم.
إن إنهاء الحرب خطوة تاريخية؛ أما صناعة السلام فهي الاختبار التاريخي الحقيقي.
