أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

الإنسان الكوردستاني الجديد: من الشخصية المنفعلة إلى الشخصية الفاعلة

بقلم: مروان فلو

مقدمة: من إصلاح السلوك إلى صياغة النموذج
حين تُجمع الركائز الأربع التي تشكل فلسفة بناء الشخصية الكوردستانية 

  • الصمود التاريخي، 
  • والريادة الحضارية،
    –  والواقعية السياسية،
    –  والمسؤولية الفردية .
     فإننا لا نكون بصدد دعوة أخلاقية لإصلاح سلوك فردي عابر، بل أمام محاولة نظرية لصياغة نموذج إنساني جديد. هذا الإنسان لا يكون أسير الماضي، لكنه لا يقطع جذوره؛ ولا يعيش في عقدة الضحية، لكنه لا ينسى تاريخ المظالم؛ ولا يعادي العالم باسم الهوية، ولا يذوب فيه باسم الحداثة؛ ولا ينتظر المنقذ الخارجي، ولا يعيش في عزلة عنه؛ ولا يضع الزعيم فوق المؤسسة، ولا الحزب فوق المجتمع؛ ولا يرى في السياسة بديلاً عن العمل، ولا في النضال بديلاً عن العلم.
    ويمكن صياغة النموذج النظري لهذه الشخصية عبر أربعة أبعاد متكاملة: 
  • سيادة ذهنية تمنحه استقلال التفكير،
  • وفاعلية تاريخية تجعله صانعاً للأحداث لا متلقياً لها، 
  • وهوية مرنة تحمي جذوره وتتيح له الاندماج في العصر،
  • ومسؤولية فردية تمنعه من تحويل التاريخ إلى ذريعة دائمة للفشل.
     هذه الأبعاد الأربعة تشكل، في مجموعها، العمود الفلسفي لمشروع بناء الشخصية الكوردستانية المعاصرة.

أولاً: من رد الفعل إلى المبادرة
الفارق الجوهري بين الشخصية المنفعلة والشخصية الفاعلة هو فارق في موقع الإرادة: فالأولى تنتظر الحدث وتترقب ما ستقرره أنقرة أو بغداد أو طهران أو دمشق أو واشنطن أو موسكو، بينما تسأل الثانية: ما الذي نستطيع نحن أن نفعله قبل أن يفعل الآخرون؟ وهذا هو جوهر التفكير الاستراتيجي؛ فالقوة السياسية لا تُقاس فقط بحجم الموارد المتاحة، بل أيضاً بالقدرة على تحديد جدول الأعمال بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لجدول أعمال الآخرين.

ثانياً: من انتظار الدولة إلى بناء مقوماتها
من الأخطاء الفكرية الشائعة اختزال المشروع القومي بأكمله في لحظة إعلان سياسي للدولة. غير أن الأدبيات السياسية الكلاسيكية تقدّم فهماً أعمق لمفهوم الدولة ذاته. فقد عرّف عالم الاجتماع ماكس فيبر، في محاضرته المرجعية “السياسة بوصفها مهنة”، الدولة بوصفها الكيان البشري الذي ينجح في احتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية داخل إقليم معين. غير أن هذا الاحتكار، كما توضح القراءات اللاحقة لفكر فيبر، لا يمكن أن يُمارَس عبر الإرادة الشخصية لزعيم واحد، بل يستلزم بنية بيروقراطية عقلانية قادرة على جباية الضرائب وإدارة القضاء والخدمات العامة بصورة مستمرة ومنتظمة.
بهذا المعنى، فإن الدولة ليست إعلاناً سياسياً فحسب، بل هي: إنسان متعلم، ومؤسسات فعالة، واقتصاد منتج، وقضاء مستقل، وإدارة كفوءة، وثقافة قانونية راسخة، ونظام تعليمي متقدم، وذاكرة تاريخية موثقة، ونخب سياسية مسؤولة، ومجتمع قادر على إنتاج الثروة والمعرفة. وعليه، فإن بناء مقومات الدولة يجب أن يبدأ قبل إعلانها؛ فكل مدرسة ناجحة، وكل جامعة قوية، وكل مؤسسة مهنية مستقلة، وكل مشروع اقتصادي منتج، وكل مركز بحثي جاد، وكل أرشيف تاريخي موثق، يمثل لبنة فعلية في صرح الدولة التي لم تولد بعد.

ثالثاً: من البطولة الفردية إلى القوة المؤسسية
يميل التاريخ السياسي للمجتمعات التي تعرضت للاضطهاد إلى إنتاج الرموز والزعماء والمقاتلين، غير أن المجتمعات لا تستمر بالبطولة الفردية وحدها. فالبطل يستطيع أن يغيّر لحظة من التاريخ، أما المؤسسة فتستطيع أن تغيّر مسار أجيال بأكملها. وهذا ما يؤكده الإطار النظري ذاته الذي يربط رسوخ سلطة الدولة الحديثة بمبدأ “السلطة القانونية-العقلانية”، حيث تنتقل الشرعية من الشخص إلى الموقع؛ فحين يُستبدل قاضٍ أو مسؤول، تستمر المؤسسة في عملها دون انقطاع، لأن السلطة منسوبة إلى الوظيفة لا إلى شاغلها.
من هنا وجب أن تنتقل الثقافة السياسية الكوردستانية من تمجيد الأشخاص إلى تمجيد المؤسسات والإنجازات. فالسؤال لم يعد “من هو القائد؟”، بل “ما المؤسسة التي ستبقى بعد رحيله؟”؛ وليس “من انتصر في الصراع السياسي؟”، بل “ما النظام المؤسسي الذي سيمنع تكرار الصراع نفسه؟”. فالقيادة ضرورية لتأسيس أي مشروع، لكن المؤسسة وحدها هي القادرة على حماية الإنجاز من زوال القيادة.

رابعاً: من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها
لا يمكن لأي شعب يسعى إلى صناعة مستقبله أن يبقى مستهلكاً دائماً لنظريات الآخرين ومنتظراً تفسيراتهم لتاريخه وواقعه. فالمعرفة، في هذا السياق، ليست ترفاً أكاديمياً، بل أحد أهم مصادر القوة الاستراتيجية للأمم الحديثة. ولذلك فإن مشروع بناء الشخصية الكوردستانية يستلزم نقل مركز الثقل من سؤال “ماذا قال الآخرون عنا؟” إلى سؤال “ماذا نعرف نحن عن أنفسنا؟”، وهو ما يقتضي تأسيس ثقافة بحثية واسعة تشمل حقول التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع واللغة والثقافة.
فالاستقلال المعرفي جزء أصيل من السيادة الذهنية للأمة، ومن لا ينتج المعرفة عن نفسه سيبقى مضطراً إلى رؤية ذاته من خلال عيون الآخرين، وهو ما يجعل حتى استقلاله السياسي – إن تحقق – استقلالاً منقوصاً في جوهره الفكري والثقافي.

خاتمة: نحو نموذج متكامل للفاعلية التاريخية
إن الإنسان الكوردستاني الجديد، بهذا المعنى، ليس نتاج شعار سياسي عابر، بل حصيلة تراكم فلسفي يجمع بين أربعة انتقالات كبرى: من رد الفعل إلى المبادرة، ومن انتظار الدولة إلى بناء مقوماتها، ومن البطولة الفردية إلى القوة المؤسسية، ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاجها. وهذه الانتقالات لا تفرض نموذجاً أيديولوجياً واحداً على المجتمع، بل تؤسس لمنظومة قيم وسلوكيات مشتركة تتيح التنوع السياسي والفكري، وتمنع في الوقت ذاته الانهيار الاجتماعي والاستراتيجي. وبهذا وحده يمكن الانتقال من شخصية تشهد على تاريخها إلى شخصية تصنع تاريخها.

ملاحظة توثيقية: التعريف المرجعي للدولة ومبدأ السلطة القانونية-العقلانية مُستندان إلى محاضرة ماكس فيبر “السياسة بوصفها مهنة” (1919)، وإلى القراءات الأكاديمية اللاحقة لفكره في علم الاجتماع السياسي.
 أما الأحكام والمواقف التحليلية الأخرى في المقال فتمثل قراءة اجتهادية لي( كاتب المقال)، مطروحة للنقاش لا كحقيقة نهائية.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *