ما بعد “الدولة القومية والإيديولوجيا: زيارة بارزاني لدمشق وهندسة “المشرق التعددي”
من الممرات المذهبية إلى جيوبوليتيك الطاقة والشراكة
بقلم: مروان فلو-3/8/2026 يمر مشرق المتوسط بمرحلة إعادة تشكيل هندسية شاملة تتجاوز حدود التفاهمات الدبلوماسية العابرة أو الترتيبات التكتيكية المؤقتة. إن القراءة المتعمقة لزيارة رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق ولقائه البارز مع أحمد الشرع، تكشف عن تحول جيوسياسي من العيار الثقيل؛ تحول لا يمكن تفكيك شفراته بالاعتماد على الخطاب الإعلامي السائد، بل بقراءة ما يُحاك في “غرف الهندسة الإقليمية والدولية” خلف السطور.
إن هذه الزيارة تشكل إعلاناً عملياً عن بدء أفول عصر “الدولة القومية الأحادية” و”الدولة الإيديولوجية/الدينية”، ودخول المنطقة رسمياً في معمار سياسي جديد يقوم على “الدولة الحيادية التعددية” كصيغة حتمية وأخيرة لحفظ الاستقرار المشرقي.
- فلسفة المشرق الجديد: سقوط “الأحادية” وولادة الدولة الحيادية
عاش المشرق العربي عقوداً طويلة تحت وطأة نموذج أثبتت التجربة الميدانية الممتدة عجزه الكامل عن الاستمرار: نموذج الدولة القومية المركزية الصارمة أو الدولة الإيديولوجية المذهبية. لقد أنجبت هذه النماذج حروباً أهلية لا تنتهي، وانقسامات المجتمعات، واقتصاديات متهالكة.
معالم الفلسفة السياسية القادمة:
- الحياد القومي والديني للدولة: الدولة لم تعد ملكاً لعرق حاكم أو طائفة غالبة، بل تُعاد صياغتها كمؤسسة إدارية وقانونية “حيادية” تقف على مسافة واحدة من جميع المكونات، وتضمن الشراكة الحقيقية والتوافقية في صنع القرار الوطني.
- الشرعنة الدولية والغطاء الإقليمي: هناك توافق دولي غير معلن—تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع الحسابات الأمنية الإقليمية، وبشكل خاص الرؤية الإسرائيلية والاستراتيجية الأمريكية—يقوم على مبدأ مفاده: أن استمرار حروب الهويات في المشرق لم يعد خياراً مقبولاً أو قابلاً للإدارة.
- التعددية كشرط أمان كوني: إن البديل عن التعددية والحياد المؤسسي هو الفوضى العارمة والحروب المفتوحة، وهو ما يهدد أمن الطاقة والممرات البحرية والاستقرار العالمي. من هنا، يصبح دعم “الدولة التعددية الموحدة إدارياً والمرنة ساختارياً Sakhtar أ« بنيوياً» هو المشروع الوحيد المدعوم دولياً.
- زيارة بارزاني لدمشق: صياغة المحور الجيواقتصادي وتجاوز بغداد
لم تكن زيارة نيجيرفان بارزاني مجرد تقارب بين أربيل ودمشق، بل كانت حجر الأساس لإعادة ترتيب البيت المشرقي فوق أنقاض “الممر المذهبي” الإيراني القديم.
[انحسار النفوذ الإيراني] ──> [تحرك أربيل المباشر تجاه دمشق] ──> [صياغة ممر استقرار وتجارة مدعوم دولياً]
التجاوز التكتيكي لبغداد:
شكل تحرك بارزاني خطوة جريئة تمثل تجاوزاً واقعياً لبغداد، التي تظل مكبلة ببطء اتخاذ القرار والتوازنات المعقدة وضغوط الفصائل الولائية. أربيل، ببراغماتيتها الدبلوماسية المعهودة، أدركت أن الفراغ الناجم عن الضربات المتتالية للبنية الإيرانية في المنطقة يجب أن يُملأ فوراً بمحور استقرار اقتصادي وسياق سياسي جديد يربط كوردستان العراق بالعمق السوري والمرور منه إلى المجتمع الدولي.
- كورد روژآڤا والمؤتمر الجامع: أربيل كـ “مظلة حماية” ودمشق كـ “شريك”
تطرح هذه الزيارة حلولاً غير تقليدية لأكثر الملفات تعقيداً: مستقبل كورد سوريا (روژآڤا).
معادلة “أربيل – دمشق – كورد سوريا”:
- المؤتمر الكوردي الجامع: إن الترويج الراهن لمؤتمر كوردي شامل في أربيل لا ينفصل عن زيارة دمشق. الهدف منه هو تدجين وتوحيد الموقف الكوردي السوري (بين المجلس الوطني الكوردي ENKS وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD) لإنتاج “وفد كوردي موحد ورشيد” يملك لغة تفاوضية واحدة ومقبولة إقليمياً.
- أربيل كمظلة أمان: يدرك كورد روژآڤا أن الارتهان المطلق للتقلبات الأمريكية لم يعد حلاً مستداماً. وتوفر أربيل المظلة التي تحميهم من صدام مفتوح مع أنقرة أو التهميش من قبل دمشق.
- براغماتية أحمد الشرع: يتعامل الشرع مع الملف الروژآڤايي بذكاء واعي؛ فهو يفرق تماماً بين كوردستان باشور ككيان دستوري وازن وناجح اقتصادياً يُتعامل معه كشريك إقليمي، وبين روژآڤا كملف داخلي سوري يتطلب “إعادة دمج مرنة”. الشرع يسعى لمنح كورد روژ آڤا حقوقاً ثقافية وإدارية واسعة في إطار الدولة التعددية الحيادية، بما يرضي المكون الكوردي ويطمئن الجار التركي ويحفظ وحدة الأراضي السورية.
- جيوبوليتيك النفط والترانزيت: البحر المتوسط كشريان حياة استراتيجي
تتحرك السياسة دائماً بوقود الاقتصاد، وما جرى بين بارزاني والشرع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ معادلة الطاقة ومنافذ التصدير.
[إقليم كوردستان / العراق] ──>(أنابيب وممرات برية)──> [الموانئ السورية: طرطوس واللاذقية] ──> [الأسواق العالمية]
إعادة رسم خريطة المنافذ:
- التحرر من أحادية المنفذ التركي: بعد التعقيدات السياسية والمالية المتكررة المتعلقة بخط أنابيب (جيهان) التركي، بات من الضروري لأربيل وبغداد البحث عن منافذ سيادية واستراتيجية بديلة alternative.
- المنفذ السوري نحو المتوسط: يمثل الخيار السوري الممتد إلى طرطوس واللاذقية الأمل الأكبر والمنفذ الأكثر جاذبية لنقل نفط إقليم كوردستان والعراق، خاصة بعد تحول المعابر الحدودية (مثل القائم/البوكمال واليعربية/فيشخابور) من شبكات لنقل السلاح والفصائل إلى شرايين تجارية واقتصادية ضخمة.
- المصلحة المتبادلة: دمشق الجديدة بحاجة ماسة لعوائد الترانزيت واستثمارات الطاقة للبدء في الإعمار، وأربيل بحاجة لفتح أفق استراتيجي يضمن تدفق صادراتها بعيداً عن أوراق الضغط الإقليمية.
خاتمة: قراءة استشرافية للمستقبل
إن ما شهدناه في اللقاء بين نيجيرفان بارزاني وأحمد الشرع هو البروفة الأولى لمعمار المشرق الجديد. لقد انتهى زمن المشاريع العابرة للحدود المبنية على الإيديولوجيا الطائفية أو الهيمنة القومية المطلقة.
المستقبل القريب سيعتمد رسمياً صيغة “الدولة التعددية الحيادية” التي تتشارك فيها كافة المكونات السلطة والثروة تحت مظلة المواطنة والإدارة الاقتصادية الشفافة. ومن يقرأ حركة التاريخ والجيوبوليتيك اليوم، يدرك أن الممرات البحرية وخطوط النفط والشراكات التعددية هي التي ستكتب الفصل الأخير من تاريخ الصراع المشرقي، لتفتح الباب أمام مرحلة من الاستقرار المبني على المصالح المتبادلة والواقعية السياسية الشجاعة.
