إختبار قيم الإتحاد الأوروبي في مواجهة أنقرة

ياوز آيدين

في 19 مارس، عقدت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا نقاشًا خاصًا حول الوضع الحالي للديمقراطية البرلمانية في تركيا. ليس من المستغرب أن يكون الموضوع الرئيسي على جدول أعمال اللجنة هو الحكم بالسجن بحق عمر فاروق غيرغيرلي أوغلو، وهو مدافع عن حقوق الإنسان وعضو برلماني من حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد.

وباستثناء أحمد يلدز، من حزب العدالة والتنمية التركي، وسيدوف من أذربيجان، أعرب جميع المتحدثين في اللجنة عن قلقهم بشأن الهجوم المدبر من قبل ما يسمى بالمحاكم وحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان على الديمقراطية. وشدد جي هاول، المقرر المشارك لتركيا في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، مرة أخرى، على تراجع الحريات الأساسية في البلاد بشكل مستمر. 

وكان غيرغيرلي أوغلو قد حُكم عليه بالسجن بسبب منشور على مواقع التواصل الاجتماعي منذ خمس سنوات. وفي الأسبوع الماضي، أيدت محكمة النقض الحكم الصادر ضده. وبعد أيام قليلة من هذا القرار الهزلي، تم تجريده بسرعة وبشكل غير دستوري من مكانته كنائب في البرلمان بدعم من حزب العدالة والتنمية وحليفه القومي اليميني المتطرف، حزب الحركة القومية.

وفي اليوم نفسه، رفع المدعي العام للمحكمة نفسها دعوى أمام المحكمة الدستورية للمطالبة بإغلاق حزبه، حزب الشعوب الديمقراطي.

وهناك نقطة أخرى أكسبت هذه القصة أهمية من نوع خاص وهي أن محكمة النقض أيدت حكمه قبل أيام قليلة من إعلان أردوغان ما يسمى بخطة عمل حقوق الإنسان. ولذا، فإن قصة غيرغيرلي أوغلو و حزب الشعوب الديمقراطي تخبر الكثير عن خطة العمل هذه في ظل تلاشي الآمال في الديمقراطية وسيادة القانون في تركيا في ظل حكم أردوغان.

وفي البيان المشترك الذي أدلى به ممثل السياسة الخارجية، جوزيب بوريل، ومفوض التوسّع، أوليفر فارهيلي، تكررت مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن تراجع الحقوق الأساسية في تركيا. وكدولة مرشحة، تم حث تركيا على وقف هذا الاتجاه الذي يقوض “مصداقية” التزام السلطات التركية المعلن بالإصلاحات.

وكما انتقد “مجلس مكافحة الفساد” في تقريره الأخير، فإن خضوع القضاء لأردوغان هو أحد الأسباب الرئيسية للوضع الحالي المضطرب للديمقراطية والحقوق الأساسية في تركيا، وحان الوقت للحديث عن القضاء باعتباره السبب الجذري للمشكلة.

وكما ذكرت بإيجاز في مقالتي السابقة، فقد تم مؤخرًا نشر تقرير جديد عن “استقلال القضاء والوصول إلى العدالة في تركيا” من قبل مؤسسة “تركي تريبونال”. ويعرض التقرير الإجراءات التي اتخذتها السلطات العامة، وخاصة دور القضاء، والتي بدأت تظهرفي تركيا في عام 2010 مع التركيز بشكل خاص على التدهور الدراماتيكي الذي لحق باستقلال القضاء بعد يوليو 2016.

مؤلف التقرير هو لوكا بيريلي، وهو قاض إيطالي وكان كاتباً لجميع التقارير الصادرة عن الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا تقريبًا بين عامي 2008 و 2015 بشأن نظام العدالة التركي. لذا، فإن ملاحظاته الواردة في التقرير تشكل نوعًا من “تاريخ” مغامرات القضاء والحقوق الأساسية في تركيا.

واعترافًا بحقيقة أن القضاء لم يكن مستقلاً في تركيا أبدًا، كشف بيريلي كيف تحولت الأمور إلى كارثة على القضاء التركي بعد رد فعل الحكومة على تحقيقات الكسب غير المشروع الشهيرة في ديسمبر 2013. وأشار بيريلي إلى رد أردوغان على احتجاجات حديقة غيزي و فضيحة الفساد عام 2013 كنقطة كسر لسيادة القانون والديمقراطية في تركيا.

وفي التقرير، تظهر الإقالة الجماعية لـ 4500 قاضٍ ومدعٍ عام وهو ما يعادل ثلث السلطة القضائية اعتبارًا من عام 2016، وتوظيف أكثر من 11 ألف من “المخلصين” و “المعتمدين” من قبل الحكومة في السنوات الأربع التالية، كعامل رئيسي يبيّن أن القضاء يخضع لسيطرة الحكومة. وسُجن قرابة 2500 من هؤلاء القضاة والمدعين لكونهم أعضاء في ما يسمى منظمة إرهابية.

ومن خلال التأكيد على الافتقار إلى العدالة في دولة لا تحترم فيه المحكمة الدستورية نفسها أحكام المحكمة الدستورية لحقوق الإنسان، ويتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان والمحامون للترهيب بذريعة توجيه تهم وهمية بالإرهاب، يخلص التقرير إلى أن تحقيق العدالة بأي وسيلة أصبح أمراً ممنوعاً في تركيا اليوم.

وخلال ندوة رفيعة المستوى عبر الإنترنت شملت أكثر الأسماء كفاءة في مجال استقلال القضاء في جميع أنحاء العالم، تمت مناقشة التقرير باستفاضة. وقد أكد دييغو غارسيا سايان، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، مرة أخرى أن استقلال القضاء ليس للقضاة أنفسهم، بل لحماية حقوق وحريات المواطنين. كما أكد سايان من جديد أنه سيصر على القيام بزيارات رسمية لتقصي الحقائق إلى تركيا بهدف حث الحكومة على الامتثال لمعايير الأمم المتحدة.

وقد ذكر فيليبي ماركيز، رئيس مؤسسة “ميديل” (القضاة الأوروبيون من أجل الديمقراطية والحريات)، مراد أرسلان، الذي كان في السجن منذ عام 2016. وقال إن أرسلان هو مثال واضح للقاضي النموذجي الذي لديه الشجاعة للوقوف من أجل حقوق الإنسان. كما انتقد ماركس المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لافتقارها إلى الكفاءة خاصة فيما يتعلق بالفشل في إصدار أحكامها في وقت معقول وفشلها في تقديم تدابير مؤقتة في المواقف العاجلة.

وانتقد خوسيه ماتوس، رئيس الجمعية الأوروبية للقضاة، هذا التهور والتعسف مرة أخرى. وأوضح مساعي “منصة القضاء المستقل في تركيا”، وأكد مجدداً أنهم لا يعترفون بإغلاق مؤسسة “يارساف”، وذكر 95 بيانًا نُشر لدعم زملائه.

والآن، سنرى ما إذا كانت الأولويات السياسية الأخرى مثل موازنة التجارة واسترضاء أردوغان تحت اسم صفقة اللاجئين ستسود مرة أخرى خلال قمة الاتحاد الأوروبي يومي 25 و 26 مارس. وبعبارة أخرى، هل سيقبل الاتحاد الأوروبي التواطؤ في القضاء على سيادة القانون في الدولة “شريكه الاستراتيجي”، أم أنه سيستخدم الأدوات لدعم القيم في هذه “الدولة المرشحة”؟