هل واجب على الكوردي تغيير أنظمة الدول المحتلّة لأرض كوردستان؟

الكاتب:حسين قاسم

في خضم هذا المشهد السوري الممزق، حيث تتداخل مصالح القوى الإقليمية مع حسابات الفصائل المحلية، يبرز سؤال جوهري يلاحق الوعي الكوردي منذ قرن كامل: هل من واجب الكوردي أن يغيّر أنظمة الدول المحتلّة، أم أن الصراع الحقيقي ليس بين “النظام” و“المعارضة” كما يُسوّق له، بل بين مشروع كوردي يبحث عن ذاته، وبين منظومات سياسية لا ترى فيه سوى ورقة تفاوض أو قوة يمكن استخدامها ثم التخلص منها؟ إن الحديث عن الفرق بين النظام والمعارضة لم يعد إلا ترفًا لغويًا، فكلاهما في جوهره وجهان لعملة واحدة، كلاهما أنكر الوجود الكوردي، وكلاهما ساهم في إقصائه، وكلاهما تعامل معه كأداة لا كشريك، حتى بات الكوردي يدفع ثمن صراعات لا علاقة له بها، ويُطلب منه أن يختار بين طرفين لا يعترف أي منهما بحقوقه.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: ماذا عن الاتفاق مع الجولاني؟ هل حقق هذا الاتفاق أي مطلب من مطالب الشعب الكوردي؟ هل أعاد أرضًا؟ هل حمى هوية؟ هل أوقف تهديدًا؟ أم أنه مجرد مرحلة “ضرورية” تُفرض على الكورد بحجة الواقع العسكري والسياسي، بينما تُسجّل على الشعب الكوردي وصمة جديدة في ذاكرة الآخرين؟ فبعد مئة عام، كيف سنبرر للدرزي والعلوي والمسيحي والعربي أن الكورد كانوا في لحظة ما “متفقين” مع فصيل متهم بجرائم قتل وذبح؟ كيف سنشرح للأجيال القادمة أن شعبًا كان دائمًا ضحية، وُضع فجأة في خانة الشريك مع من ارتكب الفظائع؟ التاريخ لا يرحم، والذاكرة الجمعية لا تمحو بسهولة، وإذا سُجّل أن الكورد كانوا جزءًا من اتفاقات مع قوى متطرفة، فستبقى هذه الصفحة معلّقة في رقابنا مهما تغيّرت الظروف.

إن الشعب الكوردي لا يحتاج إلى تحالفات رمادية ولا إلى صفقات مؤقتة ولا إلى شعارات “الأمة الديمقراطية” التي تحولت إلى غطاء لسياسات رعناء لا تشبه الكورد ولا تخدمهم. لقد جرّب الكورد الاشتراكيين، وجربوا الإسلاميين، وجربوا اليسار واليمين، وفي كل مرة كانت الشعارات أكبر من الواقع، وكانت النتيجة خسارة الأرض وخسارة القرار وخسارة الوحدة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: مع من نتحالف؟ بل: ماذا يجب أن يفعل الكوردي أولًا؟ والجواب واضح: العودة إلى الحاضنة الكوردية، إعادة بناء العلاقات بين القوى الكوردية، تصحيح المسار، وخلق مشروع واحد لا يتجزأ، مشروع يحمل اسمًا واحدًا وراية واحدة وهوية واحدة: جيش البيشمركة – روج آفا كوردستان. فلا يمكن لشعب بلا وحدة أن يواجه دولًا محتلة، ولا يمكن لحركة ممزقة أن تصنع مستقبلًا، ولا يمكن لأمة أن تنهض وهي تتعلق بشعارات مستوردة لا تشبهها.

إن اللحظة التاريخية اليوم تفرض على الكورد أن يتخلّصوا من سياسة “الضرورة” التي جعلتهم دائمًا في موقع رد الفعل، وأن ينتقلوا إلى سياسة “المبادرة” التي تعيدهم إلى مركز القرار. فلا النظام ولا المعارضة سيمنحان الكورد حقوقهم، ولا أي اتفاق مع قوى متطرفة سيحمي مستقبلهم. المستقبل يُصنع فقط حين يعود الكورد إلى بعضهم، ويعيدون بناء مشروعهم الوطني على أساس واضح: الأرض، الهوية، والقرار الكوردي المستقل. وعندها فقط يمكن للكوردي أن يواجه العالم بثقة، وأن يقول للتاريخ: لم نكن تابعين، ولم نكن أدوات، بل كنا شعبًا يعرف طريقه ويصنع مصيره.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *