آذار المدن الكوردية… حين يمرّ الخراب من حلبجة إلى عفرين
آذار يمشي فوق المدن الكوردية كما لو أنه يحمل دفترًا قديمًا من الوجع، يفتحه صفحةً بعد أخرى، مدينةً بعد أخرى، جرحًا بعد جرح.
يمرّ أولًا على حلبجة.
يقف عند أبوابها التي ما زالت تشمّ رائحة الغاز،
يمسح على وجوه أطفالها الذين ناموا في لحظة واحدة،
ويترك خلفه صمتًا يشبه بكاء مدينةٍ لم تجد من يواسيها.
حلبجة في آذار ليست ذكرى، بل تنهيدة طويلة لا تنتهي.
ثم ينحدر آذار نحو سهول الأنفال.
يمشي فوق القرى التي اختفت،
فوق البيوت التي صارت ترابًا،
فوق أسماء الرجال الذين لم يعودوا،
وفوق النساء اللواتي حملن أطفالهن وركضن بين الجبال حتى انقطع الصوت.
في الأنفال، كل حجرٍ يعرف قصة، وكل شجرةٍ تعرف اسمًا، وكل رائحةٍ تعرف طريقها إلى القلب.
ومن هناك، يتجه آذار نحو قامشلو.
المدينة التي سال دمها في الشوارع،
المدينة التي حملت أبناءها على الأكتاف،
المدينة التي أغلقت أبوابها على وجعٍ كبير كي لا يراه الأطفال.
قامشلو في آذار مدينةٌ تمشي على جرحٍ مفتوح.
ثم يصل آذار إلى كوباني.
كوباني التي قاومت وحدها،
التي احترقت شوارعها،
وتناثرت حجارتها،
وتحوّلت إلى ساحةٍ بين الحياة والموت.
في آذار، تتذكر كوباني كل بيتٍ تهدّم،
وكل أمٍ انتظرت ابنها ولم يعد،
وكل طفلٍ حمل لعبةً واحدة وهرب نحو الحدود.
ومن كوباني، يواصل آذار طريقه نحو شنكال.
المدينة التي خُطفت نساؤها،
وتبعثرت عائلاتها،
وتحوّلت جبالها إلى ملجأ أخير للناجين.
شنكال في آذار مدينةٌ ما زالت تبحث عن بناتها،
وتعدّ أسماء الغائبين كما لو أنها تحفظهم من النسيان.
وأخيرًا… يصل آذار إلى عفرين.
عفرين التي كانت بساتين زيتونٍ وهدوءًا وسماءً صافية،
فصارت في آذار مدينةً تُقتلع من جذورها.
بيوتٌ تغيّرت أبوابها،
شوارعٌ تغيّر أهلها،
أسماءٌ مُسحت من الذاكرة،
ونساءٌ ورجالٌ وأطفالٌ حملوا ما استطاعوا وحملوا قلوبهم ورحلوا.
عفرين في آذار ليست مدينةً فقط،
بل غصّةٌ لا تخرج من الحلق.
آذار عند هذه المدن ليس فصلًا من السنة،
بل فصلًا من الوجع.
كل مدينة تحمل جرحها،
وكل جرح يحمل قصة،
وكل قصة تحمل دمعة لم تجفّ بعد.
ومع ذلك…
ورغم كل ما فعله آذار بهذه المدن،
لم يستطع أن يطفئ نورها.
لم يستطع أن يكسر إرادتها.
لم يستطع أن يمنعها من الوقوف من جديد.
سيأتي يومٌ ينجلي فيه آذار عن هذه المدن،
يومٌ تعود فيه الضحكات إلى الشوارع،
وتعود فيه الأسماء إلى البيوت،
وتعود فيه المدن إلى الحياة كما تستحق.
سيأتي يومٌ يصبح فيه آذار شهرًا للزهور…
لا شهرًا للويلات.