روج آفا بين عواصف الأمس واحتمالات الغد

الكاتب: بيوراسب داريوس

لم يكن العام الماضي عاماً عادياً على روج آفا.
كان عاماً يشبه الريح التي تهبّ من كل الجهات، تحمل معها الغبار والقلق، لكنها تكشف أيضاً صلابة الأرض التي تقف عليها.
في تلك الرقعة من شمال وشرق سوريا، حيث تتقاطع طرق الشعوب وتتشابك المصالح، عاش الناس عاماً ثقيلاً، لكنه كان عاماً كاشفاً… كاشفاً للنيات، وللأدوار، وللحدود التي يمكن أن يصل إليها كل طرف.

تركيا… الجار الذي لا يهدأ

من الشمال، كانت تركيا تراقب روج آفا بعين لا تعرف الهدوء.
لم تكن ترى في الإدارة الذاتية تجربة محلية أو مشروعاً ديمقراطياً، بل كانت تراها ظلاً يمتد نحو حدودها، ظلاً تخاف أن يكبر.
ولهذا لم تتوقف عن الضغط:
قصفٌ بالطائرات المسيّرة، تهديدات بالغزو، دعم لفصائل مسلحة، ومحاولات دائمة لزعزعة الاستقرار.

كانت تركيا تتصرف وكأن روج آفا صفحة يجب تمزيقها قبل أن تُكتب بالكامل.
لكن ما لم تدركه أن هذه الصفحة أصبحت جزءاً من كتاب أكبر، كتاب يتجاوز حدودها.

الولايات المتحدة… شريك لا يقترب ولا يبتعد

وفي الجهة الأخرى، كانت الولايات المتحدة تقف في موقع معقّد.
هي ليست حليفاً كاملاً للكرد، لكنها ليست خصماً أيضاً.
وجودها في روج آفا مرتبط بمحاربة داعش، لا أكثر ولا أقل.
ومع ذلك، فإن هذا الوجود يمنع تركيا من التقدم، ويمنح روج آفا مساحة تتنفس فيها.

السياسة الأمريكية تشبه ميزاناً حساساً:
لا تريد خسارة تركيا، ولا تريد التخلي عن الكرد.
فتبقى في المنتصف، تراقب، وتدير، وتسمح للأحداث أن تتقدم خطوة خطوة.

إسرائيل… اللاعب الصامت الذي يعرف أين يضع قدمه

بعيداً عن الضجيج، كانت إسرائيل تراقب المشهد بهدوء.
هي تعرف أن الكرد قوة يمكن أن توازن نفوذ تركيا وإيران في المنطقة.
وتعرف أيضاً أن أي كيان كردي مستقر قد يكون شريكاً طبيعياً لها، كما حدث في أماكن أخرى من الشرق الأوسط.

إسرائيل لا تظهر في الصورة، لكنها موجودة في الخلفية، في الحسابات، في التحليلات، وفي مراكز القرار.
وجودها ليس دعماً مباشراً، لكنه فرصة يمكن للكرد أن يستفيدوا منها إذا أحسنوا قراءة المشهد.

داخل روج آفا… شعب يتعلم من العواصف

ورغم كل هذه الضغوط، كان العام الماضي عاماً تعلم فيه الكرد الكثير.
تعلموا أن الانقسام يضعفهم، وأن الوحدة ليست شعاراً بل ضرورة.
تعلموا أن الإدارة المدنية القوية هي السلاح الحقيقي في مواجهة الفوضى.
وتعلموا أن العالم لا يحترم إلا من يحترم نفسه ويعرف ما يريد.

في القامشلي والحسكة وعين العرب ودير الزور، كان الناس يعيشون يومهم، لكنهم يشعرون أن شيئاً كبيراً يتشكل في الأفق.
شيء يشبه بداية مرحلة جديدة.

وماذا عن الغد؟

الغد في روج آفا ليس واضحاً بالكامل، لكنه ليس مظلماً أيضاً.
هناك ثلاثة طرق محتملة:

  • طريق تستمر فيه تركيا بالضغط، لكن دون قدرة على الحسم.
  • طريق تقوى فيه الإدارة الذاتية من الداخل، وتصبح أكثر تماسكاً.
  • وطريق ثالث، تتقاطع فيه المصالح الأمريكية والإسرائيلية، فيجد الكرد أنفسهم أمام فرصة تاريخية لتعزيز وجودهم.

الغد ليس قدراً مكتوباً، لكنه نتيجة لما سيُبنى اليوم.

كيف يستفيد الكرد من المرحلة القادمة؟

الجواب بسيط وعميق في الوقت نفسه:

  • الوحدة أولاً
  • العقلانية في التعامل مع واشنطن
  • الاستفادة الهادئة من الدور الإسرائيلي
  • تقوية الإدارة المدنية والاقتصادية

هذه ليست شعارات، بل مفاتيح.
وكل مفتاح منها يفتح باباً نحو مستقبل أكثر استقراراً.

روج آفا اليوم تقف بين عاصفتين:
عاصفة جاءت من العام الماضي، وعاصفة تنتظر في العام القادم.
لكن بين العاصفتين، هناك شعب يعرف كيف يقف، وكيف يبني، وكيف يحمي تجربته.

تركيا تضغط، أمريكا توازن، إسرائيل تراقب…
لكن الكلمة الأخيرة تبقى لمن يعرف كيف يصنع طريقه بيده.

روج آفا ليست مجرد جغرافيا، بل قصة تُكتب كل يوم — قصة شعب يريد أن يعيش بكرامة، وأن يثبت أن النور يمكن أن يولد حتى في أكثر الأماكن ظلمة.