العازف المنسي.. العم آديك

رأيت أناساً مهما أخذت منهم الحياة أغنياء، ورأيت أناساً مهما أخذوا من الحياة فقراء، هكذا قال شمس الدين التبريزي قبل مئات الأعوام، وهكذا كان العازف “آديك” الذي لم تمنعه جيوبه الفارغة من أن يملأ سماء عفرين بألحان لا تزال خالدة في قلوب كل من استمعوا إليه.

 خبر  01 حزيران 2023, الخميس – 02:15 2023-06-01T02:15:00 قامشلو- مصطفى علو

يزخر التاريخ الكردي الذي تعرض قسم كبير منه للضياع والتشويه والتحريف، بعدد كبير من الفنانين الكرد الذين حرصوا على نقل هذا التاريخ شفوياً عبر الملاحم التي أدوها كأغانٍ أو ألّفوا ألحانها.

لكن قسماً من هؤلاء الفنانين لم يختلف حالهم عن حالة التاريخ الكردي، وبقوا ضائعين بين صفحات تاريخ مديد من المعاناة والمقاومة.

من هؤلاء الفنانين، حسن آديك أو كما يحب سكان عفرين مناداته باسم “Apê Adîk” أي “العم آديك” الذي ينحدر من أسرة تدين بالإيزيدية.

وُلد الفنان في قرية إيسكا في ناحية جندريسه بمقاطعة عفرين المحتلة، لكن أصوله تعود إلى قرية جلمة المجاورة في الناحية ذاتها.

الفنان الذي عاش قرناً كاملاً من عام 1907 وحتى الأول من حزيران 2007، حين غيّبه الموت، قضى معظم سنوات حياته في قرية كورا في جندريسه.

تتلمذ آديك على أيدي بعض العازفين المعروفين حينها أمثال Hûs Xel من قرية غزاوية.

تقول بعض المصادر النادرة التي تتحدث عن سيرة عازف لم ينل المكانة التي كان يستحقها، إنه تعلم الغناء من المغني المعروف قديما Hemûş Kûrik من قرية آشكا شرقي، وMişo من مقاطعة كوباني وإبراهيم تركو من قرية “چقلي جومه” في ناحية جندريسه، إلا أن آديك عُرف، ولا يزال، كواحد من أعلام العزف على البزق.

وتميّز آديك عن بقية العازفين على البزق بأنه كان يعزف على 16 عقدة، فيما يعزف الغالبية على 24 عقدة. وعلى الرغم من أن آديك لم يتمتع بشهرة كبيرة في الوسط الكردي وبقي اسمه معروفاً في عفرين وبالتحديد في ناحية شيراوا، إلى أنه كان أستاذاً لعمالقة الفن في جبل الكرد أو (جياي كورمنج).

ومن بين تلامذته المعروفين على الصعيد الكردستاني، الفنانان الراحلان جميل هورو ومن بعده بافي صلاح.

ويؤكد الباحث في اللغة الكردية والفلكلور الكردي، مصطفى رشيد، وله كتاب بعنوان “Awirek li ser rêzimanê Kurdî” (نظرة على قواعد اللغة الكردية)، أن آديك كان يؤدي الأغاني، إلا أنه اعتزل الغناء بعدما فقد ابنه؛ جراء انفجار لغم به على الحدود بين سوريا وتركيا، ولكن رشيد البالغ من العمر (77 عاماً) لا يتذكر تاريخ الواقعة بالتحديد.

ويضيف الباحث الذي كان يقدّم برنامجاً عن الفلكلور الكردي في فضائية MED TV عام 1995 أن العم آديك كان يعتبر ملاحم “مم آلان وخج وسيامند وطيار آغا ودوريش عبدي ودلال” ملاحم وطنية كردية.

ويذكر أيضاً أن آديك كان ينحدر من عشيرة DINAN  (دنان) وهي عشيرة كردية إيزيدية، تمتد من حدود رها في شمال كردستان إلى حلب في سوريا واعتنقت المذهب السني بدايات عام 1800 ميلادية.

ويختتم مصطفى رشيد الذي زود وكالتنا بتسجيل صوتي للراحل آديك وهو يغني ويعزف البزق عام 1998 في قرية جقله جومة، أنه لم يسمع قطّ أن آديك سعى لتحقيق مكاسب مالية من وراء فنه، ويؤكد أن جلّ اهتمام آديك كان الحفاظ على التراث الكردي وكان محباً ومتعاوناً مع جميع الساعين للحفاظ على هذا التراث من الاندثار.

خلال مسيرته الفنية التي امتدت نحو 75 عاماً، عزف آديك الكثير من الملاحم الكردية من قبيل مم وزين، وجبلي، وطايير بك، ودرويش عبدي، هذا بالإضافة إلى عزفه على الكمان والناي والمزمار.

لم يكن آديك طامعاً في المال ولا طامعاً في الشهرة، عزف البزق عن حب. الفنان الذي عمل نجاراً حتى أواخر عمره لتأمين لقمة العيش، صنع بزقه بنفسه وصنع نفسه بنفسه.

لم يرضَ بالعزف على بزق آخر، وأبى أن تفصل الريشة بين أنامله وبين أوتار بزقه المصنوع من شجرة التوت، هكذا أحب آديك بزقه كما أحب شعبه وكان محبوباً لديهم.

آديك الذي لم تمتلئ جيوبه بالنقود، ولم يكن ذلك همّه، لم يكن يعزف في الأعراس، وكان يعزف فقط في بعض السهرات والجلسات مع بعض الأقارب أو المعارف، دون انتظار مقابل مادي، ليحافظ على عزة نفسه وسمو الفن، هكذا كان الفقير الذي أعطى الحياة فنه ومنح حياته للفن ليظل غنياً بموروثه الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي من قبل من عاصروه أو جاؤوا من بعده.

محمد حج ولو، من قرية أومرا في ناحية شرا بمقاطعة عفرين المحتلة والمقيم حالياً في قرية دير جمال في الناحية ذاتها، التقى الراحل آديك في منزل الفنان الراحل جميل هورو في ناحية جندريسه عندما كان شاباً بينما كان آديك على مشارف بلوغ العقد الثامن من عمره.

يصف حج ولو لقاءه الأول بالعم آديك وكيف غمرته السعادة بلقاء أحد عمالقة العزف على البزق. يذكر حج ولو كيف كان آديك جالساً في بيت جميل هورو، ويسلط الضوء على جلسته الرزينة وثبات جلسته “المربعة” رغم مرور ساعات على هذه الوضعية.

لم يكن ذلك اللقاء الوحيد الذي جمع بين حج ولو وآديك، حيث التقيا مرات أخرى في مناسبات مختلفة.

يسترسل حج ولو، وكأن الذكريات تعيد رسم ملاح آديك أمامه وتستحضر ألحانه الشجية والنقية كنقاء عفرين الجميلة، ويضيف ولو أن آديك كان يلبس شروالاً كردياً ويضع على رأسه غطاء أبيضاً ناصعاً.

وعن خصاله، يقول حج ولو أن آديك كان عزيز النفس وبقي يعمل في النجارة إلى أواخر عمر حتى لا يحتاج أحداً، ويتابع “فضّل إتعاب زنديه على العوز”.

ويقترح حج ولو على المختصين والمهتمين بالفن، الالتفات إلى هذه الشخصيات التي قدمت الكثير للفن وانتشالها من قاع النسيان واستحضار أصواتها ومعزوفاتها من عمق التاريخ.

ANHA