الإضراب العام مستمر في المدن الكردية الإيرانية… والسلطات تسعى لتفكيكه بالترغيب والترهيب  

على رغم مرور خمسة أيام على إعلان “الإضراب العام”، لا تزال الأسواق والمؤسسات العامة والنوادي الاجتماعية في مدينة سقز، ذات الأغلبية السكانية الكردية شمال غربي إيران، خاوية تماماً، بلا أي حركة اقتصادية أو نشاطات اجتماعية. فالمدينة التي شكلت مركزاً للحركة الاحتجاجية الأخيرة في إيران، باعتبارها مسقط رأس الضحية مهسا أميني، استجابت منذ يوم الأربعاء الفائت لنداء “مركز تعاون الأحزاب الكردية – الإيرانية”، ودخلت في حالة إضراب عام، استنكف فيها السكان عن ممارسة أية أعمال تجارية أو اجتماعية، وغادر الكثيرون منهم نحو الأرياف القريبة، فيما يكتفي العمال وصغار الكسبة بممارسة الأعمال الخاصة بهم.الطالب الجامعي آرمانج كوراساي، وهو ناشط مدني من سكان المدينة، يصف في حديث مع “النهار العربي” الأحوال العامة داخلها، وأدوات الضغط التي تمارسها السلطات لكسر حالة الإضراب العام الراهنة، ويقول: “لخمسة أيام متتالية، انتفضت مدينة سقز كاملة، وتحديداً في يوم دفن الضحية أميني. لكن العنف الذي مارسته قوات الأمن الإيرانية ضد المحتجين، خصوصاً بعد اعتقال العشرات من الناشطين السياسيين والمدنيين، والتهديد المبطن بممارسة الاغتيالات، وعقب الهجمات البربرية على أهلنا المدنيين في مخيمات اللجوء داخل إقليم كردستان العراق، دفع الجهات السياسية وقادة الرأي في المدينة نحو خيار اللجوء للإضراب العام، وهو ما حدث”.ويضيف كوراساي أن “شمول الإضراب لمختلف أشكال الحياة كان مفاجئاً للسلطات المحلية. فليست المحال التجارية وحدها التي استنكفت عن العمل في الأسواق، بل أيضاً سائقو الحافلات العمومية وأصحاب المقاهي والباعة المتجولون وعمال المؤسسات الحكومية، والغالبية الساحقة من موظفي القطاع التعليمي والنفطي وحتى عمال النظافة والبناء. بقيت السلطات المحلية ليومين كاملين تعتبر الأمر لصالحها، من أجل امتصاص حالة الغضب وإيقاف أشكال الاحتجاج في الشارع. لكن استجابة السكان لدعوات الأحزاب السياسية الكردية، وظهور حالة من التناغم بين قادة القطاعات المهنية والعاملين بها، دفع السلطات لإطلاق مختلف أنواع التحذيرات لمنفذي الإضراب، بما في ذلك قطع الكهرباء وفرض ضرائب مضاعفة والفصل من العمل بالنسبة إلى موظفي الدولة”.خريطة الإضرابمثل مدينة سقز، فإن العشرات من المدن الكردية الأخرى شمال غربي إيران دخلت في حالة الإضراب نفسه منذ أيام، وإن بنسب متفاوتة، وفق حجم المدن ونفوذ السلطات داخلها. فبينما شهدت المدن الصغيرة والمتوسطة، مثل سردشت وأشنوي ومريوان وسنندج إضرابات شاملة، ولا تزال، فإن مدناً أخرى، مثل مهاباد وإيلام وأورمية وبوكان وكرمانشاه شهدت إضرابات نسبية، استجاب القطاع الخاص لها أكثر من نظيره العام والمشترك. وقد لعبت السلطات الحاكمة في تلك المدن على الحساسيات المحلية، الكردية – الأذرية في المدن الشمالية الكبرى، والكردية – اللورية في نظيرتها الجنوبية.

المعلومات التي حصل عليها “النهار العربي” تقول إن مختلف النقابات المهنية المحلية تقود الاضرابات في المدن الكردية، حيث لا تستطيع هذه النقابات أن تنفي وتعارض الحالة الوجدانية والميول السياسية للأغلبية المطلقة للعمال الأعضاء فيها. فنقابات عمال قصب السكر وكذلك نقابات السائقين العموميين وعمال الشركات النفطية ومسوقي الخضار وعمال البناء وبائعي الأقمشة والأدوات الكهربائية والاتصالات والنقل العمومي والبلديات، إنما تستجيب عبر بياناتها لما يمارسه أعضاؤها فعلياً على الأرض.ترغيب وترهيبالناشطة المدنية الكردية سوزان علمداري شرحت في حديث لـ”النهار العربي” آلية استخدام السلطات المحلية الإيرانية لثنائية الترغيب والترهيب لكسر حالة الإضراب العام بأية طريقة، وقالت: “منذ اليوم الأول لتنفيذ الإضراب، يقوم محافظ كردستان السيد خالقي باستدعاء المئات من ذوي المصالح وقادة الرأي والزعماء الاجتماعيين وكبار الملاك والتجار، محاولاً استرضاءهم وجرهم إلى التسليم بالرواية الرسمية، عن وجود مؤامرة تستهدف كامل إيران، طارحاً العديد من الوعود لتحسين الأوضاع العامة في مختلف المدن والمناطق، خصوصاً في قطاعي المياه والخدمات والاستثمارات الاقتصادية وتخفيف القبضة الأمنية، في حال الاستجابة لدعوات السلطة وفك الإضراب ووقف الاحتجاجات. كما يقوم المحافظ بزيارات ميدانية مستمرة إلى المستشفيات والدواوين المحلية وبعض مخاتير القرى المقربين من السلطة، للإيحاء بأن الحياة العامة طبيعية”.تضيف علمداري أنه “على الدفة الأخرى، فإن قائد فيلق “الحرس الثوري” في المناطق الكردية، ومن مقر إقامته في مدينة سنندج، يستدعي عبر ولاة المدن كل رؤساء النقابات وكبار التجار والصناعيين والملاك وأصحاب المصالح وقادة الرأي في المناطق الكردية، مهدداً إياهم بممارسة أقسى العقوبات الفردية والجماعية بحقهم وحق مصالحهم، وحتى عائلاتهم، إذا لم يسعوا إلى فك الإضراب العام في أسرع وقت”.إلى جانب المدن والمناطق الكردية، فإن الإضراب العام نُفذ بشكل نسبي في العديد من مناطق إيران، بما في ذلك المدن الرئيسية مثل أصفهان وتبريز وشيراز، إلا أن الاستجابة كانت ضعيفة نسبياً، لأن الدعوات كانت صادرة من القوى والأحزاب السياسية الكردية الإيرانية، وليس من الجهات والفعاليات المركزية في البلاد.إلا أن مراقبين يشيرون إلى إمكان توسع رقعة الإضراب العام في العديد من المناطق الأخرى، في حال استمرت القوى الأمنية في ممارسة العنف بشكل واسع، خصوصاً في مناطق الأقليات القومية، الكردية والعربية غرب البلاد، والأذرية شمالها والبلوشية شرقها.

المصدر: السفينة