رأي – الكورد ضحية الجميع بسبب الكورد


قيادة كوردية ضعيفة لم تستطع الحفاظ على أمن الكورد ووحدتهم
الضربات الإيرانية والتركية ضد مواقع لمقاتلين كورد في شمال العراق، فضلا عن الهجمات التي يتعرض لها المقاتلون الكورد في شمال سوريا، تشير بوضوح إلى أن الكورد في المنطقة باتوا ضحية الجميع، وأنهم لا يملكون أيّ وسيلة لتجنب المزيد من التهديدات.
وحاولت إيران من خلال ضرباتها الصاروخية الأخيرة أن تحرف الأنظار عمّا يجري في العديد من مدن البلاد، وبخاصة الكوردية منها، من الاحتجاجات التي أعقبت مقتل الشابة مهسا أميني على أيدي شرطة الأخلاق في طهران.
ولئن زعمت إيران أنها استهدفت مواقع لمقاتلين أكراد إيرانيين، فالحقيقة هي أن الضربات التي امتدت إلى أربيل وأطراف السليمانية قالت شيئا آخر، هو أن إيران لن تسمح للكورد بأن يتحولوا إلى مصدر لزعزعة استقرار النظام في إيران ولا النظام التابع لها في العراق. كما أن ذلك يشمل حتى الكورد في سوريا، حيث يشكل الكورد تحديا إضافيا لحكومة بشار الأسد التي تعتبرها إيران جزءا من الحكومات التابعة لها.
وعلى الرغم من اعتراف القيادة المركزية الأميركية التي تشرف على العمليات العسكرية في المنطقة بأن الهجمات الإيرانية “تشكل تهديدا لقوات القيادة المركزية في المنطقة”. وعدا الإدانات الشكلية، فقد آثرت واشنطن أن تلتزم الصمت حيالها، لكي لا تخوض في مواجهة سياسية مع إيران تؤدي إلى تعقيد مسار البحث عن حل لعقدة الاتفاق النووي.
معارضو جماعات الولاء لإيران يقولون إن قيادة مسعود بارزاني اختارت الحلفاء الخطأ، لأجل الأغراض الخطأ، وقدمت التنازلات الخطأ، بينما كان بوسعها أن تلعب دورا إيجابيا في صنع التغيير في العراق
ويقول مراقبون إن رد الفعل الأميركي البارد، حتى وإن كان لا يصل إلى مستوى التغاضي المتعمد، إلا أنه لا يرقى إلى مستوى المسؤوليات عن التحالف الذي تقيمه الولايات المتحدة مع أكراد العراق وسوريا.
حجم الضربات التي شملت أكثر من 40 صاروخا باليستيا وطائرات مسلحة مسيّرة، يشير بدوره إلى أن إيران جادة في التصدي بأقصى مستويات الردع لما تعتبره تهديدا لها.
التهديد في إيران لا يقتصر على التظاهرات التي شملت أكثر من 80 مدينة في البلاد، بما فيها طهران، إلا أنه يشمل المخاوف من تحول الاحتجاجات إلى مواجهات مسلحة يدعمها النشطاء الأكراد الإيرانيون الذين يتدربون في معسكرات خاصة بهم في كوردستان العراق.
وبالتزامن مع الضربات الإيرانية، عادت القوات التركية لتشن هجمات جديدة على مواقع لمسلحين كورد تابعين لحزب العمال الكوردستاني المعارض.
فعلى الرغم من كل الاحتجاجات الرسمية العراقية السابقة، تفاخر وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن قواته استهدفت الأسبوع الماضي “16 مغارة ووكرا ومركز قيادة للإرهابيين على عمق 140 كيلومترا شمال العراق”.
وبطبيعة الحال، فإن الهجمات التركية ضد قوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا وشمال شرقها لم تنقطع. ولولا بعض التحذيرات الأميركية من تمدد هذه الهجمات، فإن الميليشيات التابعة لإيران والقوات التركية، ما كانت لتوفر السعي للسيطرة على المناطق الخاضعة لإدارة الحكم الذاتي الكوردية.
الوجه الآخر للضربات الإيرانية يتعلق بالأزمة السياسية التي حالت حتى الآن دون تشكيل حكومة في بغداد. وتريد طهران من خلالها أن تزيد الضغط على القيادات الكوردية لكي لا تخرج عن الطريق في دعمها لجماعات الإطار التنسيقي.
ويقول مراقبون إن ضعف قيادة مسعود بارزاني هي السبب الرئيسي الذي يجعل الكورد ضحية للجميع. فهو يناور هنا ويناور هناك ظنا منه أنه يستطيع أن يحفظ أمن سلطته على كوردستان العراق، ولكنه لم يفهم حتى الآن أنه يجب أن يدفع ثمنا لذلك، وهذا الثمن يشمل، بين الكثير ممّا يشمل، الانخراط بعمل مباشر في محاربة الكورد الأتراك والإيرانيين والسوريين، سواء منهم الذين يتخذون من كوردستان العراق ملاذا آمنا لهم، أو الذين يستفيدون من وجود سلطة كوردية مستقلة في العراق لتعزيز تطلعاتهم السياسية في إيران وتركيا وسوريا.
وعلى مر السنوات حاولت قيادة مسعود بارزاني أن تتواطأ مع أجهزة المخابرات التركية في تنسيق الهجمات ضد مقاتلي حزب العمال الكوردستاني إلا أن ذلك لم يبدُ كافيا بالنسبة إلى أنقرة. كما أن الاحتجاجات التي شملت كل المدن الكردية في إيران، أعادت تذكير طهران بوجود معسكرات لمتدربين أكراد إيرانيين، وقيادات سياسية كوردية إيرانية، كان يجب على سلطة بارزاني أن تقوم بملاحقتها وتسليمها إلى طهران.
تواطؤ قيادة بارزاني مع جماعات الإطار التنسيقي كان هدفه استرضاء إيران. ولكنه لم يكن كافيا أيضا، فهو لم يحصل على ضمانات، بألاّ تتعرض كوردستان العراق لهجمات إيرانية جديدة.
وتعمدت طهران أن تجعل من ضرباتها الأخيرة أكثر شراسة وأقرب إلى قلب أربيل، من أجل أن توصل إلى قيادة بارزاني رسالة تطالبه باستمرار التحالف مع جماعات الإطار التنسيقي، وملاحقة كل الأكراد الإيرانيين الذين يجدون ملاذا آمنا في مناطق سلطته، وأن يتقدم بإشارات واضحة على استعداده للتعاون مع الحرس الثوري في أعمال الملاحقة، على غرار ما يفعل مع المخابرات التركية.
بالتزامن مع الضربات الإيرانية، عادت القوات التركية لتشن هجمات جديدة على مواقع لمسلحين كورد تابعين لحزب العمال الكوردستاني المعارض
قياديون في الحزب الديمقراطي الكوردستاني يعترفون بأن الملا مسعود لا يملك الكثير من الخيارات، لاسيما وأن سلطة الإقليم تواجه ضغوطا من جميع الاتجاهات، وأنه مضطر لتقديم التنازلات للأطراف الإقليمية التي تنظر بعين الريبة إلى تجربة الحكم الكردية شبه المستقلة في شمال العراق.
إلا أن قياديين في المعارضة العراقية المناهضة لجماعات الولي الفقيه يقولون إن الخطأ الرئيسي الذي ظلت ترتكبه القيادات الكردية هو أنها وجدت فائدة في التحالف مع حكومات الفساد في بغداد لسببين، الأول لكي تستفيد من فسادها لتغذي به فسادها الخاص. والثاني، لكي يؤدي التفكك والفشل في العراق إلى إبراز أن كردستان العراق “شيء مختلف” وتستحق أن تكون دولة مستقلة. أي أنها تريد أن تبني دولتها على حساب خراب العراق.
إستراتيجية التخريب هذه اجتمعت مع التواطؤ لاسترضاء الأطراف الإقليمية من أجل أن تثبت القيادات الكردية لها أن استقلال كوردستان العراق لا يشكل تهديدا، بل هو فرصة لتوسيع التعاون التجاري والأمني معا.
إلا أن هذه الإستراتيجية أثبتت فشلها على جميع الجبهات. فالفساد الذي تفشى في كردستان نفسها تحول هو نفسه إلى تهديد للسلطة القائمة في كردستان. والأطراف الإقليمية ظلت تخشى من تجربة وجود إقليم شبه مستقل لأنه ظل يغذي النزاعات الانفصالية في تركيا وإيران. والتحالف مع جماعات الولاء لإيران لم يحمِ سلطة الإقليم وأحبط تطلعاتها التوسعية في كركوك. كما أن الولايات المتحدة اكتفت بتقديم الحد الأدنى من الحماية، بقصد المحافظة على الاستقرار، لأن مصالحها الخاصة أوسع كثيرا من مشاغل القيادات الكردية الضيقة.
معارضو جماعات الولاء لإيران يقولون إن قيادة مسعود بارزاني اختارت الحلفاء الخطأ، لأجل الأغراض الخطأ، وقدمت التنازلات الخطأ، بينما كان بوسعها أن تلعب دورا إيجابيا في صنع التغيير في العراق، للتخلص من الهيمنة الإيرانية ومن الضعف حيال تركيا، الأمر الذي كان سيؤدي إلى أن تحظى سلطة الإقليم باستقرار وأمن ورخاء، ظلت تفتقده حتى الآن. ولقد أصبح الكورد ضحية للجميع بسبب حزمة الأخطاء تلك.

علي الصراف – كاتب عراقي – العرب اللندنية