د.مهدي كاكەيي
السومريون
نواصل في هذه الحلقة في ردنا على الدكتور خزعل الماجدي الذي ينكر وجود تاريخ وحضارات للشعب الكوردي. لقد
تلقيتُ معلومات إضافية عن الدكتور خزعل الماجدي، حيث أن عائلته من ضمن العائلات العربية المعروفة بإسم
(عائلة أبو بنزين) من قِبل كورد كركوك، حيث تمّ توطينهم من قِبل النظام البعثي العراقي في المنطقة السكنية
المعروفة ب(طريق بغداد) من أجل التجسس على كورد كركوك. من الجدير بالذكر أن هذه العائلات العربية التي من
ضمنها عائلة خزعل الماجدي، كان أفرادها يعملون كجواسيس للحكومة البعثية على التنظيمات العراقية الشيعية
المعارضة لحزب البعث العراقي في جنوب العراق خلال الحُكم البعثي العراقي. لقد تمّ كشف تجسسهم من قِبل هذه
التنظيمات المعارضة ولذلك قام حزب البعث بجلبهم الى مدينة كركوك وتوطينهم فيها للتجسس على كورد كركوك.
في هذه الحلقة سنعتمد على مصادر غير كوردية التي تُثبت أن السومريين كانوا من الأقوام الزاگروسية الكوردستانية
وندحض بها إدعاءات الدكتور خزعل الماجدي المضللة والكاذبة بأن لا تاريخ ولا حضارات للشعب الكوردي. هناك
مئات المصادر التي تؤكد على كوردستانية السومريين وسبق أن نشرتُ دراسة مفصلة عن هذا الموضوع بعنوان
(أسلاف الكورد السومريون). في هذه الحلقة أستند فقط الى بعض هذه المصادر. بدأ العصر الذي سبق العهد
السومري على هيئة حضارة قروية زراعية أدخلها “الإيرانيون” من الشرق (أسلاف الكورد الزاگروسيين) الى
جنوب العراق [1]. هذا القول يؤكده المؤرخ الپروفيسور “سپايزر Speisere” في صفحة 99 من كتابه المعنون
“شعوب ما بين النهرين”، حيث يقول بأن العناصر الگوتية (أسلاف الكورد) كانت موجودة في جنوب العراق قبل
تأسيس سومر وأسسوا بلاد سومر فيما بعد وشكّلوا الحكومات فيها [a].يذكر كل من الأستاذ (طه باقر) [2] والدكتور
(عامر سليمان) [3] بأنه عند هجرة الأكديين الى شمال وادي الرافدين (جنوب كوردستان الحالية) في أواخر الألف
الثالث قبل الميلاد، كان السومريون والسوباريون يعيشون هناك وكانت المنطقة تُسمى ب”سوبارتو”. يضيف
المؤرخان المذكوران بأنه جاء ذكر السوباريين في النصوص المسمارية منذ عصر فجر السلالات. كما يقول المؤرخ
(يوسف رزق الله غنيمة)، بأن عالِم الآثار (نورمان بانكروفت هنت Norman Bancroft Hunt) يذكر بأن
شمال بلاد ما بين النهرين (جنوب كوردستان الحالي) كان موطناً للسومريين وأن السوباريين قدِموا الى هذه المنطقة
خلال مراحل زمنية متفاوتة، والمرحلة الأخيرة لِهجراتهم حدثت في حوالي سنة 2250 قبل الميلاد [4]. من هنا
نرى أن الموطن الأصلي للسومريين هو كوردستان وأنهم من أقوام جبال زاگروس التي هي الموطن الأصلي للكورد
وأن السومريين هاجروا من كوردستان الى جنوب بلاد ما بين النهرَين وبنوا حضارة راقية هناك. يذكر كل من
الدكتور (عبد العزيز صالح) [5] والدكتور محمد بيومي مهران [6] والدكتور إبراهيم الفني [7]، بأن الموطن
الأصلي للسومريين هو جبال زاگروس الكوردستانية. في بعض مدن شمال بلاد ما بين النهرَين مثل مدينة آشور
ونينوى، تم إكتشاف آثار للحضارة السومرية التي تعود لعصر فجر السلالات ولا سيما الفترة الأخيرة منه [8].
إكتشاف آثار سومرية في شمال بلاد ما بين النهرَين (كوردستان) يؤكد على أن كوردستان هي الموطن الأصلي
للسومريين وأن السوباريين والسومريين عاشوا معاً هناك. هذا دليل مادي على كون كوردستان الموطن الأصلي
للسومريين. يذكر عالِم الآثار (الدكتور بهنام أبو الصوف) في إطروحته التي نال عليها شهادة الدكتوراه من جامعة
كامبرج البريطانية في عام 1966، بأن السومريين لم يأتوا من خارج بلاد ما بين النهرَين، بل كانوا في منطقة
سوبارتو وأن هذا الشعب في زمنٍ ما إنتقل الى الجنوب ونقل معه حضارته. ما يدعم كلام عالِم الآثار (بهنام أبو
الصوف) هو أن إنشاء حضارة زراعية متطورة وإختراع الكتابة من قِبل السومريين، يدلّان على أنهم كانوا يمتلكون
أسس حضارية متقدمة قبل إنتقالهم الى جنوب بلاد ما بين النهرَين. هذا يدل على أن السومريين كانوا جزءً من أسلاف
الكورد الزاگروسيين الذين إنتقلوا من كوردستان الى جنوب العراق الحالي، حيث أنّ أسلاف الكود الزاگروسيين هم
أول مَن قاموا ببناء الحضارة البشرية في المنطقة وأن باكورة الحضارة ظهرت على أرض كوردستان.إسم السومريين
باللغة السومرية هو (كي إن جي Ki -en –gi)، الذي يعني “البلاد السيدة” [9]. هذا الإسم في اللغة الكوردية يعني
“مكان أو بلاد سادة الأرض”. نرى هنا أنه حتى أن إسم السومريين هو سومري – كوردي مشترك. كما أنّ هناك
المئات من الكلمات السومرية التي لا تزال حيّة في اللغة الكوردية وتشكّل قسماً كبيراً من مفردات اللغة الكوردية،
رغم الفاصل الزمني الكبير الذي يبلغ آلاف السنين الذي يفصل بين اللغتين والتغييرات التي مرت على اللغة الكوردية
خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة. لا يسع المجال هنا للتعريف بهذه الكلمات السومرية – الكوردية المشتركة. نكتفي
بهذا القدر من الاستعانة بالمصادر التي تؤكد على كوردستانية السومريين.
المصادر:
1- صمويل كريمر: من ألواح سومر، ترجمة طه باقر، مكتبة المثنى، بغداد ومؤسسة الخانجي بالقاهرة، 1970، صفحة
356-2. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، 1973، صفحة 120، 476.
3-عامر سليمان. العراق في التاريخ القديم، الموصل، دارالحكمة للطباعة والنشر، 1992، صفحة
119.4. يوسف رزق الله غنيمة. نزهة المشتاق في تأريخ يهود العراق. مطبعة الفرات، 1924.
5- الدكتور عبد العزيز صالح. الشرق الأدنى القديم – مصر والعراق. الجزء الأول، القاهرة، 1976م، صفحة 448. 6- الدكتور محمد بيومي مهران. تاريخ العراق القديم. الاسكندرية، 1990، صفحة 90.
7- الدكتور إبراهيم الفني. (التوراة). دار اليازوري للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، 2009، صفحة
319-8. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين. الطبعة الأولى، بغداد، عام 1973، صفحة
177-9. عامر سليمان وأحمد مالك الفِتْيان. محاضرات في التاريخ القديم، 1978، صفحة 25.a. Speisere, Ephraim A. (1930). Mesopotamian Origins. The basic population of the Near East. Philadelphia, USA.
