هل كانت التضحيات جسراً… أم فخاً؟


.
في كل مرحلة من مراحل التاريخ الكوردي، تظهر أسئلة لا تجد من يجيب عنها، أسئلة تتجوّل بين القرى المهدّمة، وبين خيام المهجّرين، وبين صور الشهداء المعلّقة على جدران البيوت. أسئلة لا تموت، لأنها مرتبطة بدماء لم تجف، وبأرض لم تُنسَ، وبشعب لم يتخلّ عن حلمه رغم كل الخيبات.

ومن بين هذه الأسئلة، يبرز سؤال موجع:
ماذا عن أولئك الذين كانوا مع القوات الكوردية ثم غدروا بها؟
كيف ينامون اليوم؟ كيف ينظرون إلى وجوههم في المرآة؟ هل يشعرون أن الطريق الذي اختاروه كان خلاصاً أم سقوطاً؟ وهل يدركون أن الخيانة لا تُمحى مهما تغيّرت الظروف؟

ثم يأتي سؤال آخر لا يقلّ مرارة:
كيف هي حياتهم اليوم؟ هل أصبحت أفضل بعد أن أصبح البترول بيد الدولة؟
هل تغيّرت حياتهم فعلاً؟ هل وجدوا الأمان الذي بحثوا عنه؟ أم اكتشفوا أن الثروة التي تُنتزع بالقوة لا تمنح كرامة، وأن من يبيع رفاقه لن يشتري احترام أحد؟
وهل يشعرون أن ما حصل كان ثمناً عادلاً، أم أن الندم يطرق أبوابهم كل ليلة؟

وفي المقابل، يقف الشعب الكوردي أمام تضحياته، ينظر إلى سنوات من المقاومة، إلى آلاف الشهداء، إلى المدن التي صمدت ثم سقطت، ويسأل نفسه:
كيف ينظر الشعب الكوردي اليوم إلى التضحيات التي قدّمها، والتي داست عليها حسابات حزب العمال الكردستاني؟
هل يشعر أن تلك التضحيات استُثمرت في الطريق الصحيح؟ أم أنها ضاعت بين الشعارات الكبيرة والقرارات الخاطئة؟
هل ما زال الشعب يرى في تلك المرحلة أملاً، أم أنها أصبحت عبئاً على ذاكرته؟
وهل يمكن فصل الدم عن السياسة، أم أن الخلط بينهما كان سبباً في كل هذا الألم؟

وفي قلب هذا المشهد، هناك وجوه لا تغيب:
أمهات الشهداء، والمهجّرون من عفرين، وسري كانيه، وغري سبية، وحديثاً من الشيخ مقصود والأشرفية.
ما هو شعور هؤلاء اليوم؟
كيف تعيش أمٌ فقدت ابنها ثم رأت الأرض التي دافع عنها تُسلّم لغير أهلها؟
كيف يشعر من خرج من بيته ولم يعد إليه؟
كيف يفسّرون كل ما حدث؟
هل يشعرون أن دماء أبنائهم كانت جسراً نحو الحرية، أم أن الجسر انكسر قبل أن يصلوا إلى الضفة الأخرى؟
وهل ما زالوا يؤمنون أن الغد سيكون أفضل، أم أن الانتظار أصبح عبئاً لا يُحتمل؟

ومع كل هذه الأسئلة، يبرز سؤال مصيري:
ما هو البديل عن حزب العمال الكردستاني في روج آفا؟
هل يمكن بناء مشروع سياسي جديد لا يقوم على العسكرة؟
هل يمكن خلق قيادة مدنية حقيقية تعبّر عن الناس، لا عن الأيديولوجيا؟
هل يمكن أن يظهر تيار كوردي موحّد، لا يخضع للخارج، ولا يكرر أخطاء الماضي؟
وهل يملك المجتمع الكوردي القدرة على إنتاج بديل، أم أن الانقسام أعمق مما يبدو؟

وفي النهاية، يبقى التحذير الذي لا يمكن تجاهله:
الكورد مهددون بالفرقة، والفرقة هي الطريق الأقصر نحو الهزيمة.
التاريخ لم يرحم الشعوب التي انقسمت، ولن يرحم الكورد إن لم يتعلموا من جراحهم.
الوحدة ليست شعاراً، بل ضرورة وجودية.
الوحدة ليست حلماً رومانسياً، بل شرطاً للبقاء.
الوحدة ليست خياراً سياسياً، بل قدر شعب يريد أن يعيش بكرامة.

فهل يتوحّد الكورد قبل أن يفوت الأوان؟
هل يتعلمون من أخطاء الماضي؟
هل يضعون مصلحة الشعب فوق مصلحة الأحزاب؟
هل يدركون أن العدو الحقيقي ليس بين صفوفهم، بل أمامهم؟
وهل يستطيعون أن يكتبوا فصلاً جديداً من تاريخهم، لا يشبه الفصول التي سبقت؟

أسئلة كثيرة…
لكن الإجابة ليست عند فرد، ولا عند حزب، ولا عند قائد.
الإجابة عند شعب كامل، عند وعيه، عند قدرته على تجاوز الجراح، عند إصراره على أن يكون… مهما كانت الظروف.