نحن لا نخاف من الحرب؛ نحن نعرف ثمنها
بقلم: مروان فلو
هناك لحظات في حياة الشعوب يصير فيها الصمت أثقل وطأة من الكلام، ويغدو التصريح بالرأي واجباً لا خياراً، حتى لو خالف هوى البعض. وأزعم أننا نعيش اليوم واحدة من هذه اللحظات الفارقة.
لا أكتب هذه السطور دفاعاً عن حزب، ولا نيابةً عن إدارة، ولا تبريراً لأخطاء أي قيادة. فمن حق كل كوردي أن ينتقد قياداته، وأن يسائلها عن قراراتها، وأن يحاسبها على تقصيرها. غير أن هوةً سحيقة تفصل بين النقد السياسي المشروع وبين دفع مجتمع بأكمله نحو حرب جديدة لا نعرف كلفتها ولا أفقها.
وهنا أضع العبارة التي أراها جديرة بأن تكون عنواناً لكل نقاش قادم:
نحن لا نخاف من الحرب؛ نحن نعرف ثمنها.
شعب اختبر الحرب، لا شعب يقرأ عنها
لسنا شعباً يتحدث عن الحرب استناداً إلى الكتب. لقد عشناها بكل تفاصيلها: دفنّا أبناءنا، وذقنا مرارة النزوح والدمار، وعرفنا طول الانتظار أمام أبواب المستشفيات، وعرفنا الأمهات المترقبات، والزوجات المنتظرات، والآباء الذين لا يعلمون إن كان أبناؤهم عائدين.
وتتداول مؤسسات وقيادات كوردية تقديرات تتجاوز ثلاثين ألف شهيد خلال سنوات الحرب ضد داعش وما رافقها من صراعات. وسواء اختلفنا في الرقم أو في طريقة احتسابه، تبقى الحقيقة الكبرى بلا جدال: لقد دفع مجتمعنا ثمناً بشرياً باهظاً.
فهل يُعقل أن نُقدِّم جيلاً جديداً من شبابنا قرباناً لحرب أخرى، لمجرد أن بعضنا غير راضٍ عن اتفاق سياسي؟ وهل غدا دم أبنائنا أرخص من أن نسأل أولاً: ماذا سنجني في نهاية هذه الحرب؟
هذا ليس دعوة للاستسلام، وليس خوفاً.
نحن لا نخاف من الحرب؛ نحن نعرف ثمنها.
ولهذا بالتحديد يجب أن نكون أكثر عقلانية ممن لم يدفعوا هذا الثمن يوماً.
السؤال الذي يتهرّب منه الجميع: ما البديل؟
قبل أن نختلف حول الاتفاقات والقيادات والأحزاب، ينبغي أن نطرح السؤال الأبسط والأصعب في آن: ماذا كان البديل؟
لنفترض جدلاً أن القيادة الكوردية رفضت التفاوض واختارت المواجهة العسكرية حتى النهاية. ماذا كان سيحدث؟ هل كانت القوى الدولية لتقاتل بالوكالة عنا؟ هل كانت واشنطن لتضمن بقاء قواتها إلى الأبد؟ هل كانت أنقرة لتكف عن الضغط؟ وهل كانت القوى السورية الأخرى لتقبل ببقاء منطقة مسلحة مستقلة إلى ما لا نهاية؟ وهل نملك أصلاً القدرة على خوض حرب مفتوحة مع تركيا ودمشق وفصائل متعددة، في إقليم لا تتحرك دوله بدافع العاطفة؟
هذه ليست أسئلة تشاؤم، بل هي صلب الجغرافيا السياسية. والشعب الذي يريد البقاء لا يبني قراراته المصيرية على الأمنيات.
توقيع مظلوم عبدي: تمثيل عسكري لا وكالة عن “الكورد”
من الضروري توضيح نقطة يقوم عليها كثير من الجدل الملتبس: حين وقّع مظلوم عبدي اتفاق 10 آذار/مارس 2025 مع أحمد الشرع، وقّعه بصفته قائداً لقوات سوريا الديمقراطية، لا بصفته ممثلاً وحيداً للكورد في سوريا. وهذا فارق جوهري؛ فالحقوق الكوردية لا يجوز اختزالها في شخص أو حزب أو قوة عسكرية، كما أن أي اتفاق عسكري أو مؤسساتي لا يمكن أن يكون بديلاً عن عمل سياسي كوردي جماعي.
والمثير أن المسار الكوردي نفسه تطور لاحقاً نحو توحيد الموقف: ففي نيسان/أبريل 2025 انعقد مؤتمر الوحدة والتضامن الكوردي في قامشلو، بمشاركة واسعة من القوى والشخصيات الكوردية وبحضور ممثل عن الرئيس مسعود بارزاني، وانتهى إلى تشكيل وفد كوردي موحد للتفاوض مع دمشق وصياغة رؤية سياسية مشتركة.
وهنا يستحق الأمر وقفة: إذا كنا نطالب دائماً بالوحدة الكوردية، فلماذا لا نعترف حين تتحقق خطوة في هذا الاتجاه؟ ولماذا نُصرّ على تصوير كل تفاوض تنازلاً، وكل اتفاق هزيمة؟
موقف بارزاني: قراءة الوقائع لا الروايات
تداولت أوساط عديدة روايات مفادها أن الرئيس مسعود بارزاني عرض المساعدة على “روج آفا” فقوبل بالرفض. غير أن هذه الرواية لا تصمد أمام الوقائع اللاحقة: فمؤتمر الوحدة الكوردية في قامشلو انعقد برعاية ودعم واضحين من بارزاني، وحضره ممثله، كما أشاد مظلوم عبدي علناً بدوره وبجهود القيادات الكوردية في دفع الوحدة إلى الأمام.
والأهم أن رسالة بارزاني في المؤتمر لم تكن رسالة حرب، بل دعوة صريحة إلى الوحدة الكوردية، والحل الديمقراطي السلمي، وتشكيل وفد موحد للتفاوض مع دمشق. وفي لقاءات لاحقة واصل التأكيد على أن القضية الكوردية في سوريا يجب أن تُحل بالطرق الديمقراطية والسلمية، مع صون الحقوق الكوردية وعدم تكرار أخطاء الماضي. فمن مصلحتنا أن نقرأ المواقف كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.
ماذا ربحنا فعلاً؟
ربما يكون هذا السؤال الأصعب على من يرفضون الاتفاقات مطلقاً: ماذا حققنا فعلاً؟ لا أزعم أننا حصلنا على كل ما نريد؛ بالتأكيد لا. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما لم نحصل عليه، بل أيضاً بما استطعنا انتزاعه وتثبيته في إطار قانوني.
خذوا اللغة الكوردية مثالاً: ففي كانون الثاني/يناير 2026 صدر المرسوم رقم 13، الذي نص على أن السوريين الكورد جزء أصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية، واعتبر الكوردية لغة وطنية يُقرّ حق تدريسها في مناطق الوجود الكوردي، كما ألغى الآثار القانونية لإحصاء 1962 ومنح الجنسية لمن حُرموا منها من أصول كوردية.
ولم يبقَ الأمر عند حدود النص العام؛ ففي آب/أغسطس 2026 عُدّلت التعليمات التنفيذية بحيث غدت دراسة اللغة الكوردية متاحة في المدارس الحكومية والخاصة بمناطق الكثافة الكوردية في جميع المراحل، وأصبحت جزءاً من المناهج المعتمدة. وفي أيلول/سبتمبر أعلنت وزارة التربية اعتماد الوثائق والشهادات الصادرة سابقاً عن الإدارة الذاتية، إلى جانب اعتماد المدارس المخصصة لتدريس اللغة الكوردية.
هل هذا كل ما نصبو إليه؟ بالطبع لا. وهل يمكن القول إن شيئاً لم يتحقق؟ أيضاً لا. ومن حقنا، بل من واجبنا، أن نطالب بالمزيد. لكن المطالبة بالمزيد أمر، وإشعال حرب جديدة أمر آخر مختلف تماماً.
ثمن الاتفاق: الصراحة قبل كل شيء
نعم، للاتفاقات أثمانها. واتفاق 10 آذار/مارس 2025 لم يكن اتفاقاً مثالياً؛ فقد نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في مؤسسات الدولة، وترك كثيراً من التفاصيل رهناً بتفاوض لاحق، وجاء في ظرف شديد الضغط، وسط تحولات إقليمية ودولية وضغوط تركية وأميركية بالغة. وهذا ما لا ينبغي إخفاؤه.
لكن السياسة ليست اختياراً بين اتفاق مثالي وحرب مثالية؛ إنها غالباً اختيار بين بدائل صعبة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل كان الاتفاق مثالياً؟ بل: هل كان البديل العسكري أفضل؟ وإن كان الجواب نعم، فأين الخطة؟ ومن يضمن النصر؟ ومن يضمن الدعم الدولي؟ ومن يضمن حماية المدنيين؟ ومن يضمن ألا تنقلب المواجهة إلى حرب كوردية-عربية؟ ومن يضمن ألا تتحول مناطقنا إلى ساحة صراع إقليمي؟ ومن يضمن بقاء من يدفعوننا نحو الحرب إلى جانبنا حين تبدأ الخسائر الفعلية؟ هذه أسئلة يجب أن تُطرح قبل رفع الشعارات، لا بعدها.
لا تحوّلوا الخلاف السياسي إلى حرب أهلية
ثمة ما هو أخطر من الخلاف بين الكورد ودمشق: أن يتحول هذا الخلاف إلى صراع كوردي-عربي شامل. وهذا السيناريو تحديداً يجب أن نبذل قصارى جهدنا لمنعه.
فلا توجد في سوريا اليوم بيئة تسمح للكورد بخوض حرب طويلة ضد محيطهم العربي، ثم الخروج منها منتصرين سياسياً. لا الجغرافيا تسمح، ولا التركيبة السكانية، ولا التوازنات الإقليمية، ولن تدخل القوى الدولية حرباً مفتوحة نيابةً عن أحد. لذا يجب أن يُقابَل أي خطاب يدفع الكورد والعرب نحو مواجهة شاملة بأقصى درجات الحذر؛ لا لأن العرب جميعاً أصدقاء الكورد، ولا لأن الكورد جميعاً متفقون مع العرب، بل لأن حرباً بين المجتمعين ستكون كارثة على الطرفين، وفرصة ذهبية لكل من يريد إضعاف سوريا وتفتيت مجتمعاتها. نحن بحاجة إلى عرب سوريين يقفون مع حقوق الكورد، كما نحتاج إلى كورد يقفون مع حقوق العرب وسائر المكونات. هذه ليست مثالية سياسية، بل ضرورة جيوسياسية صرفة.
لا تقارنوا وضع الكورد بوضع الدروز تبسيطاً
يقول كثيرون: انظروا ما فعلته إسرائيل من أجل الدروز، فلماذا نعجز نحن عن مثل ذلك؟ لكن الدول لا تتحرك تضامناً مع الشعوب فحسب، بل وفق حساباتها الأمنية والاستراتيجية. تحركت إسرائيل في الجنوب السوري انطلاقاً من حسابات أمنية تتعلق بحدودها ومنع قوى تراها تهديداً من الاقتراب منها، وكان الملف الدرزي جزءاً من هذا الحساب.
أما الوضع الكوردي في شمال وشرق سوريا فمختلف جذرياً: أمامنا تركيا، دولة قوية بحدود طويلة وحسابات أمنية وسياسية عميقة مرتبطة بالقضية الكوردية. لذا لا يجوز أن نبني استراتيجيتنا على افتراض أن قوة إقليمية ستهبّ لإنقاذنا في اللحظة الأخيرة. فالسياسة الواقعية لا تنتظر منقذاً؛ إنها تبني أقصى قدر ممكن من الحماية الذاتية، وتبحث عن الشراكات، وتفاوض، وتمنع العزلة، وتصون المجتمع.
بعد انتهاء المرحلة العسكرية: مسؤولية جديدة
في 25 آب/أغسطس 2026 أُعلن انتهاء قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، واندماجها في مؤسسات الدولة السورية، وقدّم مظلوم عبدي ذلك بوصفه انتقالاً من مرحلة المعارك إلى مرحلة السلام والبناء. وهذا يفتح باب مسؤولية جديدة: لم يعد السؤال “هل نحافظ على قوة عسكرية مستقلة؟”، بل “كيف نصون الأمن والحقوق والمجتمع بعد انتقال القوة العسكرية إلى مؤسسات الدولة؟” وهذا فارق جوهري.
إن كان هدفنا حماية المجتمع، فعلينا أن نطالب بأن يكون هذا الاندماج حقيقياً ومنظماً وقانونياً، لا أن يتحول إلى فراغ أمني. علينا أن نطالب بضمانات دستورية واضحة، وبتنفيذ فعلي للحقوق الثقافية واللغوية، وبتمثيل عادل في مؤسسات الدولة، وأن نرفض الانتقام والإقصاء، وأن نطالب بحماية جميع السكان كورداً وعرباً وسرياناً وآشوريين وغيرهم. وفي الوقت ذاته، علينا أن نستخدم السياسة، لا السلاح، لتثبيت ما تحقق وتطويره.
ماذا نريد إذن؟
لا نقول للكورد: اقبلوا بأي شيء. ولا نقول: تخلّوا عن حقوقكم. ولا نقول: ثقوا بكل قيادة. بل نقول ما هو أبسط وأصعب في آن: حافظوا على حقوقكم بعقل. طالِبوا بحقوقكم، وانتقدوا قياداتكم، وحاسبوها، وارفضوا أخطاءها – لكن لا تهدموا بيتكم لأنكم اختلفتم مع من يسكنه. ولا تجعلوا الخلاف السياسي ذريعة لحرب لا تعرفون كيف ستخرجون منها. ولا تسمحوا لأحد أن يستثمر غضبكم ليقود أبناءكم إلى معركة لا يملك هو نفسه خطة للخروج منها.
احترام الشهداء لا يعني تقديم شهداء جدد
ربما تكون هذه أهم نقطة في هذا المقال. يقول البعض: لقد ضحّينا بالشهداء، ولذلك لا يجوز التراجع. لكنني أرى أن المعنى الصحيح لتضحياتهم هو نقيض ذلك تماماً: لقد ماتوا ليحيا من بعدهم، لا ليصبح موتهم ذريعة لموت جيل آخر. فالشهادة ليست شيكاً مفتوحاً على حروب المستقبل، ومن حق الشهيد علينا ألا نبدد ثمار تضحياته. وإذا كان الطريق السياسي قادراً على حفظ جزء كبير مما تحقق، ومنحنا فرصة لبناء المؤسسات وترسيخ الحقوق، فلماذا نختار طريقاً قد يعيدنا إلى نقطة الصفر؟
خاتمة: نحن لا نخاف من الحرب؛ نحن نعرف ثمنها
نعرف ثمنها في المقابر، وفي عيون الأمهات، وفي شباب لم يكملوا حياتهم، وفي مدن يهجرها أهلها، وفي الفرص السياسية التي تضيع حين يتحول المجتمع إلى ساحة قتال.
فلا ينبغي أن يكون السؤال: من الأكثر ثورية؟ ولا: من الأكثر تشدداً؟ بل: من الأكثر قدرة على حماية مستقبل شعبه؟ فالقوة ليست دوماً في إطلاق النار؛ أحياناً تكمن القوة في أن تملك القدرة على خوض الحرب، ثم تختار السياسة، لأنك تعلم أنها تحقق لشعبك ما لا تستطيع الحرب تحقيقه.
كلمة أخيرة إلى الكورد
قطعنا طريقاً طويلاً، ولا أظن أن الوقت مناسب للاختلاف حول من كان أكثر بطولة في الماضي. الوقت مناسب لسؤال واحد: كيف نصون المستقبل؟
لن نكسب كل شيء دفعة واحدة، ولم يحصل أي شعب في منطقتنا على كل مبتغاه في اتفاق واحد. لكن الشعوب الذكية تعرف كيف تحوّل الإنجاز الصغير إلى حق ثابت، والحق الثابت إلى قانون، والقانون إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى واقع لا يستطيع أحد إلغاءه بسهولة.
فلنحافظ على لغتنا، وعلى مدارسنا، وعلى ثقافتنا، وعلى أمن أهلنا، وعلى وحدتنا الكوردية. ولنبنِ علاقات أفضل مع العرب والسريان والآشوريين وسائر مكونات سوريا. ولنضع خلافات الأحزاب في مكانها الطبيعي: في السياسة، لا في ساحات الحرب.
ولكل من يريد دفع شبابنا إلى حرب جديدة نقول: قبل أن تطلب من ابننا أن يحمل بندقيته، أجبه عن سؤال واحد: ماذا بعد الحرب؟ فإن لم يكن لديك جواب، فلا تطلب من غيرك أن يدفع الثمن.
فنحن لا نخاف من الحرب؛نحن فقط من يعرف ثمنها
لقد أثبتنا ذلك مراراً.. ولهذا فإن شجاعتنا اليوم ليست في إرسال جيل آخر إلى الموت، بل في منع الحرب حين يكون منعها ممكناً، وفي حماية حقوقنا بالسياسة والقانون، وفي صون مجتمعنا، وفي منح أبنائنا ما لم يحظَ به جيلنا بما يكفي: فرصة أن يعيشوا.
وهذا، في نهاية المطاف، هو المعنى الحقيقي للانتصار.
