نحن حوريين الأسم وصفتنا الكورد
لماذا أرى أن اسم شعبي الحقيقي هو “الحوريون” وليس “الكورد”؟
بقلم: الباحث والمؤرخ الكوردي الكوردستاني أمير أبو حديد
أنا كباحث ومؤرخ كوردي كوردستاني، وبعد سنوات طويلة من القراءة والبحث في تاريخ الشرق الأدنى القديم، وصلت إلى قناعة شخصية مفادها أن الاسم التاريخي الأقدم لشعبي ليس “الكورد”، بل الحوريون. وهذه ليست عبارة عاطفية، وإنما فرضية تاريخية أطرحها للنقاش والبحث، وأدعو كل باحث إلى دراستها بعيدًا عن التعصب.
إن كلمة كورد في رأيي ليست اسمًا قوميًا أصليًا، بل هي صفة أطلقت عبر التاريخ على جماعات عرفت بالشجاعة والقتال والعيش في الجبال. فالصفة تختلف عن الاسم؛ فالصفة يمكن أن تنتقل من جماعة إلى أخرى، بينما الاسم القومي يعبر عن هوية شعب عبر آلاف السنين.
ولهذا أطرح السؤال التالي:
إذا كانت كلمة كورد تعني المقاتلين أو الشجعان، فكيف يمكن أن تكون هي الاسم الأول لشعب يمتد تاريخه إلى آلاف السنين قبل ظهور هذه الكلمة في المصادر؟
إنني أرى أن لكل أمة اسمًا تاريخيًا سابقًا قبل أن تُعرف بصفاتها. ولهذا أعتقد أن البحث يجب أن يتجه إلى الحضارات التي عاشت في جبال زاغروس وطوروس وشمال بلاد الرافدين منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وفي مقدمتها الحضارة الحورية.
لقد أسس الحوريون ممالك عظيمة، وكانوا أصحاب لغة مستقلة وثقافة متميزة، وانتشروا في شمال بلاد الرافدين وسوريا والأناضول، وكانت لهم دول مثل مملكة ميتاني وغيرها. وعندما أقرأ عن جغرافيتهم، ولغتهم، وانتشارهم، أشعر أن هناك خيطًا تاريخيًا طويلًا يصلهم بسكان جبال كوردستان الحاليين.
إن الحوريين لم يكونوا مجرد قبائل عابرة، بل كانوا أصحاب حضارة كاملة، امتلكوا المدن والقصور والمعابد والجيوش واللغة والإدارة، وكان لهم تأثير واضح في الحضارات المجاورة. ولذلك فإن البحث في أصول الشعب الكوردي ينبغي – في رأيي – أن يبدأ بالحوريين، لا أن ينتهي عند ظهور كلمة “كورد” في المصادر المتأخرة.
كما أنني أرى أن كثيرًا من شعوب الشرق الأدنى القديم كانت مرتبطة بالحوريين بدرجات مختلفة، سواء ثقافيًا أو لغويًا أو جغرافيًا، وأن المنطقة لم تكن معزولة كما يصورها البعض، بل كانت فضاءً حضاريًا متداخلًا.
ومن هذا المنطلق، فإنني أعتبر أن كلمة “كورد” تمثل مرحلة من مراحل التسمية، لكنها ليست بالضرورة الاسم الأول لهذا الشعب.
لقد تغيّرت أسماء شعوب كثيرة عبر التاريخ. فالأسماء تتبدل بتبدل اللغات والإمبراطوريات والأنظمة السياسية، بينما يبقى الإنسان على أرضه، وتبقى ذاكرته التاريخية متصلة بأجداده.
إنني لا أزعم أن هذه الفرضية أصبحت حقيقة علمية نهائية، ولا أدعي أن جميع الباحثين يتفقون معها، لكنني أعتقد أنها تستحق الدراسة الجادة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
وأدعو الجامعات ومراكز البحوث إلى إعادة دراسة تاريخ الحوريين، واللغة الحورية، وآثار جبال زاغروس، ومقارنة نتائج علم الآثار واللغويات والتاريخ القديم، لأن الإجابة عن سؤال الأصل لا يمكن أن تعتمد على مصدر واحد أو رواية واحدة.
إن الأمم العريقة لا تخشى البحث، بل تزداد قوة عندما تفتح أبواب النقاش العلمي.
وأنا، بوصفي باحثًا ومؤرخًا كورديًا كوردستانيًا، سأواصل دراسة هذه الفرضية، وجمع الأدلة التي أراها مؤيدة لها، لأن البحث التاريخي الحقيقي لا يقوم على تكرار ما كتبه السابقون، وإنما على مراجعة المصادر، ومناقشة الفرضيات، وطرح الأسئلة التي ربما لم يجرؤ الآخرون على طرحها.
وفي ختام هذه المقالة أقول:
قد يختلف الناس معي، وقد يرفضون هذه الفرضية أو يقبلونها، وهذا حقهم. أما أنا فأرى أن تاريخ الشعوب لا يُبنى على الشعارات، بل على البحث العلمي، والنقوش، والآثار، واللغات، والجغرافيا، والمقارنة النقدية بين المصادر. ومن هنا فإنني أعتبر أن فرضية ارتباط الشعب الكوردي بالحوريين تستحق المزيد من الدراسة والبحث، وأطرحها بوصفها رؤية بحثية شخصية قابلة للنقاش العلمي، لا بوصفها حقيقة نهائية متفقًا عليها.
