من حراسة الحدود إلى صناعة الأمن الإقليمي كوردستان بين حماية الأرض وإنتاج الاستقرار
بقلم: مروان فلو
حين يُذكر الأمن في كوردستان، تتبادر إلى الذهن صورة تقليدية: الجندي على الحدود، ونقاط المراقبة، ومواجهة التسلل والتهريب. وهي صورة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لفهم التحول الذي تفرضه طبيعة التهديدات المعاصرة. فالسؤال الذي ينبغي أن يحكم التفكير الاستراتيجي اليوم ليس ما إذا كانت كوردستان قادرة على حماية حدودها، بل ما إذا كان بإمكانها أن تتحول من طرفٍ يستهلك الأمن إلى طرفٍ يُسهم في إنتاجه لمحيطه الإقليمي.
الفرق بين الوضعين جوهري. في الحالة الأولى، تظل كوردستان في موقع من يحتاج إلى الحماية. أما في الحالة الثانية، فإن قدراتها المؤسسية وموقعها الجغرافي يصبحان جزءاً من منظومة أوسع تحمي العراق والمنطقة من مخاطر مشتركة. وبين الحالتين يمتد مسار تدريجي: من حراسة الحدود، إلى إدارتها، إلى إنتاج الأمن، وصولاً إلى المساهمة في صناعته على المستوى الإقليمي.
الحدود بوصفها منظومة لا خطاً
لم تعد الحدود الحديثة خطاً يُحرس فحسب، بل فضاءً تتقاطع فيه حركة الأشخاص والبضائع والطاقة والاتصالات، إلى جانب مخاطر الهجرة والتهريب والجريمة المنظمة والإرهاب. ومن ثم فإن أمن الحدود لم يعد مهمة عسكرية بحتة، بل منظومة متكاملة تجمع الاستخبارات والمراقبة التكنولوجية وإدارة المعابر والأمن السيبراني والتنسيق مع الدول المجاورة والقدرة على الاستجابة السريعة للأزمات.
وقد بيّنت التجربة العراقية كمثال أن ضعف التنسيق بين القوات الاتحادية وقوات البيشمركة في بعض المناطق أتاح لتنظيم داعش هامشاً للحركة، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى الدعوة لتعزيز آليات العمليات المشتركة بين الطرفين. هذه التجربة تختصر درساً أعمق: أن القوة المنفردة، مهما بلغ حجمها، لا تُنتج بالضرورة أفضل مستويات الأمن، بل إن الطرف الأكثر فاعلية غالباً هو القادر على ربط قدراته بقدرات شركائه.
من الموقع الجغرافي إلى الوظيفة الأمنية
تقع كوردستان عند تقاطع حدود العراق مع تركيا وإيران وسوريا، في مساحة ترتبط بها طرق التجارة والطاقة والهجرة. ويمكن قراءة هذا الموقع بمنطقين مختلفين: الأول يرى فيه مصدر تعرض للمخاطر، والثاني يتساءل عن إمكانية تحويله إلى جزء من الحل. الانتقال من المنطق الأول إلى الثاني هو جوهر التفكير الاستراتيجي: فإذا كانت الطاقة تمر عبر هذه المنطقة، فإن أمن منشآتها يمس أمن الطاقة إقليمياً؛ وإذا كانت الحدود متاخمة لمناطق مضطربة، فإن القدرة على مراقبتها تنعكس على الأمن الأوسع؛ وإذا امتلكت المؤسسات الأمنية الكوردية قدرة على جمع المعلومات وتحليلها، فإن هذه المعلومة نفسها تتحول إلى وظيفة ذات قيمة لشركاء آخرين.
درس ما بعد داعش
أظهرت الحرب على تنظيم داعش أن التهديد لم يعد محلياً، بل عابراً للحدود، وهو ما استدعى تشكيل التحالف الدولي وتعاون القوات العراقية والبيشمركة مع شركاء دوليين. وقد أكدت واشنطن وبغداد في عام 2024 أن المرحلة المقبلة من العلاقة الأمنية ستنتقل من المهمة العسكرية المباشرة للتحالف إلى شراكات أمنية ثنائية طويلة الأمد، مع استمرار دعم قدرات القوات العراقية، بما فيها البيشمركة.
هذا الانتقال يحمل درساً استراتيجياً: أن الوظيفة الأمنية المرتبطة بمعركة محددة تفقد قيمتها بانتهائها، في حين أن القدرة الأمنية التي تُبنى كمؤسسة تبقى وتتجدد. فالمطلوب اليوم ليس تكرار الانتصار العسكري، بل بناء قدرات استخبارية ومؤسسات أمنية دائمة، وأنظمة لمراقبة الحدود وتبادل المعلومات وحماية البنية التحتية، بما يمنع عودة التهديد بعد اندثار صورته الأولى.
توحيد البيشمركة: فرصة لإعادة تعريف الوظيفة
في سبتمبر (أيلول) 2026، أعلنت وزارة شؤون البيشمركة في حكومة إقليم كوردستان اكتمال عملية توحيد قواتها وإعادة تنظيمها تحت هيكل قيادة وسيطرة موحد. وهذه الخطوة، رغم أهميتها المؤسسية، لا تعني تلقائياً أن معضلة الأمن قد حُلّت، بل تفتح سؤالاً أكثر جوهرية: هل يُراد من هذه المؤسسة الموحدة أداء وظيفة دفاعية فحسب، أم بناء قدرة على أداء وظائف أمنية إقليمية أوسع؟ هنا ينبغي أن ينتقل التقييم من حجم القوة إلى نوعية الوظيفة.
ملامح صناعة الأمن الإقليمي
صناعة الأمن الإقليمي لا تعني التوسع العسكري أو التدخل في شؤون الجوار، بل امتلاك مؤسسات قادرة على المساهمة في حل مشكلات أمنية مشتركة، عبر خمسة محاور رئيسية: تطوير أنظمة مراقبة الحدود وتحليل المعلومات لاكتشاف المخاطر قبل وصولها؛ بناء قدرات استخبارية لمواجهة تمويل الإرهاب وتجنيده وشبكاته لا مجرد ملاحقة عناصره؛ حماية البنية التحتية للطاقة والنقل والاتصالات، وهي وظيفة تزداد أهمية مع تحول الموقع الكوردي إلى عقدة للطاقة والنقل؛ تأمين طرق التجارة بوصفه جزءاً من القيمة الاقتصادية للممر لا إضافة هامشية عليه؛ وأخيراً، تبادل المعلومات الاستخبارية باعتبارها أداة استراتيجية قد تفوق قيمتها قيمة السلاح في منع الأزمات قبل وقوعها.
وتؤكد الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية في الإقليم خلال عام 2025 بطائرات مسيّرة، وأدت إلى توقف مؤقت للإنتاج في بعض الحقول، أن الأمن الاقتصادي بات جزءاً لا يتجزأ من الأمن الإقليمي، وأن الفصل التقليدي بين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي لم يعد قائماً.
من رد الفعل إلى إدارة المخاطر
يكمن أحد أهم التحولات المطلوبة في الانتقال من منطق “الحارس” الذي يواجه الخطر عند وصوله إلى الحدود، إلى منطق النظام الأمني المتقدم الذي يسعى لاكتشاف الخطر قبل بلوغه: أي الانتقال من رد الفعل إلى الإنذار المبكر، ومنه إلى الوقاية وإدارة المخاطر. وهذا تحول لا يقاس بعدد الجنود، بل بمدى تطور التكنولوجيا والبيانات والتدريب والتنسيق المؤسسي، بما يجعل بناء منظومة أمنية حديثة أكثر أهمية من مجرد زيادة القوة العددية.
كما أن الأمن لا يُنتج داخل مؤسسة واحدة؛ فحماية الحدود تستدعي تنسيقاً بين الجيش والبيشمركة وحرس الحدود والشرطة والجمارك والاستخبارات، وأحياناً مع بغداد والدول المجاورة، ذلك أن التهديدات الحديثة نادراً ما تتخذ صورة جيش عابر للحدود، بل غالباً ما تأتي في هيئة شبكة تهريب أو خلية صغيرة أو تمويل غير مشروع أو هجوم إلكتروني.
لماذا يحتاج الآخرون إلى أمن كوردستان؟
إذا كان استقرار كوردستان يؤثر في أمن شمال العراق وطرق التجارة ومنشآت الطاقة ومواجهة الإرهاب، فإنه يتجاوز كونه شأناً داخلياً ليصبح جزءاً من مصالح أطراف إقليمية ودولية أخرى. وهنا تتغير المعادلة: فبدل أن تُختزل العلاقة في حاجة كوردستان إلى من يحميها، يصبح السؤال الأجدى هو كيف تتحول قدرتها على إنتاج الأمن إلى جزء من حسابات مصالح الآخرين. وهذا لا يلغي الحاجة إلى الشراكات الدولية، بل يمنحها توازناً أكبر، إذ تصبح الشراكة علاقة تبادل وظائف ومصالح، لا علاقة طرف يحمي وطرف يتلقى الحماية فقط.
غير أن هذا التحول مشروط ببناء مؤسسي حقيقي: قيادة موحدة، وسلسلة أوامر واضحة، وتدريب مهني، وميزانية مستقرة، وأنظمة معلومات، وأطر قانونية، ورقابة مؤسسية، وتنسيق واضح مع المؤسسات الاتحادية عند تقاطع المخاطر. وبهذا المعنى، فإن القيمة الحقيقية لعملية توحيد البيشمركة لا تكمن في إعادة ترتيب الوحدات العسكرية بحد ذاتها، بل في تحويل القوة من تشكيلات متفرقة إلى مؤسسة قابلة للتخطيط والمساءلة والاستمرار – وهي نتيجة تحتاج إلى اختبار ومراكمة، لا إلى افتراض مسبق.
خلاصة
لا ينبغي أن يكون الهدف الاستراتيجي مزيداً من العسكرة، بل مزيداً من القدرة على إنتاج الأمن. فالفرق كبير بين قوة كبيرة الحجم وقوة تؤدي وظيفة استراتيجية، وبين حارس يقف على الحدود ومنظومة قادرة على منع الخطر قبل وصوله. والسؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة ليس: كم عدد الجنود لدينا؟ بل: ما الوظائف الأمنية التي نستطيع أداءها بكفاءة تجعل استقرارنا جزءاً من استقرار الآخرين؟
فإذا أمكن الانتقال من حراسة الحدود إلى إدارة المخاطر، ومنها إلى الإنذار المبكر فالتعاون الأمني، يتحول الأمن من عبءٍ تتحمله كوردستان إلى قدرة تنتج قيمة استراتيجية. وعندها يصبح الموقع الكوردي أكثر من أرض على الحدود، وتصبح الطاقة أكثر من مورد، وتصبح المؤسسات الأمنية أكثر من قوة دفاعية – لتتشكل من هذه العناصر الثلاثة منظومة واحدة: موقعٌ يتحرك فيه الاقتصاد، وطاقةٌ تحتاج إلى حماية، ومؤسساتٌ تنتج الأمن. فالقوة، في نهاية المطاف، لا تبدأ حين يقدر الآخرون على مهاجمتك أو حمايتك، بل حين يصبح استقرارك وقدرتك على إنتاج الأمن جزءاً من حساباتهم الاستراتيجية.
مقال اليوم من سلسلة الامن القومي.
مودتي
