مستقبل كوردستان يرسمه شعبها
الكاتب : بيوراسب دارا
.
في لحظات التحوّل الكبرى، لا ينهض شعبٌ من بين الركام إلا حين يؤمن بأن قدره يُصنع بالفعل والإصرار. والشعب الكردي، الذي حمل قضيته قرناً كاملاً على كتفيه، لم يعد يقبل أن يبقى خارج معادلة الجغرافيا السياسية. لقد آن الأوان للقول بوضوح: إقامة كوردستان في دولة موحّدة ضرورة تاريخية وسياسية وأخلاقية.
هذه الضرورة تستند إلى عدالة القضية وإلى شرعية دولية راسخة أكّدتها الأمم المتحدة عبر قرارات مفصلية، أبرزها:
القرار 1514 لعام 1960 المعروف بإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة، والذي نصّ على أن لكل الشعوب الحق في تقرير مصيرها وتحديد مركزها السياسي بحرية.
القرار 295/61 لعام 1961 الذي شدّد على التنفيذ الفوري لحق تقرير المصير، مؤكداً أن حرمان أي شعب من هذا الحق يشكّل انتهاكاً لمبادئ الأمم المتحدة.
هذه القرارات تمنح الشعب الكردي سنداً قانونياً دولياً يثبت أن حقه في تقرير مصيره جزء من منظومة حقوقية عالمية لا يمكن تجاهلها.
اللامركزية في دمشق لم تعد كافية… الفيدرالية أو الاستقلال خياران واقعيان
إنّ أي حديث عن مستقبل سوريا لا يمكن أن يتجاوز حقيقة أساسية: اللامركزية الإدارية التي تطرحها دمشق لم تعد كافية لضمان الحقوق القومية للشعب الكردي. التجارب السابقة أثبتت أن الإدارة المحلية المحدودة لا تمنح الشعب الكردي القدرة على حماية هويته، ولا تضمن شراكة عادلة في القرار والثروة.
ومن هنا، يصبح الخيار الواقعي والعادل هو الفيدرالية التي تمنح الشعوب حقها في إدارة شؤونها ضمن إطار دستوري واضح، أو الاستقلال الذي يشكّل التعبير الأعلى عن حق تقرير المصير كما نصّت عليه قرارات الأمم المتحدة.
هذه الخيارات ليست خروجاً عن القانون الدولي، وإنما امتداد طبيعي لمبدأ تقرير المصير الذي أكّدته الأمم المتحدة منذ ستة عقود.
الحقوق لا تُمنح لمن لا يملك القوة والإرادة. والتاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي تصنع دولها هي تلك التي تمتلك القوة، والإرادة، والتصميم. هذه العناصر أدوات بناء ومعايير بقاء. حين تتوفر، يصبح المستحيل ممكناً، ويقترب الطريق إلى الدولة أكثر مما يتخيله الخصوم.
الدولة الكردية المنشودة تحتاج إلى العمل الوحدوي. وحدة الصف ليست ترفاً سياسياً، وإنما شرط وجود. حين تتوحد القوى الكردية خلف مشروع قومي جامع، يصبح الصوت واحداً، والموقف واحداً، والهدف واحداً. وعندها تتحول كوردستان من قضية إلى واقع، ومن حلم إلى جغرافيا مرسومة على الخرائط.
إنّ الطريق طويل، لكنه ليس مستحيلاً. وما بين الشرعية الدولية، والضرورة التاريخية، والإرادة الشعبية، يقف جيلٌ جديد يؤمن بأن كوردستان ليست فكرة… إنها وطن ينتظر لحظة الميلاد.