الرئيسيةمقالات

ما بعد الأغلبية العددية: الشراكة الدستورية كمدخل لإعادة بناء الدولة الوطنية العادلة

الكاتب: مروان فلو –

تشهد المجتمعات المتعددة المكونات نقاشًا فكريًا وسياسيًا مستمرًا حول طبيعة الدولة والشرعية التأسيسية التي تقوم عليها. وفي هذا السياق، يتضح أن الدولة المركبة لا تستمد مشروعيتها الفعلية من مجرد سيطرة أغلبية عددية على مؤسساتها، ولا من هيمنة جماعة قومية أو دينية أو لغوية بعينها. إنما تكتسب الدولة مشروعيتها العميقة من قبول جميع المكونات الفعلي بأنها تمثلهم جميعًا على قدم المساواة التامة، وأنهم يشاركون فعليًا في تأسيسها وإدارتها وفق أحكام دستور جامع.

المفهوم التأسيسي: الشراكة بكونها رابطة مواطنة لا صراع ملكية

لا تُعنى الشراكة الدستورية باقتسام السلطة على أسس جامدة ومسبقة، كما لا تُقصد بها تجزئة الدولة وتوزيعها بين مكوناتها المتباينة. بل تتجلى الشراكة، بدقة أعمق، في بناء علاقة دستورية فعلية تحول المواطنين إلى شركاء حقيقيين في الدولة بدلاً من رعايا خاضعين لها، وتجعل المكونات شركاء أصليين في الوطن بدلاً من أطراف متنافسة على امتلاكه الحصري.

تتجسد الشراكة الدستورية بوصفها علاقة قانونية وسياسية متكاملة ترسي التكافؤ والمساواة في الانتماء الوطني، وتضمن المشاركة الفعلية في إدارة مؤسسات الدولة، فضلاً عن حمايتها الأكيدة للحقوق والحريات العامة والخاصة على حد سواء.

التمايز المفهومي: لماذا ليست الشراكة محاصصة فئوية؟

تنساق العديد من القراءات السياسية إلى خلط منهجوي متكرر بين مفهوم الشراكة الدستورية ونظام المحاصصة السياسية الفئوية. تقوم المحاصصة، في جوهرها الدقيق، على توزيع المناصب والامتيازات وفق الانتماءات الأولية الضيقة، مما يؤدي غالبًا إلى تثبيت الانقسامات المجتمعية، وإضعاف الكفاءة المؤسسية، وتحويل الهوية الجماعية إلى أداة لتحصيل المكاسب الفئوية.

في المقابل، تتأسس الشراكة الدستورية على قواعد ومبادئ مغايرة تمامًا:

  • المساواة وتكافؤ الفرص: ترتكز الشراكة على المساواة أمام القانون النافذ وتكافؤ الفرص الفعلي بين جميع المواطنين.
  • حياد المؤسسات واستقلال القضاء: تتطلب الحياد الكامل لمؤسسات الدولة والممارسة الحرة للمشاركة السياسية، مدعومة باستقلال القضاء الفعلي.
  • الحقوق الدستورية دون تمييز: تضمن احترام الحقوق الدستورية للجميع دون أدنى تمييز.

بناءً على ذلك، لا تعني الشراكة تخصيص “نصيب” مسبق ومحدد لكل جماعة داخل الدولة، بل تضمن حق كل مواطن في الوصول الحر والمساوي إلى جميع مؤسسات الدولة. ويُعد توضيح هذا الفارق المفهومي نقطة جوهرية لتمييز النظرية التأسيسية للشراكة عن تجارب المحاصصة السياسية الموثقة.



شرعية الدولة المركبة: ما بعد الديمقراطية الإجرائية

إن الشرعية الدستورية الفعلية لا تكتمل لمجرد إجراء الانتخابات أو استيفاء الأشكال الإجرائية. فحتى وإن كانت الانتخابات حرة ونزيهة إجرائيًا، فإن الدولة تفقد جزءًا أساسيًا من شرعيتها العميقة إذا استُغلت الأغلبية العددية لإقصاء مكونات أخرى أو التضييق على حقوقها الأصيلة.

ينتج عن ذلك أن معيار الشرعية في المجتمعات المركبة يتجاوز حصر الديمقراطية في مجرد حكم الأغلبية العددية، ليصل إلى الجمع بين مبدأ الأغلبية الديمقراطية وضمانات الشراكة الدستورية. ولا يُعد هذا الجمع انتقاصًا من جوهر الديمقراطية، بل يمثل تطويرًا ونضجًا بنيويًا يستجيب لطبيعة المجتمعات التعددية.

جدلية الهوية والمواطنة: التكامل لا التناقض

تُثار أحيانًا طروحات تنادي بأن الاعتراف بالمكونات التاريخية يتناقض مع مبدأ المواطنة الفردية، غير أن هذا الاعتراض ينطلق من افتراض تحليل غير دقيق؛ نظرًا لأن المواطنة والمكونات تنتميان إلى مستويين تحليليين مختلفين.

  • المواطنة: تعبر عن العلاقة القانونية التعاقدية المباشرة بين الفرد والدولة.
  • المكونات: تمثل واقعًا اجتماعيًا وثقافيًا وتاريخيًا ذي طبيعة مغايرة.

إن الاعتراف الدستوري بالمكونات لا ينال من مبدأ المواطنة ما دام لا يؤدي إلى تمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات. بل إن تجاهل المكونات يؤدي عمليًا إلى إضعاف المواطنة نفسها؛ إذ إن إنكار الهوية يولد لدى الفرد شعورًا بالاغتراب يعوق بناء الثقة بالدولة ومؤسساتها. ومن ثم، تتكامل المواطنة الشاملة مع الشراكة الدستورية ولا تتناقضان.

الحالة الكوردية: نموذج تحليلي لبناء العقد الدستوري المستدام

تتضح القيمة التحليلية لمبدأ الشراكة عند التعاطي مع المجتمعات التي تضم قوميات تاريخية، كما هو الحال في التجربة الكوردية. فلم تكن الإشكالية التاريخية تكمن في وجود الهوية الكوردية بحد ذاتها، بل في طبيعة السياسات الحكومية التي تراوحت عبر المحطات التاريخية بين الإنكار الصريح والاحتواء الجزئي، أو بين التهميش المستمر والاعتراف المحدود.

إن تحقيق الاستقرار الدائم في العلاقة بين الدولة والمجتمع الكوردي لا يتطلب التخلي عن الهوية التاريخية، ولا يستلزم إعادة تعريف الدولة على أساس قومي بديل. بدلاً من ذلك، يتطلب الأمر صياغة عقد دستوري جامع يتكامل فيه الانتماء الكوردي مع الانتماء للدولة، بما يحول الاعتراف بالهوية من مجرد سياسة ظرفية مؤقتة إلى التزام دستوري راسخ ودائم.

الضوابط الدستورية الضامنة لاستدامة الشراكة

لكي لا يستحيل مفهوم الشراكة الدستورية إلى مجرد شعار سياسي فضفاض، يتحتم استناده إلى ضوابط ومحددات دستورية واضحة تتمثل في:

  • الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها القانونية غير القابلة للتجزئة.
  • تحقيق المساواة التامة والفعلية في المواطنة.
  • احترام التعدد الثقافي واللغوي في المجتمع.
  • كفالة التداول السلمي والسلس للسلطة.
  • ضمان استقلال السلطة القضائية.
  • التزام مؤسسات الدولة بالحياد الكامل.
  • حظر التمييز وخطاب الكراهية بكل أشكاله.
  • جعل الدستور المرجعية الحصرية والأخيرة لحل الخلافات.

تشكل هذه المحددات الثمانية الإطار التنفيذي الذي ينقل الشراكة من توافق سياسي عابر إلى نظام دستوري مؤسسي مستدام.

تثبت التحليلات الدستورية أن الشراكة الدستورية ليست صيغة لتقاسم الدولة فئويًا، بل هي الأداة الأنجع لتوحيدها على أرضية العدالة والمساواة الجامعة. فمنعة الدولة لا تتحقق بإذابة مكوناتها قسرًا في قالب واحد، ولا بتوزيع سلطاتها إلى حصص تنافسية، إنما تنشأ قوة الدولة من بناء نظام دستوري يشعر فيه كل مواطن بالانتماء الحقيقي، وتصان فيه حقوقه، وتُحترم مشاركته في بناء الوطن بوصفها حقًا دستوريًا أصيلاً لا يقبل التنازل أو المساومة.

هل تود تعديل التركيز على إحدى الحالات الدراسية (مثل الحالة الكوردية) ليلائم صحيفة أو مجلة بحثية ذات توجه جغرافي محدد؟

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *