ما الفرق بين الظروف الكوردستانية وظروف دول المنطقة؟


الدكتور: مهدي كاكەيي
خلال فترة الإمبراطورية العثمانية، كانت شعوب المنطقة تحت الحُكم العثماني ومن ضمنها الشعب الكوردي، بإستثناء سكان إقليم شرق كوردستان. ساهم الشعب الكوردي نفسه بتقسيم كوردستان بين الإمبراطورية الصفوية والعثمانية، حيث كان للكورد دور حاسم في إنتصار الدولة العثمانية على الدولة الصفوية، نتيجة تحالف معظم الأمراء الكورد مع العثمانيين وبذلك تمّ تقسيم كوردستان بِموجب معاهدة قصر شيرين (زهاب) التي أُبرمت بين الإمبراطورية الصفوية والعثمانية في سنة 1639م. لعِب العامل الطائفي دوراً بارزاً في التحالف الكوردي – العثماني، حيث أن أكثرية الكورد والأتراك ينتمون الى المذهب السُنّي، بينما الصفويون كانوا يعتنقون المذهب الشيعي. من الجدير بالذكر أن حُكّام الإمبراطورية الصفوية كانوا كورداً، حيث كان (نادر شاه) كوردياً وأنّ الصفويين كانوا ينتمون الى عائلة كوردية من شيوخ الدراويش ولم يكونوا فُرساً. كما أنّ الكورد ساهموا بشكل حاسم في تأسيس تركيا الحالية وها نرى حال الكورد هناك. بِصراحة، الجهل والقبلية والطائفية و الدين تجعل من الشعب الكوردي أن يكون عدو نفسه ويخدم مُغتصبي وطنه وينخدع بِوعودهم المعسولة وأن لا يتعلم من دروس التاريخ وأن يجهل ألف باء السياسة.
بعد إنهيار الإمبراطورية العثمانية كوّنت الشعوب الرازحة تحت حُكمها دولاً لها، بإستثناء الشعب الكوردي الذي (طلع من المولد بلا حمص) كما يقول المثل والذي ردّده الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي بعد سقوط النظام البعثي في العراق في سنة 2003 م، عندما بدأت القيادة الكوردستانية في جنوب كوردستان، ببناء الدولة العراقية من جديد، بدلاً من العمل على بِناء دولة كوردستان. نرى اليوم نتائج الأعمال الكارثية لهذه القيادة على شعب كوردستان، الذين كان كلّ همّهم الدولار والكراسي، بدلاً من تأسيس دولة كوردستان.
مهما يحصل من فسادٍ وأخطاءٍ في دول المنطقة، لا يُشكّل ذلك خطراً على سيادة هذه الدول وعلى لغة وثقافة وشخصية وهوية وجغرافية شعوب هذه الدول وعلى التكوين الإثني لها، بينما كوردستان مُقسمة شعباً وأرضاً وليس لها كيان سياسي وأن شعبها وأرضها معرضة للتعريب والتتريك والتفريس وأن حوالي 50% من الشعب الكوردي منسلخون الآن من قوميتهم وأنهم مستتركون ومستفرسون ومستعربون ونفس النسبة من مساحة كوردستان مُعرّبة ومستتركة ومستفرسة وأنّ الهوية واللغة والثقافة الكوردية والتراث والتاريخ الكوردي مُعرضة للإلغاء والزوال.
كوردستان محاصَرة بين دول تغتصبها وتتعاون فيما بينها لإبادة شعبها وعمليات الإبادة الجماعية التي يتعرض لها شعب كوردستان هي أمثلة على ذلك، كما في مجزرة درسيم وعمليات الأنفال وقصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية وإحتلال مدينة عفرين وتشريد سكانها. هذه هي الفوارق الجوهرية بين ظروف شعب كوردستان وظروف شعوب دول المنطقة.
لذلك تتطلب حرية شعب كوردستان وإستقلالها نضالاً إستثنائياً وتحتاج الى جبهة موحدة تجمع كافة الأقاليم الكوردستانية، بعيداً عن الحزبية والآيديولوجيا لأنّ شعب كوردستان يمر اليوم بمرحلة التحرر الوطني وأن ظروف كوردستان الحرِجة والصعبة بِحاجة ماسة الى قيادة سياسية فريدة مؤهلة لقيادة شعب كوردستان نحو الحرية والإستقلال، بدلاً من القيادات الحالية الجاهِلة القزِمة المُترهّلة والفارغة التي تلهث نحو الشهرة والثروة والكراسي ولا تفقه في السياسة شيئاً، كل همّها جيوبها ومصالح عائلتها وعشيرتها ومُرتزقتها. آن الأوان لشعب كوردستان كنس هذه الأحزاب والقيادات المافيوية المُهلهلة من أرض كوردستان الطاهرة، وإلا ستقوده من كارثة الى أخرى وبمرور الزمن سيختفي الكورد كشعبٍ وأمة وتختفي كوردستان كوطن. يتّم هذا من خلال العمل على ترسيخ الفكر الوطني الكوردستاني في العقل الكوردي وتعريف المواطن الكوردي بِحضارة شعبه العريقة وتعليمه اللغة الكوردية وإطلاعه على تراث شعبه الثري وخلق مجتمع كوردستاني متعلّم، مثقّف، متحضّر، منفتح وعلماني.