فنون الشعر،دراسات في الشعر في عصر الأيوبيين

الكاتب: يوسف الأومري

أسهم شعراء الأيوبيين في الموضوعات التي عرفها الشعر العربي منذ أقدم عصوره من مدح وهجاء وغزل وخمريات، إلى غير ذلك من موضوعات الشعر، ولكننا نرى في هذا العصر بعض الفنون التي أعتبرها جديدة كل الجِدَّة في الأدب العربي؛ إذ لم يَعْرِض لها شعراء العرب، ولم تظهر إلا في عصرنا هذا. على سبيل المثال أن الحشيشيات ظَهَرَتْ لأول مرة في العصر الأيوبي، وهو فن جديد لم يطرقه الشعراء من قبل. كما تحدثت عن الشعور بالوحدة الإسلامية، وكان حديث الشعراء في هذا العصر جديدًا أيضًا، وهو أثر من آثار فكرة نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي في توحيد البلاد الإسلامية وحدةً تَجْعَل المسلمين قوة أمام أعدائهم المستعمرين ونستطيع الآن أن نضيف إلى هذه الفنون الجديدةِ فنًّا آخر هو أثر من آثار ظهور عنصر الأكراد في مصر، فأول ما نراه من ذلك الإشادة بعنصر الأكراد وقوة الكُّرد، وأنهم استطاعوا أن يهزموا كلَّ من يقف في طريقهم، وليس قوتهم فحسب بل أكثر الشعراء في مدح أعينهم الواسعة والعريضة وحتى عن لون اعينهم الزرقاء.

ففي قصيدة لابن سناء الملك يقول:

بدولة الكرد عزَّت مِلَّةُ العَرَبِ

وبابن أيوبَ ذلَّتْ شيعة الصُّلبِ

وقال القاضي محي الدين ابن الزكي الدمشقي في فتح حلب قصيدة بائيةً أجاد فيها وجاء فيها:

الحمد لله زالت دولة الصلب

وعز بالكُّردِ دين المصطفى العربي

وفتحكم حلبا بالسيف في صفر

مبشر بفتوح القدس في رجب

ما بعد عكا وقد هدت قواعدها

في البحر للكُّرْدِ عند البر من أرب

لم يبق من بعدها للكفر إذ خربت

في البحر والبر وما ينجي سوى الهرب

أم الحروب فكم قد أنشأت فتنا

شاب الوليد بها هولا ولم تشب

جيش من الكُّرْدِ ترك الحرب عندهم

عار وراحتهم ضرب من النصب

لقيتها ياصلاح الدين معتقدا

فأن ظن صلاح الدين لم يخب

ويقول العماد الأصفهاني في قصيدة له:

لمْ تَلْهُ عن باقي البلاد وإنما

ألهاك فَرْضُ الغزو عن هَمدانِ

للروم والإفرنج منك مصائبٌ

وبالكُّردِ وبنو مِصّرَ والعُرْبَانِ

ويقول ابن المجاور:

جاءت جنود الله تطلب ثأرها

وصدورها عما قليل تشتفي

فانهض بها وتقاضَ حَقَّكَ

موقنًا أن الإله بما تؤملْه حَفِي

هم فتيةُ الأكراد كل مجفجفٍ

يغشى الكريهة فوق كل مجفجفِ

قوم يخوضون الحِمام شجاعةً

لا ينظرون إليه من طرفٍ خفِي

إن صبحوا الأعداء في أوطانهم

تركوا ديارهُمُ كقاعٍ صفصفِ

أنت اصطفيتهم لنصرة ديننا

للَّه درُّ المصطفَى والمصطفِي

ويقول النظام المصري في شجاعة الكُّرد

ومَنْ ذا يطيق الكُّرد في الحرب

إنهم بنُوها وكلُّ الناس زور وباطلُ

حُماةٌ كُماةٌ كالضراغم خيلُهُمْ

معاقِلُهُمْ والخيل نِعمَ المعاقلُ

ويقول ابن النبيه المصري

فِي جَفْنِهِ لِمُحِبِّهِ وَعَدُوِّهِ

سِيْفانِ مِن لَحْظٍ وَحَدِّ حَدِيدِ

هذا يَقُومُ عَلى القُلُوبِ دَليلُهُ

قَطْعاً وَذاكَ السَّيْفُ بِالتَّقْلِيدِ

إيَّاكَ وَالأكْرادَ إنَّ لِبَعْضِهِمْ

أَشْخاصَ غُزْلانٍ وَفِعْلَ أُسُودِ

أَجْسامُهُمْ كَالمَاءِ إلاَّ أَنَّها

حَمَلَتْ قُلُوباً مِن صَفَا الجُلْمُودِ

هُمْ أَوْرَثوا الجِسْمَ السَّقامَ وَعَذَّبُوا

أَجْفانَنا بِالدَّمْعِ وَالتَّسْهِيدِ

أَرْعَى الكواكِبَ مُعْوِلاً فَكَأنَّني

وُكِّلْتُ بِالتَّعْدادِ وَالتَّعْديدِ

فن الغَزَل

ولقد مدح شعراء مصر الأكراد فقد تغزلوا بهم وبجمال أعينهم الواسعة التي تُشْبِه عيون المها والغزال أو البقر الوحشي أو عيون الجآزر، بل وبلون أعينهم الزرقاء

فالشاعر ابن النبيه يقول:

سواي في سلوانه يَطْمَعُ

فعَنِّفُوا إن شئتُمُوا أو دَعُوا

أوْضَحْتُمُ الرشْدَ فمن يهتدي

وقُلْتُمُ الحق فمن يسمعُ

بزرق العين وإن أطنبوا

في الحَدَق النُّجْل وإن أوْسَعوا

الليل من شعرته مسبل

والشمس من طلعته تطلع

حدق: حَدَقةُ العين سوادها الأعظم والجمع حَدَقٌ و حِدَاقٌ و التحدِيقُ شدة النظر و الحَدِيق…

شرح: والنجل: جمع النجلاء؛ الواسعة.

ومن اشعار صلاح الدين الصفدي

أترك هوى الأكراد إن شئت

أن لا تبتلي فيهم بهم وضير

ورجوا الجود من وصلهم

رُحّبُ الأعين منهم لكل خير

ومن شعر ابن النبيه:

جد وجدي بحب لاه وأودى

بفؤاده تذكاره وهو ناس

من بني الكرد لين العطف قاسي ال

قلب سهل القياد صعب المراس

رحب العين وهي من صفة الجود

فإن بخل كان ضد القياس

ومنه: من الكامل

وفي الكلة الحمراء بيضاء طفلة

بزرق عيون السمر يحمى احورارها

أثار لها نقع الجياد سرادقاً

به دون ستر الخدر عنا استتارها

لها طلعة من شعرها وجبينها

تعانق فيها ليلها ونهارها

لها من مهاة الرمل جيد ومقلة

وليس لها استيحاشها ونفارها

وما سكنت وادي العقيق ولا الغضا

ولكن بعيني أو بقلبي دارها

إذا ما الثريا والهلال تقارنا

أشكك هل ذا قرطها وسوارها

فالشاعر هنا يتحدث عن محبوبه ذي العيون العريضة وإطنابهم في وَصْف الحدَق النُّجْل والعيون الواسعة، فهو لا يرضى إلا بالعيون الواسعة — عيون الأكراد — وهو يكرر هذا المعنى في أشعارِهِ ويُكثر مِنْ ذِكْر هذه العيون الواسعة، ثم نراه يصطنع في شعره هذا المعنى الذي لا يزال يجري بين المصريين إلى الآن حتى ذهب مَذْهب المثل، وهو أن «رحب العين دليل الكرم»، فابن النبيه يقول مثلًا:

أمانًا أيها القمر المُطِلُّ

فمن جَفْنَيْكَ أسيافٌ تُسَلُّ

يَزِيد جَمَالُ وجهك كلَّ يومٍ

ولي جَسَدٌ يذوبُ ويضْمَحِلُّ

وما عَرَفَ السقامُ طريقَ جسمي

ولكن دل من أهوى يدلُّ

يميل بطرفه الكردي عني

صدقتم إنَّ وسع العين بَذلُ

فالشاعر يتغزل بعيون الأكراد الواسعة

فإذا صَدَّ عنه محبوبه تَذَكَّرَ

ما يجري على ألسنة الناس من

أن وسع العين تدل على البذل

ويعود ابن النبيه مرة أخرى إلى التحدث عن العيون الواسعة وما تدل عليه من البذل، فيقول:

وَيْحَ قَلْبِ المُحِبِّ ماذا يُقاسِي

كُلُّ قَلْبٍ عَلَيهِ كَالصَّخْرِ قَاسِ

يا جُفُونِي أَيْنَ الدُّمُوعُ فَقَد أَحْ

رَقَ قَلْبِي تَوَقُّدُ الأَنْفاسِ

جَدَّ وَجْدِي بِحُبِّ لاَهٍ وَأَوْدَى

بِفُؤَادِي تَذْكَارُهُ وَهْوَ نَاسِ

مِنْ بَنِي الكُّرْدِ لَيِّنُ العِطْفِ طَيَّبِ الْ

قَلْبِ صَعبُ الْخِداَعِ شَديدُ المِراسِ

ضَيِّقُ العَيْنِ وَهْوَ مِنْ صِفَةِ البُذْ

لِ فَإِنْ بَخُلَ كانَ ضِدَّ القِياسِ

جَذَبَ القَوْسَ فَاكْتَسَتْ وَجْنَتَاهُ

ثَوْبَ وَرْدٍ طِرازُهُ مِنْ آسِ

وَرَمَى عَنْ قَوْسَيْنِ سَهْمَيْنِ هذَا

فِي فُؤَادِي وَذاكَ فِي القِرْطاسِ

فَهُوَ تَحْتَ السِّلاحِ لَيْثُ عَرِينٍ

وَهْوَ فَوْقَ الفِراشِ ظَبْيُ كِنَاسِ

شرح: هو صعب المِراس / هو شديد المِراس يعني عنيد وشديد الشَّكيمة، ملاحظة: حتى الشعراء أدركوا طيبة الشعب الكوردي وعنادهم.

ويتغزل بالكُّرد مرة أخرى، فيقول:

تعالى الله ما أحسَنْ شقيقًا حفَّ بالسوسَنْ

خُدود لَثْمها يُبري من الأسقام لو أمْكَنْ

غزال واسع الأجفان يحكي الرشَّأ الأعيَنْ

له قلب وأعطافٌ فما أقسى وما أَلْيَنْ

ويتغزل ابن مطروح بأعيُن الكُّرد، فيقول:

حذارِ سيوف الهند من أعيُن الكُّردِ

فما شُهِرت إلا لِتُؤْذِنَ بالفتْكِ

وهكذا كان التغزل بالكورد وبالعيون الكوردية الواسعة والزرقاء من موضوعات الشعر في هذا العصر، وجاء الشعراء بعد العصر الذي ندرسه فأكْثَروا من الحديث عن العيون الواسعة، فقد فتح شعراء العصر الأيوبي هذا الباب لمن جاء بعْدَهم، وما جاء في الشعر العربي الأيوبي من تشبيهاتِ واستعاراتِ وكناياتِ الشعراء عن العيون الكوردية الواسعة والزرقاء، ولكل عَصْرٍ فِتْنته وبِدْعته، فإنهم تحدثوا عنها في غَزَلهم، وكان غَزَلهم هو استمرار للغَزَل الذي كان في العصر الفاطمي، غير أن غزل العصر الفاطمي كان متأثرًا بالترف الفاطمي، بينما كان غَزَل الأيوبيين في أكثره عفيفًا ليس به الفُحش الذي كان في العصر الفاطمي.

المصادر

ابن ظافر الأزدي: بدائع البداية، ص٤٠.

٢ نفس المرجع السابق، ص٥٤.

٣ نفس المرجع السابق، ص٦٦.

٤ ابن ظافر: بدائع البداية، ص٩٢.

٥ المرجع السابق، ص١٠١.

٦ نفس المصدر السابق، ص١٠٧.

٧ نفس المرجع السابق، ص١٠٨.

٨ المرجع السابق، ص١٢٢.

٩ الديوان، ص١٧.

١٠ الديوان، ص٤٣.

١١ شرحه، ص٤٠.

١٢ الديوان، ص٧.

١٣ ابن سعيد: المغرب، ص٢٨٠.

١٤ الصفدي: الغيث، ج١، ص٢١٤٣.

١٥ الأبشيهي: المستطرف، ج٢، ص٢٤٦.

١٦ ديوان القاضي الفاضل (نسخة خطية بدار الكتب المصرية).

١٧ ديوان ابن مطروح، ص٢٠٨، (طبع الجوائب)، سنة ١٢٩٨.

١٨ ديوان، ص٢٠٤.

١٩ الخريدة، ج٢، ص١٨١.

٢٠ الخريدة، ج١، ص١١٣.

٢١ نفس المصدر، ج٢، ص١٥٤.

٢٢ ديوان البهاء زهير، ص٨١، (طبع المطبعة المنيرية).

٢٣ ديوان ابن النبيه، ص٣٠.

٢٤ راجع كتاب «في أدب مصر الفاطمية».

٢٥ الخريدة، ج١، ص١١٦.