أخبار الميتانأخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

روجافا ليست رواية سياسية

الكاتب حسين قاسم

تتكرر محاولات اختزال الوجود الكوردي في روجافا ضمن أحداث سياسية حديثة أو تصريحات ظرفية لقادة عاشوا صراعاتهم داخل حدود تركيا. ويُعاد تدوير مقولة أن “أوجلان قال لا وجود لروجافا”، وكأن كلمة سياسية في لحظة تحالف أو ضغط يمكنها أن تمحو آلاف السنين من التاريخ والجغرافيا والوثائق. عبدالله أوجلان رجل تركي، وتاريخه السياسي كله مرتبط بالدولة التركية، وتحالفاته كانت تتبدل وفق ظروفه، لا وفق قراءة علمية لتاريخ شمال سوريا. اليوم نفسه يقول: “علينا أن نبني تركيا معاً”، وهو كوردي، لكنه لا يخدم كورديته أولاً، بل يخدم مشروعه السياسي داخل تركيا. لذلك، لا يمكن أن يكون مرجعاً لقراءة تاريخ روجافا، ولا يمكن لتصريح سياسي أن يلغي وجوداً موثقاً قبل آلاف السنين.

الوجود الكوردي في روجافا ليس نتاج ثورة الشيخ سعيد، ولا نتيجة موجة لجوء حديثة، بل هو امتداد حضاري يعود إلى 4500 عام على الأقل. آثار الهوريين والميتانيين ما تزال شاهدة على ذلك، وقلعة النبي هوري مثال حي على حضارة توحيدية سبقت كل الممالك التي جاءت بعدها. هذه المنطقة لم تكن يوماً أرضاً فارغة تنتظر من يملأها، بل كانت جزءاً من جغرافيا كوردستان التاريخية قبل أن تُرسم حدود سايكس–بيكو عام 1920، وقبل أن تُخلق سوريا كدولة بوقت طويل.

أما الادعاء بأن “الكورد وفدوا بعد ثورة الشيخ سعيد”، فهو قراءة مبتورة للتاريخ. ثورة الشيخ سعيد جرت في مناطق كانت تُعرف باسم كوردستان، وتشمل حلب والموصل وماردين وأورفة وديرسم وبينغول وأغري وغيرها. هذه المناطق كانت أرضاً متصلة، ولم تكن مقسّمة بين “سوريا” و“تركيا”، لأن سوريا نفسها لم تكن موجودة قبل 1920. الحدود التي نراها اليوم ليست حدود التاريخ، بل حدود الانتداب.

الوثائق العثمانية وحدها كافية لإسقاط كل روايات الإنكار. خرائط عام 1780 ثم 1898 تضع اسم كوردستان بوضوح على مناطق واسعة تشمل حلب والموصل والجزيرة السورية الحالية. إدلب كانت متصرفية تابعة لحلب، والرقة متصرفية تابعة لحلب، ودير الزور متصرفية تابعة للموصل. هذه الحقائق ليست رأياً، بل وثائق رسمية سبقت ظهور أي دولة عربية حديثة، إذ إن أول دولة تحمل اسم “العربية” ظهرت عام 1938.

ومن المفارقات أن بعض الأصوات التي تنكر الوجود الكوردي تتجاهل أن العرب أنفسهم وفدوا إلى سوريا بعد انهيار سد مأرب حوالي 1200 ق.م، بينما الهوريون والميتانيون أسسوا دولاً في 2700 ق.م. ومع ذلك، لا ينكر الكورد وجود أحد، ولا يطالبون بإقصاء أحد، بل يطالبون فقط بقراءة التاريخ كما هو، لا كما تريده السياسة.

المشكلة ليست في اختلاف الآراء، بل في الإصرار على إلغاء شعب كامل عبر روايات لا تستند إلى وثيقة واحدة. التاريخ لا يُمحى بتصريح سياسي، ولا يُختصر بجملة، ولا يُلغى بإنكار. التاريخ يُقرأ في الآثار، واللغات، والخرائط، والجغرافيا، والوثائق العثمانية والفرنسية، وكلها تقول شيئاً واحداً: الكورد شعب أصيل في روجافا، قبل الحدود، وقبل الدول، وقبل كل محاولات الطمس.

هذا ليس دفاعاً عن هوية ضد أخرى، بل دفاع عن الحقيقة ضد الإقصاء. ومن يريد أن يناقش التاريخ، فليبدأ من الوثيقة، لا من الرغبة.

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

4 thoughts on “روجافا ليست رواية سياسية

  • Ibrahim

    المقال يقدّم معلومات مهمة، لكن الخلاصة واضحة:
    الوجود الكوردي في روجافا ليس نتيجة حدث سياسي حديث ولا مرتبط بتصريحات أوجلان. التاريخ والآثار والوثائق العثمانية تثبت أن الكورد موجودون في هذه الجغرافيا منذ آلاف السنين، قبل الحدود الحالية وقبل ظهور سوريا كدولة.

    من يريد مناقشة التاريخ يجب أن يعتمد على الوثيقة، لا على روايات إنكار أو تصريحات ظرفية. الوجود الكوردي حقيقة تاريخية ثابتة، وليس رواية سياسية قابلة للمحو.

    Reply
  • AMO

    احسنت النشر براي حسين قاسم العظيم

    Reply
  • Ibrahim

    المقال يقدّم معلومات مهمة، لكن الخلاصة واضحة:
    الوجود الكوردي في روجافا ليس نتيجة حدث سياسي حديث ولا مرتبط بتصريحات أوجلان. التاريخ والآثار والوثائق العثمانية تثبت أن الكورد موجودون في هذه الجغرافيا منذ آلاف السنين، قبل الحدود الحالية وقبل ظهور سوريا كدولة.

    من يريد مناقشة التاريخ يجب أن يعتمد على الوثيقة، لا على روايات إنكار أو تصريحات ظرفية. الوجود الكوردي حقيقة تاريخية ثابتة، وليس رواية سياسية قابلة للمحو.

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *