ذكرى وفاة العالم الاسلامي الكوردي ابن فضلان البغدادي
الكاتب: يوسف الأومري
في ذكرى وفاة العالم الأسلامي الرحالة الكوردي أبن فضلان البغدادي في مثل هذا اليوم أود أن أشارككم بعض من سيرته
وابن فضلان هو أحمد بن العباس بن راشد بن حماد البغدادي، وهو عالم إسلامي من القرن العاشر الميلادي. كتب وصفاً لرحلته التي قام بها في سفارة الخليفة العباسي المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة (بلغار الفولجا) حوالي سنة 921 م، وهي أقدم وصف موثوق للروس في التاريخ. في تلك السنة، وصلت رسالة ملك البلغار ألموش بن يلطوار إلى بلاط الخلفية العباسي يطلب فيها إرسال سفارة إلى بلاده لشرح مبادئ دين الإسلام، ويبني له مسجداً وقلعة، فاختار الخليفة ابن فضلان ضمن سفارة أرسلها إلى ملك البغار لهذا الغرض. يحمل خط سير الرحلة بين بغداد وأرض البلغار والذي استغرق 11 شهراً قيمة جغرافية لما اشتمل عليه من حقائق بنظام الرحلة في مناطق متباينة في ظروفها التضاريسية والمناخية وفي النظم السياسية والأهواء الدينية والأحوال العرقية مما يعكس صعوبة الرحلة.
بدأت الرحلة من بغداد في يونيه 309هـ الموافق 921 م واتجهت شرقاً بشمال مارًا بإقليم الجبال ووصلت همذان والرىًّ وواصلت السير شرقاً إلي نيسابور وكان الطريق إليها محفوفاً بالمخاطر وقد تنكر أعضاء الوفد في القافلة كمسافرين عاديين ثم ساروا إلي بخاري وكان الطريق إليها آمناً، واستقروا بها قرابة الشهر وفيها قابل ابن فضلان الجيهاني الذي كان وزيراً لصاحب خراسان وذلك في شهر سبتمبر وعادت القافلة إلي نهر جيحون الذي عبرته ثم سارت في النهر في سفينتين إلي خوارزم وهناك حاول حاكمها منعهم من مواصلة السير بالتخويف من دخول أرض الغز ولكنهم أصروا وواصلوا السير إلي الجرجانية واستقروا فيها حتى ينقضي الشتاء ( من نوفمبر إلي فبراير 922م ) والمعروف تجمد مياه الأنهار لعشرة أسابيع، ومع بداية مارس واصلوا السير ولكن بعد أن تخلف منهم عدداً من الفقهاء والمعلمين والغلمان إما خوفاً من مخاطر السير بعد أن عاينوا قسوة الشتاء أو بسبب قلة الموارد المالية بعد أن تعذر استلامهم لمبلغ 4 آلاف دينار كانت مقررة لهم من الخليفة كخراج ضيعة قريبة من خوارزم حتى يتموا الرحلة. ومن بقوا مع ابن فضلان واصلوا السير فمروا عبر بلاد ما وراء النهر و بحر آرال في الشرق وبحر الخزر في الغرب جمهورية كازاخستان حاليا ثم واصلوا السير شمالاً حتى بلغوا العاصمة البلغار وقد قطعوا المسافة مابين الجرجانية ومدينة البلغار في 70 يوماً.
لقد امتاز ابن فضلان بوصفه الدقيق بأسلوب ممتع شائق عن عادات تلك الشعوب وتقاليدها، وحياتها الأخلاقية في ذلك العصر. وكان دقيق الملاحظة، يسجل أكثر مِـمَّا يريده السائح، فيصف الحكم والأمراء، ورجال الشعب على حد سواء، كما يرسم الهيئة والوجود على إيجاز رسالته وقصرها . وامتاز ابن فضلان عمن سبقه، بأنه وضع العلاقة الأساسية بين المكان والزمان، التي سوف تصبح في وقت لاحق صفة من الصفات التي تميّز الرحلة، فرسالته كانت نوعاً متوسطاً بين الجغرافية والتاريخ، فهي كالجغرافية تهتم بالمكان بعد أن تعيد تنظيمه على معايير زمنية يختص بها التاريخ . فضلاً عما تتسم به تلك الرسالة من وصف إثنوغرافي لحالة الشعوب فقد وضع ابن فضلان في مقدمة اهتماماته حال الإنسان العادي: سلوكه، وعاداته، وتقاليده، ودياناته، وطقوسه الحية، والمظاهر الأخرى لاعتقاداته، ولا ينسى أفراحه وأتراحه، وطرائق زواجه، وتربيته، وطقوسه في الدفن والموت، فضلاً عن اهتمامه بمنشأ السلطة والسلطان، ومظاهر العمران الأخرى إن وجدت، وتأثير الطقس، ومظاهر العجائب والمدهش في حياة تلك الشعوب.
طبعا هذه صورة لصفحة من نسخة من مخطوط رحلة أحمد بن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة، وهي محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس ويعود تاريخها إلى منتصف القرن التاسع عشر.