دراسة بحثية عن “جت بلوچ (الزط)” في قبايل سندھ وبلوشستان (باكستان)
هذا ليس مجرد قبيلة واحدة، بل إن قوم البلوش بأكملهم يُطلق عليهم أيضاً اسم “جت”، وتُطلق كلمة “جت” جتوئی على أصحاب الماشية والمواشي.
بقلم: مير عمران هوت بلوچ
نشرتُ قبل بضعة أشهر منشوراً يتضمن مصادر من كتاب “فتوح البلدان”، تُشير إلى أنه عندما فتح العرب بلاد فارس (إيران) في العصر الساساني، كان ضمن الجيش الساساني قبيلتان من بلوچستان (باكستان) هما “الزط بلوچ” والملاحون “السحابجة”.
وقد أسلمت هاتان القبيلتان وبايعتا على يد سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وقام العرب بتعيينهم بين الحين والآخر على ثغور وحدود بلاد مختلفة تشمل العراق واليمن وسوريا ومصر.
وفي النهاية، قام الحجاج بن يوسف بإسكان بعض “الزط البلوش” (جت بلوچ) في البصرة.
ووفقاً لكتاب (تاريخ زين الأخبار) الذي ألفه أبو سعيد عبد الحي بن الضحاك بن محمود الجرديزي، فإنه عندما ضعف سيطرة العباسيين على البصرة عام 861م، قام قائد الجت البلوش ‘سماق الزط البلوش / الجت بلوچ’ بالاستيلاء على البصرة بالتعاون مع جماعته من الجت البلوش والحرّاس/الحبش.
وجرت هناك مجزرة كبيرة لأهل البصرة، واستمر سيطرة الجت البلوش والحبش على البصرة لمدة سبعة أشهر. فأرسل الخليفة العباسي المعتصم بالله (والمقصود هنا من الناحية التاريخية أحد الخلفاء العباسيين في العصر الذي تلا عهد المعتصم بالله) القائد عجيف بن عنبسة، الذي حاربهم لمدة سبعة أشهر وهزمهم. وبعد الهزيمة، تم أسر أعداد كبيرة من الجت البلوش والحبش ونقلهم إلى بغداد.
(ملاحظة: يمكن ملاحظة أن المؤلف كتب في هامش اللفظ الأصلي “الزط البلوش” عبارة “الزط بلوش / الجت بلوچ”. أما الحبش الباقون، فلا يوجد رأي متفق عليه بشأنهم؛ فوفقاً لبعض التواريخ، كانوا من سكان البصرة المحليين الذين تحالفوا مع الجت البلوش، بينما تذكر بعض المصادر العربية أنهم كانوا ملاحين من “السحابجة” الذين أتوا مع الزط البلوش، ولأن ألوان بشرة سكان مكران في بلوچستان (باكستان) والهند كانت سمراء أو داكنة، فقد كان يُطلق عليهم أحياناً اسم “الحبش”).
وفي تلك الفترة، بدأ الزط (الجت البلوش) الثورات ضد العباسيين في بلوچستان أيضاً. وقد نقل الكاتب الحديث محمود أحمد غازي هذه الرواية نفسها من “فتوح البلدان” في كتابه:
(تاريخ: الحركة المجددية – دراسة تاريخية تحليلية لحياة الإمام المجدد أحمد السرهندي).
وقد استُخدمت في كتابه بدلاً من “الزط بلوچ” الألفاظ العربية: “الجات، الجت، الزط”. وكان كاتباً محايداً، لم يكن ينتمي إلى أي عائلة سندية، ولا كان سندياً ولا بنجابياً، ولم تكن لديه أي تحيزات شخصية. وقد عمل كثيراً على الفقه في التاريخ الإسلامي، وكان ينتمي إلى عائلة هاجرت من الهند وقت تقسيم الهند.
وبالانتقال إلى الأمام، يكتب المؤرخ والرحالة العربي الشهير ياقوت الحموي في كتابه التاريخي الشهير (معجم الأدباء) أن ‘السري بن الحكم البلخي’ كان والياً على مصر حوالى القرن الثامن الميلادي، وكان مقدِّراً كبيراً للإمام الشافعي رحمه الله، المحدث والفقيه وإمام أصول الفقه. ويزيد ياقوت أن والي مصر ذاك كان “من قوم يقال لهم الزط”، أي من قوم أو قبيلة الزط (جت بلوچ).
وفي القرن العاشر الميلادي، عندما شن السلطان محمود الغزنوي حملاته على السند وملتان (ومما يجدر ذكره أن ملتان كانت في ذلك الوقت منفصلة إدارياً عن بلوچستان، لكن أرض ملتان كانت تُسمى “بلاد البلوش”)، واجه جيش الغزنوي مقاومة شديدة.
وكانت هذه المنطقة بأكملها، بدءاً من المناطق الداخلية لإيران وصولاً إلى مكران وملتان ومنصورة والمناطق الهندية، ممتلئة بالزط (الجت البلوش). وشهد على ذلك المؤرخ الشهير ابن خرداذبة الذي زار المنطقة بنفسه عام 862م، ووصف المنطقة بأكملها من داحل إيران إلى سند وبلوشستان بأنها (بلاد الزط) أي ‘بلاد الجت البلوش’.
وذكر أن هؤلاء الزط البلوش كانوا يصطادون الأسماك ويرعون الماشية وكانوا من سلالة بلوش بلوچستان.
وفي هذا الشريط بأكمله، خاض الغزنوي معارك ضارية مع الزط البلوش، وتعرضت العديد من أساطيله البحرية النهب. وفي عام 1027م، وقعت معركة نهرية كبيرة بين السلطان الغزنوي والجت البلوش، حيث جلب الغزنوي 1400 سفينة (أسطول بحري) محملة بآلات إلقاء الحجارة (المجانيق)، واستطاع بها هزيمة الزط البلوش. وبعد هذه المعركة، تم أسر ما يقارب 20 ألفاً من الجت البلوش، وتم الاستيلاء على أطفالهم ونسائهم وأغنامهم وماشيتهم وأنعامهم الأخرى.
(كل هذه التفاصيل موجودة في كتاب “السلطان محمود الغزنوي: سيرته ودوره السياسي والعسكري في خراسان وبلوشستان وشبه القارة الهندية 361-421هـ”).
ويجب التذكير بأن المصادر العربية كتبت اللفظ “الزط البلوش”، بينما نجد في المصادر الفارسية كتابة “الجتان بلوچان”. وعندما نقل أي مؤرخ عربي رواية من تاريخ فارسي من العصر الغزنوي، فإنه استخدم اللفظ الفارسي نفسه “الجتان بلوچان”.
(ملاحظة: أوضح هذا الباحث في الهامش أن “الجتان بلوچ هم سلالة من بلوچستان، وهم من سلالة الزط البلوش في بلوچستان نفسها”).
وهنا يجب أن نضع في الاعتبار أيضاً أن ‘الزط البلوش’ المذكورين في التواريخ ليسوا مجرد عامة الجت البلوش في وقتنا الحالي، بل إن أعداداً غفيرة من السكان الذين استقروا في المساحة الممتدة من إيران إلى أفغانستان والخليج وباكستان وملتان ومكران والسند وبلوشستان وراجستان، هم الذين انحدرت منهم اليوم قبائل لا تُحصى في السند وبلوشستان والبنجاب ومكران. فهذا التجمع السكاني الكبير الممتد من ضفاف نهر السند إلى إيران كان موجوداً منذ قرون. وورد ذكرهم في المصادر السنسكريتية لملحمة “المؤابهاراتا”، كما ظهر اسمهم في الأماكن نفسها في مدونات الرحالة الصيني في القرن السادس الميلادي، وورد ذكرهم في المصادر العربية في القرن الثامن، والمصادر الفارسية-العربية في القرن التاسع، وتواريخ القرن العاشر في الأماكن ذاتها.
فمن كانوا هؤلاء ومن أين أتوا؟ هناك آراء مختلفة للباحثين المحدثين حول ذلك:
• يرى البعض أنهم خرجوا من “موينجو دارو”Mohenjo-Daro و”مهرغار” mehr,gar بعد تعرضهما للفيضانات المتكررة أربع أو خمس مرات متتالية، واستقروا على ضفاف نهر السند. وهذا الرأي أقرب إلى الحقائق العلمية، حيث أكد علماء الآثار (الأركيولوجيا) أيضاً أنه نظراً لقرب المنطقة من نهر السند، كانت الفيضانات تحدث باستمرار، وكان سكان موينجو دارو ومهرغار يبنون منازلهم الجديدة فوق منازلهم القديمة.
• ويرى البعض أنهم كانوا من الآريين القادمين من آسيا الوسطى.
• ويرى آخرون أنهم سكان مهرغار وموينجو دارو الأصليون، وهم سلالة مختلطة مع الآريين.
وعلى أية حال، سنخصص منشوراً مفصلاً يلقي الضوء على المصادر الحديثة والتاريخ لمعرفة من أين أتوا في النهاية، وما هي الهوية التي يحملها اليوم أولئك الذين سُموا بـ “ميد بلوچ”. وسيكون ذلك محل نقاش مستقل.
وفي الختام: وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



