حين تُباع الجبهات وتُشترى المواقف

الكاتب: بيوراسب دارا

.

لم تكن أحداث الشيخ مقصود والأشرفية مجرد اشتباك عابر، ولا حادثة أمنية يمكن تجاوزها بسهولة. كانت لحظة انكشاف… انكشافٍ لكل التناقضات التي تراكمت لسنوات، ولكل الوعود التي لم تُحفظ، ولكل التحالفات التي بُنيت على حساب الناس لا من أجلهم. في تلك الليلة، حين سقطت خطوط الدفاع الأولى، لم يشعر الناس بالخوف بقدر ما شعروا بالخذلان. خذلانٌ ثقيل، يشبه الباب الذي يُغلق في وجهك من أقرب الناس إليك.

فالحيّان اللذان صمدا لسنوات، واحتضنا آلاف المهجّرين من عفرين، وجدا نفسيهما فجأة بلا حماية. الإدارة الذاتية التي طالما قدّمت نفسها كدرع للكورد، بدت وكأنها تنظر إلى مكان آخر، منشغلة باتفاقات غامضة مع قوى لا ترى في الكورد سوى ورقة تفاوض. بدا المشهد وكأن الدفاع عن الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن أولوية، وكأن مصير الناس يمكن أن يُترك لمعادلات سياسية لا يعرف أحد حدودها.

وهنا كان الجرح الأكبر: أن يُترك حيّان كورديان، معظم سكانهما من أبناء عفرين، وحدهما. عفرين التي لم تبخل يوماً. عفرين التي أرسلت أبناءها إلى كل الجبهات، من كوباني إلى منبج، من الباب إلى قامشلو. عفرين التي حملت السلاح دفاعاً عن روج آفا، ودفعت من دمها أكثر من سبعة آلاف شهيد. عفرين التي شاركت في كل المعارك، حتى تلك التي لم تكن معاركها. واليوم، حين احتاجت إلى من يقف معها، وجدت نفسها وحيدة.

وما يزيد المرارة أن القوى التي ترفع شعارات حماية الشعب، تقف اليوم لحراسة النفط تحت المظلة الأمريكية، بينما تُترك الأحياء الكوردية في حلب لمصيرها. وكأن حماية الموارد أهم من حماية البشر. وكأن الدم الكوردي أصبح فائضاً عن الحاجة في حسابات السياسة.

وفي قلب هذا المشهد، يعود السؤال القديم الجديد: ما علاقة حزب العمال الكوردستاني بكل هذا؟ وكيف أصبح القرار الكوردي في سوريا مرهوناً بحزب نشأ في تركيا، وتشكّل في سياق تركي، وله أولوياته التي لا تشبه أولويات الكورد في سوريا؟ كثيرون من أبناء عفرين، ومن أبناء روج آفا عموماً، لم يخفوا يوماً رفضهم لهذا الارتباط. ليس عداءً للكورد في تركيا، بل رفضاً لأن تُدار حياة الكرد في سوريا من خارج حدودهم. من يريد محاربة تركيا فليحاربها في تركيا، لا في شوارع حلب ولا في قرى الجزيرة.

ومع كل هذا، يبقى السؤال الأكبر معلقاً فوق رؤوس الجميع: إلى أين يمضي الكورد؟ هل سيبقون أسرى تحالفات متناقضة، وقرارات لا تشبههم، ومشاريع لا تمثلهم؟ أم أن اللحظة قد حانت لولادة حركة كوردية جديدة، قيادة ثورية جديدة، مشروع واضح لا يخجل من إعلان حقه في تقرير مصيره، ولا ينتظر اعتراف دولة سورية لم تعترف بهم يوماً، دولة مارست التمييز، وحرمتهم من لغتهم، ومنعت أسماءهم، واحتلت أرضهم قبل أن يحتلها الآخرون.

ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية ليس نهاية، بل بداية. بداية وعي جديد، بداية مراجعة عميقة، بداية إدراك أن الاعتماد على الآخرين لم يعد ممكناً. وأن الكورد، إذا لم يصنعوا مشروعهم بأيديهم، سيبقون وقوداً لمشاريع الآخرين.

هذه ليست قصة حيّين فقط… إنها قصة شعب يبحث عن نفسه في زمن تتكاثر فيه الخيانات، وتقلّ فيه المواقف.

بجي كوردستان