حين تتحوّل الأحزاب الكوردية إلى حراس للكراسي… وتُترك القضية لمصيرها
الكاتب: حسين قاسم( بيوراسب)
تتصاعد في المنطقة موجات خطيرة من التحريض والكراهية، تُهدد المجتمعات المتعددة وتضرب أسس التعايش التي صمدت رغم كل العواصف السياسية. هذه الخطابات لا تنشأ من فراغ، بل تُغذّيها بيئات الجهل وضعف الوعي، وتستثمر فيها جهات تبحث عن مصالحها الضيقة ولو كان الثمن تمزيق المجتمع وإشعال صراعات لا تنتهي.
في ظل هذا المناخ المتوتر، تتقدّم بعض القوى بخطاب يقوم على التجييش الطائفي والعشائري والقومي، رافعةً شعارات معادية للكورد أو لأي مكوّن آخر، في محاولة لإعادة إنتاج الفتنة بأشكال جديدة تهدد السلم الأهلي. هذا النهج ليس سوى امتداد لمشاريع متطرفة عرفتها المنطقة عبر تنظيمات إرهابية مثل القاعدة وداعش، ومشاريع إقليمية تستثمر في الانقسام لتحقيق مكاسب سياسية.
لكن الأخطر من ذلك هو غياب البوصلة الوطنية لدى بعض الأحزاب الكوردية التي تحوّلت إلى شركاء لدولة الاحتلال، منشغلة بعدد الكراسي والمناصب، متناسية أن حق تقرير مصير الشعب الكوردي حق ثابت تكفله الشرائع الدولية، وليس منّة من أحد ولا ورقة تفاوضية تُباع وتُشترى. هذه الأحزاب، التي كان يُفترض أن تكون حارسة للقضية، باتت جزءاً من منظومة تُفرّغ النضال الكوردي من مضمونه، وتُعيد إنتاج التبعية السياسية على حساب تطلعات شعبٍ قدّم تضحيات هائلة من أجل حريته.
إن مواجهة خطاب الكراهية لا تكون بالرد عليه بالمثل، بل عبر تعزيز الوعي وترسيخ ثقافة الحوار والعيش المشترك، لكن ذلك لا يعني الصمت عن الأخطاء القاتلة التي ترتكبها القوى السياسية الكوردية حين تتخلى عن مشروع التحرر وتستبدله بمشروع الحفاظ على المقاعد. فالقضية الكوردية أكبر من الأشخاص، وأعمق من التحالفات المؤقتة، وأسمى من الحسابات الحزبية الضيقة.
إن حماية المجتمعات من الفتنة، وحماية القضية الكوردية من التمييع، تتطلبان موقفاً واضحاً: رفض خطاب الكراهية، ورفض التبعية، والتمسك بحق تقرير المصير كحق إنساني وقانوني لا يمكن التنازل عنه. فهذا هو الطريق الوحيد نحو مستقبلٍ آمن، عادل، ومستقر لشعوب المنطقة كافة، وللكورد على وجه الخصوص.
