النوروز أقدم الأعياد البشرية والدينية في تاريخ الإنسانية والحضارات
الكاتب: يوسف الأومري
تحاول القوميّات المختلفة كلّ منها اقتناصه لصفّها وبداعي الاحتكار وكعادة القوميّين العرب والأتراك والفرس اخترع كلّ منهم أسطورة تلائم العشيرة وتنسب منبع هذا العيد العتيق إلى بطل قومي مفترض. لكن في هذه التدوينة سأقف على الوقائع الثابتة تاريخيّاً إلى جانب حيثيات اليوم المعاصر.في عصرنا الراهن تحتفل أغلب قارة آسيا بعيد نوروز، من القسم المسلم من الصين شرقاً وحتى تركيا غرباً، بالإضافة إلى الجماعة البهائية في الولايات المتحدة الأميركية. قبل المسيحية والإسلام اتسع انتشار رقعة احتفالية النوروز حول العالم لتشمل نصف أوروبا الشرقي بالإضافة إلى شرق وشمال أفريقيا، مع معظم قارة آسيا باستثناء الأقوام الصينية. لكن احتفالات هذا العيد وصلت حتى إندونيسيا وجزر جنوب شرق آسيا. كما ثبت احتفال شعوب شمال وجنوب أميركا الأصليين بيوم نوروز دون استعمال نفس التسمية كشعوب الپيرو وبوليڤيا والمايان جنوب المكسيك، ببساطة احتفلت بالنوروز كل الشعوب التي عبدت الشمس قديماً وبذات الطقوس تماماً.في الواقع بدأ الاحتفال بعيد نوروز في الشرق الأوسط قبل نحو 4000 سنة، وقد يكون أقدم الاحتفالات الإنسانية التي لم تزل حيّة حتى اليوم. النوروز هو الاحتفال بالاعتدال الشمسي حين يتعامد مركز قرص الشمس مع خط الاستواء الأرضي. والتسمية معناها ببساطة 𐎴𐎢𐎽𐎿 ”يوم جديد” أو “سنة جديد” (نو = جديد) و(روز، روس، روژ، روش = يوم أو سنة، الشروق). ملاحظة هذا بالخط الميخي الميدي.يوم بدأ الاحتفال بطقوس عيد نوروز لأول مرة كان في جبال زاگروس في عصر القبائل الجودية التي هي نوات الشعب الكوردي قبل نحو 4000 سنة الذي أتخذ أسمه من العيد حيث أن (زاگ= الشروق وروس، روز، اليوم) يعني يوم شروق الشمس. بل وحتى جبال طوروس أخذ أسمه من هذا العيد حيث أن (طو، طاڤ=الشروق أو الضياء أو النور والتي أصبحت فيما بعد الشمس في الكوردمانجية، وروس، روز، روژ=اليوم ومعناه حرفيا اليوم المشرق أو اليوم المنير)وثم بدأ الأحتفال به كشريعة للدولة الميتانية وكان يسمّى باللّغة الميتانية𐎴𐎢 𐎿𐎠𐎭 “ناواسارد أو نَوَسَرده”) التي تعني حرفياً “سنة جديدة”، حين انطلق الاحتفال بعيد الاعتدال الشمسي مع اختراع السنة الشمسية الآرية كتقويم للفلاحين، في وقت بدأ اقتصاد الدولة يعتمد على الشمس أكثر فأكثر نتيجة للاعتماد على الزراعة. اعتمدت حكومة ميتان يوم نوروز “نَوَسَرده” رأساً للتقويم وبداية لسنة جديدة، ما جعله عيداً تحتفل فيه الناس وبطقوس دينية احتفالية.كانت طقوس ميتان يوم نَوَسَرده تقوم على احتفال الناس ببركة الإله الشمس “خوريا=شوريا=سوريا” من خلال التبرّع بأطباق القمح المنبّت إلى معبد الشمس الرئيسي في المدينة، ومن ثمّ يحتفل الناس جميعاً بأكلها مع الرهبان بينما يقوم الفريق الأخير بإنشاد الأناشيد والتراتيل الدينية. في الواقع بدأ احتفال الفلاحين بيوم الشمس مع أول مظاهر نبت حبات القمح المبذورة في الأرض.اعتماد الميتانيين لاحتفالية “نَوَسَرده” نشر طقوسه الاحتفالية حيثما حكمت ميتان، ومع انتشار ديانة الشمس انتشر معها النَوَسَرده حيثما توجه الناس في صلواتهم صوب مشرق الشمس، محوّرين اسم العيد لاحقاً من “نَوَ-سَرده” إلى “نَوَ-روس” بمعنى ( اليوم الجديد) كما نقول اليوم “رأس السنة” بدلاً عن “السنة الجديدة”. (نَوَ=جديد، سَر= سنة أو رأس ، وده من كلمة دَهُڤاي=البداية)في كوردية اليوم (نَوَ=نوه، سَر=سال، دَهُڤيند=البداية) مع قيام الأسرة الميدية بتوحيد الامبراطورية الميتانية الخورية الأسورية (امبراطورية مشرق الشمس) ومنذ اعتمدوا الشريعة الميتانية اليزدانية الميثرائية شريعة للامبراطورية الميدية كلّها، حوّل الميديون عيد النَوَروس من عيد محليّ إلى عيد دولي بتشريع الاحتفال به على جميع أرضي الامبراطورية ثم أنتقلت إلى الأمبراطورية الأخمينية والتي كانت الأكبر في تاريخ العالم القديم، سيّما وأنّ نظام المواطنة الميدي ارتبط وثيقاً بالزراعة والأرض الزراعية، فتقدّس مع النظام الميدي كل ما يرتبط بالأرض ومزارعيها. ملاحظة هذا مأكده أبن وحشية في كتابه عن الكورد أنهم أبرع الناس وأمهرهم في أمور الفلاحة والزراعة. نشرت الأمبراطورية الميدية العيد باسمه في معظم أرجاء العالم القديم حيثما وصل تجّار الميديين من شرق آسيا حتى غرب البلقان وجنوب إيطاليا.نقل الميديين مركز الاحتفال العالمي بالنَوَروس من مملكة ميتان إلى همدان وسوسه بغرض إخراجه من المعابد وتحويله إلى عيد أنساني للعالم أجمع، فبنى ملوك الأسرة الميديين مبناً ضخماً مكرّساً لعيد الشمس يسمّى قصر قاعة المئة عمود (أپدانه) رغم بقاء العاصمة الميدية في همدان، وخلال تلك الفترة وبسبب اختلاف اللهجات تحوّل اسم العيد من النَوَروس إلى النَوروز. وبالفعل خرج النوروز من معابد الشمس فتبنّته الشعوب على مختلف أديانها، لكنّ تقليداً ميتانياً واحداً بقي مرتبطاً وبحدّة بهذا العيد، حيث لا يكرّس الملك الميتاني الجديد، وحتى أثناء العهد الميدي إلا أثناء الاحتفالات بعيد نوروز في قصر قاعة أپدانه.الممالك الإغريقية لاحقاً استمرّت احتفالات النوروز وانتشرت حتى إيطاليا كلّها وإسبانيا وجنوب فرنسا، لكن تبدّلت الأسماء والمواعيد مع الممالك المختلفة، إلا الامبراطورية السلوقية التي حافظت على ذات التسمية وأعادت مركز الاحتفال بالنوروز إلى مدينة ”𐎺𐎠𐏁𐎢𐎦𐎠𐎴𐎹”وآشوكاني” حيث أن (وآشو الطاحون وگاني يعني البذر) كُردية اليوم (واش أو واژد =طاحون أو المهرس أو المجرش و گنيم من گان وهو القمح أو البذر).ولأعتمادهم على الزراعة مع اعتراف السلوقيين باليزدانية الميثرائية ديانة ثانية للدولة، مع تقويمها إلى جانب التقويم السلوقي الإغريقي. بينما ارتبط النوروز في مصر البطلمية بالسمك المملّح سرياً على عادات إغريقية ومبتعداً عن القمح ليتغير اسمه إلى عيد “شمو”.مع انتشار المسيحية في الامبراطورية الرومانية وانتقال العاصمة إلى القسطنطينية انحسر الاهتمام باحتفالية النوروز في أوروبا مع انتشار الثقافات الجرمانية والرومية، واختفى تماماً فيم بعد مع انتشار الكاثوليكية، ثمّ منعت الكنائس احتفالات النوروز على المسيحيّين بشقّيها الشرقي والغربي، عدا مصر التي قرنت عيد شمو بالمسيحية ليصبح عيد الفصح القبطي.أمّا في آسيا فقد حافظت الشعوب الصينية والكُردية الأيرانية والجنوب آسيوية على طقوس النوروز كما هي، كما اعترفت به الدولة الساسانية الكُردية عيداً رسمياً باعتباره اليوم الأول للسنة الكُردية، تماماً كما تعتبره الشعوب الكوردية اليوم رأساً للسنة الكوردية. وفي حين أخرجت الميدية النَوَروز من المعابد لعلمنته، ساهمت بغير قصد بإدخاله في طقوس الديانة الزردشتية، فجعلته الدولة الپارثية ثمّ الساسانية بعدها عيداً مقدّساً من طقوس النوروز مَزدَیَسنا الزرادشتية والمجوسية معاً.ملاحظة هذا هو الخط الأفستائي وحتى أول أيام السنة في الأفستائية يسمى ناوسردا.بينما استمرّت شعوب وسط آسيا بالاحتفال بالنوروز على ذات الطقوس الميتانية منذ أسّست ميديا مدن الصُغد كمستوطنات ميدية وراء النهر وحتى اليوم، تتشارك أكل القمح المنبّت فجراً في البيوت بينما تصنع من عصارته السُملك (دبس القمح) في وسط القرية (عوضاً عن قاعة معبد الشمس) الذي يقدّم مع خبز القمح الكامل، ما يعني أنّ النوروز لم يزل مرتبطاً بالقمح في كلّ طقوسه.الكاتب: