أخبار روج افايه كوردستانالرئيسيةمقالات

المواطنة المجردة: حين تصبح المساواة أمام القانون قناعًا للتمييز

مقدمة

يبدو السؤال في ظاهره بسيطًا: ما الذي ينقص المواطن الكردي في تركيا أو سوريا أو إيران أو العراق، ما دام يحمل جواز سفر الدولة، ويتمتع بحق التصويت، ويستطيع نظريًا الوصول إلى المحاكم والمدارس والمستشفيات؟ أليست هذه هي المواطنة بمفهومها الحديث؟

هذا السؤال ليس بريئًا، بل هو الحجة الأكثر شيوعًا في الخطاب السياسي لدول الشرق الأوسط كلما وُجهت انتقادات تتعلق بحقوق مكوناتها القومية أو الدينية. جميع المواطنين سواسية أمام القانون، هكذا يُقال. غير أن هذه الحجة تقوم على خلط بين مستويين مختلفين من الاعتراف السياسي:

  • الحقوق الفردية
  • الاعتراف الجماعي بالهويات الثقافية

وهذا الخلط هو جوهر ما نسميه هنا “المواطنة المجردة”.

جذور المفهوم

وُلدت المواطنة الحديثة في رحم الثورتين الأمريكية والفرنسية أواخر القرن الثامن عشر، على أساس أن الفرد يستمد حقوقه من إنسانيته لا من انتمائه العرقي أو الديني. وتفاصيل هذه الرؤية تشمل:

  • العقد الاجتماعي عند روسو
  • شرعية السلطة عند لوك
  • مبدأ المساواة عند كانت

انتقلت هذه النظريات في سياق أوروبي فرض ضمنيًا تجانسًا ثقافيًا، وبالتالي لم تتحقق حين وصلت إلى الشرق الأوسط بتعدده الإثني والديني الذي لا يذوب في وثيقة واحدة مهما كان ضغط الدولة.

كان بإمكان الفيلسوف الكردي، بل كل مواطن كردي، أن يحتمي بالمواطنة الكلاسيكية التي تحمي الفرد من تعسف الدولة، لكنها لا تجيب عن سؤال جوهري: ما الحق في تعريف هوية تلك الدولة؟

تعريف المفهوم بين الحق الفردي والاعتراف الجماعي

المواطنة المجردة تمنح الفرد حقوقًا مدنية وسياسية متساوية شكليًا، لكنها تتجاهل الهويات الجماعية التاريخية ولا تُدرجها في البنية الدستورية للدولة.

تُميز هذه الرؤية بين نوعين من الحقوق:

  • حقوق الممارسة الفردية: المساواة أمام القانون، حرية التعبير، التصويت
  • حقوق الأقليات التاريخية: الاعتراف باللغة، الثقافة، التمثيل السياسي

المواطنة المجردة تقر بالنوع الأول وتنكر الثاني، فتفتح مفارقة دقيقة: المواطن الكردي في تركيا متساوٍ مع نظيره التركي أمام القانون بوصفه فردًا، لكنه غير متساوٍ بوصفه عضوًا في جماعة تاريخية لها لغتها وذاكرتها المستبعدتان من الرواية الوطنية الرسمية.

المساواة الفردية شرط ضروري للعدالة، لكنها ليست كافية؛ إذ تتطلب العدالة الحقيقية مساواة الجماعات التاريخية في الاعتراف الدستوري.

حين يوقف القانون تكريس الفوارق

أخطر ما في المواطنة المجردة أنها تمنح الدولة غطاءً قانونيًا وأخلاقيًا لممارسة التمييز مع الاحتفاظ بخطاب المساواة.

فعندما تُبرر سياسات إقصاء اللغة الكردية من التعليم الرسمي بحجة أن الجميع متساوون أمام القانون، يصبح مبدأ المساواة الفردية درعًا ضد المطالبة بالمساواة الجماعية.

ويتجلى ذلك في مجالين رئيسيين:

اللغة: يُطلب من أبناء الجماعات غير المهيمنة إتقان اللغة الرسمية للوصول إلى التعليم والتوظيف، دون أن يُطلب من أبناء الجماعة المهيمنة أي جهد مماثل — عبء غير متكافئ لا مساواة فعلية فيه.

الذاكرة التاريخية: تعتمد المناهج الرسمية رواية جماعية مهيمنة مرجعًا وطنيًا جامعًا، بينما تُغيب روايات الذاكرة الأخرى.

الاندماج الطوعي ليس هو الذوبان القسري

الاندماج الطوعي هو اختيار حر يمارسه أفراد أو جماعات ليعيشوا ثقافة مجتمع أوسع ضمن هويتهم الأصلية، بينما الذوبان القسري هو تخلي الدولة عن ذاتيتها وهويتها عبر منظومة قانونية وإدارية.

الفرق يكمن في الإرادة: حين يتعلم الكردي التركية ويشارك بها في الحياة العامة، فذلك اندماج طبيعي. أما حين يُحرم أبناؤه من تعلم لغتهم الأم ويتفاوضون على استخدامها، فذلك إكراه قسري بأدوات التعاون — وهو أشد إشكالية من القمع المباشر لأنه يُمارس باسم المساواة والعدالة.

تجليات في الشرق الأوسط

اتخذت المواطنة المجردة في المنطقة أشكالًا متعددة:

  • التعليم بلغة رسمية واحدة حتى في مناطق الأغلبية غير الناطقة بها
  • إغلاق أحزاب وتيارات بالإحالة إلى الشكل الدستوري القومي
  • منع نشر الأسماء بلغات غير رسمية
  • تجريم إحياء ذكرى المجازر التي تعرضت لها الجماعات

كل ذلك توظيف للقانون في خدمة سياسة الإنكار التاريخي.

النقد من داخل التقليد الليبرالي

قوة نقد المواطنة المجردة أنه يصدر من صميم الفلسفة الليبرالية نفسها.

يجادل كيمليكا في كتابه المواطنة المتعددة الثقافات (1995) بأن الحرية الفردية تستلزم بنية قانونية تضمنها، وأن الذوبان القسري يضيق أفق الحرية الفردية لا يوسعها.

كما يرى أن إنكار الدولة لهوية جماعة ما لا يخلق فضاءً حرًا، بل يضيّق فضاءً قائمًا. فالليبرالية التي تتجاهل حقوق الجماعات ليست ليبرالية حقيقية، بل نسخة منقوصة تنطق مبادئ الحرية بينما تنتهكها.

من المواطنة المجردة إلى المواطنة التعددية

نقد المواطنة المجردة يستهدف تطوير المفهوم في الشرق الأوسط والانتقال إلى مواطنة تعددية لا تتخلص من مبدأ المساواة أمام القانون، بل تضيف إليه مساواة الجماعات التاريخية في الاعتراف بحقوقها، سواء كانت كردية أو أمازيغية أو فارسية.

خلاصة

المواطنة المجردة، رغم إنجازها التاريخي، تبقى قاصرة حين تُستخدم لتكريس الهيمنة الثقافية. المساواة الشكلية بين الأفراد تصبح اعترافًا جزئيًا لا يعكس مساواة حقيقية، بل غطاءً قانونيًا لاستمرار التفاوتات تحت قناع الحياد.

مطالب الأقليات — مثل الكرد والأرمن والأمازيغ — بالاعتراف بهوياتهم ليست استثناءً، بل الحد الأدنى الأخلاقي لأي دولة ديمقراطية حديثة.

مروان فلو — كاتب وباحث في التحليل السياسي والاستراتيجي

Hussein Kassem

خادم عند شعبي في كل كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *