الرُمّان، الفاكهة المُقدّسة في الدين اليارساني
الرُمّان، الفاكهة المُقدّسة في الدين اليارسانيمهدي كاكەييفي البداية نقدّم لمحةٍ مختصرة عن تاريخ شجرة الرُمّان وقُدسية ثمرة الرُمّان لدى شعوبٍ مختلفة وبعدئذٍ نعود الى الموضوع الذي نحن بِصدده. كان الرُمّان رمزاً دينياً عند شعوبٍ كثيرة منذ إكتشاف زراعته الى الوقت الحاضر، وخاصةً عند شعوب غربي آسيا، حيث إنبثقت زراعة شجرة الرُمّان من كوردستان [1] في عهد السومريين والخوريين والكاكائيين وإنتقلت منها الى الهند والمناطق الأخرى من العالَم، حيث إهتمّ الإنسان بالرُمّان منذ العصور القديمة، وكان مقدّساً عنده. على سبيل المثال عُثِرت في قصر في مدينة أوروك السومرية على زخارف للرُمّان مرسومة على مزهرية، عُمرها خمسة آلاف سنة [2] وكان السومريون يُسمّون الرُمّان (nu-úr-ma) [3]. نرى أنّ اللغة الكوردية لا تزال تحتفظ بالإسم السومري للرُمّان، الذي هو (نار NARأو هَنار HENAR ). السومريون الذين كانوا أصحاب أقدم الثقافات الزراعية، كانوا يُقدّمون الرٌمّان إلى الإلهة (إنانا Innana)، حيث كانوا يعتبرون الرُمّان من المُقدسات، فهو كان رمز الخصوبة وهذا الرمز قد يعود الى كثرة بذور الرُمّان. كان الرُمّان مُقدّساً أيضاً عند إتحاد القبائل الكاكائية التي أفرادها كانوا يعتنقون الدين اليارساني، حيث كان الكاكائيون يعيشون في المنطقة الممتدة من كوردستان الى الهند قبل أكثر من (3800) سنة [4] [5] [6]، وكانت لهم مملكة بإسم (مملكة كاكەيىKakeyî Kingdom) [7]. لم ينقل السومريون زراعة أشجار الرُمّان فقط، بل إنتقلتْ أيضاً قُدسية الرُمّان منهم الى الشعوب الأخرى، حيث إنتقلت قُدسية الرُمّان من السومريين الى الآشوريين خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، أي خلال الفترة الآشورية الوسطى. كما أنّ القُدسية الدينية للرُمّان إنتقلتْ الى التوراة، حيث أنّه أحد الأنواع السبعة من الفواكه المذكورة في التوراة والتي كانت إسرائيل تُباركه منذ زمنٍ بعيد. الرُمّان مُهمّ في العُرف اليهودي، حيث أنّ التقليد يقضي بإحتواء الرُمّان على (613) بذرة التي تُمثّل الوصايا ال(613) للتوراة وتمّ نسج تصميم الرُمّان على ملابس الكهنة الكبار لليهود. كما أنّ الرُمّان مذكور في التلمود البابلي وكانت تتم زراعته في مصر قبل زمن موسى، حيث ظهرت شجرة الرُمّان في الأساطير المصرية و في الفن المصري وأشاد بها كتاب العهد القديم والتلمود البابلي. كما أنّه تمّ العثور على أشجار الرُمّان في وادي السِند في وقتٍ مُبكّر جداً وأنّ هناك ذكرٌ للرُمّان في الكتابة السنسكريتية. لقد ألهمَ الجَمال الداخلي للرُمّان، التصميم منذ العصور التوراتية وهناك إعتقادٌ بأنّ الرُمّان قد يكون ثمرة شجرة الحياة. الأُسرة المالِكة الهندية بدأت مأدباتها بالرُمّان والعنب. إنتقلت قُدسية الرُمّان أيضاً الى الميثولوجيا الرومانية واليونانية. كما أنّ هذه القُدسية للرُمّان ظهرت في الصين خلال سُلالَتَي (هان) و (سونغ). قد يكون التاج الذي تلبسه الملِكات ويلبسه الملوك في وقتنا الحاضر، مُقتبَساً من الرُمّان.لنأتِ الآن الى الرُمّان عند اليارسانيين، كما تمت الإشاره اليه أعلاه، فأنّ الرُمّان كان مُقدّساً عندهم منذ آلاف السنين وإستمرت قُدسيته عندهم الى الوقت الحاضر، حيث أنّ الرُمّان من الثمار المُهمة التي يتم تداولها في الإجتماعات الدينية (جەم Cem) الخاصة بِتوزيع الفواكه على الحاضرين في الإجتماع وعلى الناس الآخرين الذين ينتظرون خارج غرفة الإجتماع (جەمخانە Cemxane) لإستلام حصصهم من هذه الثمار بعد أداء مراسيم دينية من قِبل ال(پیر Pîr)، الذي يرأس الإجتماع و يكون مساعده ال(مام Mam) ويُشارك آخرون أيضاً في الإجتماع. يتمّ عادةً توزيع الرُمّانة كاملةً، دون كسرها ويحصل كل فرد على رُمّانة واحدة أو أكثر، والذي يعتمد على كميّة الرُمّان وعدد الحاضرين. جاء في الكتاب المُقدّس اليارساني (سەرئەنجام Serencam)، أنّ مُجدّد الدين اليارساني (سان سَهاك) أعطى عصا (شاه إبراهيم) الى (پیر إسماعيل كۆلاني) لِكي يزرعه. بعد عدة سنوات، نما العصا وأصبح شجرة رُمّان مُثمِرة. عندما حملتْ شجرة الرُمّان المذكورة، الثمار تمّ قطفها و جعلها ك(جەمات Cemat) التي تقابلها في اللغة العربية (نذر) خلال إجتماع ديني الذي أشرنا إليه أعلاه. بعد الإنتهاء من ال(جەم Cem)، قامت سادِنة غرفة الاجتماعات الدينية (جەمخانە Cemxane) وكان إسمها (داده سارا) بنت (پیر ميكائيل)، بِتنظيف ال(جەمخانە Cemxane) التي تمّ فيها الاجتماع الديني وتم خلاله تقديم الرُمّان كَنَذْر، عثرتْ (داده سارا) على حبّة رُمّان واحدة في أرض ال(جەمخانە)، فأكلتْها لأنها مُقدّسة ولا يمكن تركها في الأرض، حيث أنها من بقايا نذر الإجتماع الديني. بعد مرور بعض الوقت، شعرتْ (داده سارا) بِأنها حامل وبعد ذلك ولدتْ طفلاً، سمّوه (باوه یادگار). أخذ الناس ينظرون الى (داده سارا) بِعَين الريبة والشك والإحتقار من جرّاء ولادتها دون أن تكون متزوجة. لذلك أمرَ (سان سهاك) أحد أصحابه السبعة (داود كەوەسوار)، أن يرمي الطفل المولود (باوه یادگار) في التنّور لمدة ثلاث أيام بعد إشعال النار في التنّور. بعد مرور الأيّام الثلاث، تمّت إزالة غطاء التنّور وخرج (باوه یادگار) منه سالماً، غير محترق. هذه القصة هي إمتداد لِقُدسية الرُمّان وكونه رمزاً للخصوبة عند أسلاف الكورد السومريين والخوريين والكاكائيين. من الجدير بالذكر أنّ (باوه ياد گار) مولود في قرية (شێخان Şêxan) في سنة 1360 ميلادية.يذكر الكتاب المقدس اليارساني أيضاً أنّ الرُمّان ثمرةٌ لذيذة ودواءٌ للجروح والأمراض. يُثبت العِلم الحديث صحة المعلومات الواردة في الكتاب المقدس اليارساني، حيث أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة أن الرُمّان يؤخّر ظهور أعراض الشيخوخة والكُبر، ويمنع تساقط الشَعر ويقي من أمراض القلب والأنيميا والزهايمر. كما أنه يُحسّن عملية الهضم، ويُقوّي العظام ويحافظ على مستوى السُكّر بالدم، وكذلك المستوى المعتدل لِضغط الدم. كما ثبت أن عصير الرُمّان يمنع تطوّر خلايا سرطان البروستات، إضافة إلى أنه يحمي الشرايين ويمنع تكّون الجلطات. من الجدير بالذكر، أنّ اليارسانيين يقومون بِتوزيع الرُمّان في الإجتماعات الدينية في حالات الخطوبة والزواج أيضاً. لأهمية باكورة الأشجار والخضروات والمحاصيل الزراعية وإستمراراً لِتقاليد أسلاف الكورد القدماء، يقوم اليارسانيون بِتوزيع أول وجبة من الثمار التي تحملها الأشجار المُثمرة أو نباتات الخضروات في إجتماع ديني (جەم Cem) وتُسمى هذه الثمار أو الخضروات بِ(نوێبەرە Nwêbere) التي هي كلمة كوردية تعني (باكورة المحصول). من الجدير بالذكر أنّ كلمة (جەم Cem) هي كلمة كوردية أصيلة وأنّ الكلمات العربية المتعلقة بكلمة (جمع)، مثل (جماعة، مجموع، مجموعة، اجتماع، جمعة، جِماع) وغيرها من مشتقات كلمة (جمع)، هي مأخوذة من الكلمة الكوردية (جەم Cem) التي لا يزال يحتفظ بها معتنقو الدين اليارساني. بالنسبة لي، شجرة الرُمّان هي شجرة جميلة جداً وأنّ أزهارها هي أجمل الأزهار عندي، كما أنّ ثمرة الرُمّان هي أجمل وأطيب فاكهة عندي، أكاد أتناوله بشكلٍ يومي.ملاحظة:الصورة الى اليسار: إله سومري يحمل رُمّان.الصور الى اليمين: من الأعلى الى الأسفل:1. إجتماع ديني يارساني، حيث يتم توزيع ال(جەمات Cemat) أي (النذر) على الأشخاص الحاضرين الواقفين خارج غرفة الإجتماع.2. رُمّان.3. مرقد (باوه ياد گار).
المصادر
1. http://maderachamber.com/pf/?page_id=672. Zohary, Daniel; Hopf, Maria; Weiss, Ehud (2012). Domestication of plants in the old world: The origin and spread of domesticated plants in south-west Asia (4th ed.). Oxford: Oxford University Press. pp. 114 – 115. ISBN 9780199549061.3. https://allmesopotamia.tumblr.com/…/sumerian-gi%C5%A1nu…4. Witzel, Michael (1995), “Early Sanskritization: Origin and Development of the Kuru state” (PDF), EJVS, 1 (4), archived from the original (PDF) on 20 February 2012.5. Flood, Gavin (1996), An Introduction to Hinduism, Cambridge University Press, ISBN 978-0-521-43878-0.6. Kumar, Jay (2014), “Ayurveda and Early Indian Medicine”, in Johnston, Lucas F.; Bauman, Whitney (eds.), Science and Religion: One Planet, Many Possibilities, Routledge.7. Hemchandra Raychaudhuri. Political History of Ancient India. 2006, p 58.عرض الرؤىمعدل وصول المنشور: ١٠٧
٧Abo AL Kassm، Awny Hussain و٥ أشخاص آخرين

