الجذور التأريخية لثقافة الإرهاب والعُنف ورفض الآخر في المجتمعات العربية والإسلامية

د.مهدي كاكەيي

إن الثقافة الشمولية عند المجتمعات الإسلامية بشكل عام والعربية بشكل خاص، تقوم على العنف وإلغاء الآخر وبذلك لا تدع وجوداً للآخر للتحاور معه. هذه الثقافة المتخلفة هي نتاج ترسبات تأريخية تراكمت في عقل الإنسان العربي والمسلم خلال حقبة طويلة من الزمن والتي أنتجت الثقافة العربية المتزمتة والشخصية العربية العدوانية التي نراها اليوم والمبنية على الكراهية والعنف والإرهاب وروح الثأر والانتقام والفكر الإقصائي والإلغائي. لذلك، عند الحديث عن موضوع الثقافة العربية، يجب البحث عن العوامل التي أوجدت هذه الثقافة والبيئة التي ترعرعت فيها المجتمعات العربية والإسلامية والتي ساهمت في خلق الشخصية العربية والإسلامية الحالية.يمكن أن نبدأ من الفترة الزمنية التي سبقت ظهور الدين الإسلامي. هنا أركز على المجتمعات العربية التي كانت تقطن الجزيرة العربية لأن ثقافة المجتمعات العربية، والى حد ما، ثقافة المجتمعات الإسلامية السائدة في الوقت الحاضر هي ثقافة مجتمعات الجزيرة العربية التي إنتقلت الى المجتمعات الإسلامية مع بدأ الإحتلال الإسلامي العربي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأجزاء عديدة أخرى من مناطق العالم عند نشر الدين الإسلامي في تلك البقاع. كانت المجتمعات في الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، هي مجتمعات بدوية بدائية تعيش على تربية الحيوانات والى حد ما، على التجارة. الطبيعة القاسية لحياة الصحراء أنتجت مجتمعات قاسية جافة، حيث شحة المياه والكلأ وشدة إرتفاع درجات حرارة الجو وقسوة الطبيعة الصحراوية ووحشتها، حيث العواصف الرملية والجفاف والكفاح المضني من أجل توفير مستلزمات إدامة الحياة من غذاء ومأكل وملبس وحماية النفس من الأعداء الكثيرين، حيث كان الصراع قائماً من أجل البقاء. كما أن قلة المياه والمراعي لتربية الحيوانات، خلقت منافسة شديدة بين القبائل البدوية للإستحواذ على مصادر الحياة والتي تسببت في إكتساب تلك المجتمعات لروح الثأر والإنتقام والغزوات والنهب والقتل. نتيجة كون الرجُل الأقوى عضلياً من المرأة، هذا النضال المرير ضد قساوة الصحراء والحياة القاسية فيها، جعل المرأة أسيرة الرجُل وعَبْدَته، حيث كانت تعتمد على الرجُل في معيشتها والتي أدت الى “إقتناء” الرجُل لأكثر من زوجة للإستمتاع بها وتوليد أكبر عدد ممكن من الأطفال، وخاصة من الذكور، لمعاونته في كفاحه من أجل إعالة نفسه وعائلته.بعد ظهور الإسلام، قام هؤلاء العرب البدو بِنشر الدين الإسلامي، عن طريق إشهار سيوفهم بوجوه الشعوب الأخرى وغزو بلدانها ونهب ثروات هذه البلدان وفرض الدين الجديد على شعوب تلك الدول أو فرض الجزية عليها وسبي نسائها لِمَن يرفض الدخول في الدين الجديد.هناك عوامل عديدة ساهمت في إستعراب شعوب الدول التى تم إحتلالها من قِبل بدو الجزيرة العربية. يمكن تحديد هذه العوامل بِفرض نظام الحُكم العربي في تلك الدول المحتلةً، حيث إستلم المحتلون العرب المواقع السياسية والإدارية وقيادات الجيش في تلك البلدان، فأصبح الحُكم حُكماً عربياً واللغة العربية لغة رسمية. كما أن كون القرآن مكتوباً باللغة العربية، لعب دوراً محورياً في تعريب الشعوب غير العربية الواقعة تحت الإحتلال العربي، بل أن اللغة العربية الموحدة، التي نراها اليوم، لم تكن بإستطاعتها أن تظهر وتدوم لولا كون القرآن جامعاً للعرب. كان لإستخدام النصوص العربية في الطقوس والفرائض الإسلامية، مثل الأذان والصلاة والحج، دوراً في تعريب واستعراب الكثير من الشعوب الخاضعة للحُكم الإسلامي العربي. من العوامل الأخرى التي لعبت دوراً كبيراً في إستعراب الشعوب التي خضعت للحُكم العربي، هي إرتفاع نسبة الولادة عند القبائل البدوية، مقارنة بِسكان المدن والأرياف، حيث أن طبيعة البدو تميل الى الإنجاب الوفير لِحاجتهم الى المزيد من الأطفال لمساعدة الآباء في تربية الحيوانات وإنجاز الأعمال البيتية ولحاجتهم الى مقاتلين لتقوية القبيلة ودرء أخطار الأعداء وكذلك نتيجة تعدد الأزواج وتوفر الوقت الوفير عند الرجُل البدوي لِيختلي بزوجته. كما أن الإنجاب والجنس يُعتبران من عناوين الرجولة والفحولة عند البدو.نجاح قبائل الجزيرة العربية في الإستيلاء على تلك البلدان وإحتلالها وحُكمها، أمكنها من فرض سيادتها وثقافتها البدوية على شعوب تلك البلدان. هكذا سادت الثقافة البدوية بين المجتمعات المستعرَبة والإسلامية وإختفت الثقافات المدنية التي كانت سائدة فيها قبل الإحتلال العربي، حيث كانت لهذه الشعوب حضارات عريقة متطورة، خدمت الإنسانية جمعاء. الحضارات السومرية والإيلامية والخورية والبابلية والميدية والفرعونية والفارسية وغيرها حققت إنجازات عظيمة، حيث إكتشفت النار والزراعة والكتابة والأرقام والمدنية.لو قُدّر لهذه الشعوب ألا تتعرض للإحتلال البدوي أو لو ظهر الدين الإسلامي في منطقة أخرى غير الصحراء، في منطقة مثل وادي الرافدين أو وادي النيل، لكانت شعوب منطقة الشرق الأوسط والشعوب الإسلامية قد تمكنت من إكتساب ثقافة متحضرة، قائمة على الإنفتاح والحوار وقبول الآخر وإحترام الرأي الآخر. كما أنه لو سلك التأريخ طريقه السوي في المنطقة و تُركت هذه الشعوب تعيش حُرّة، تُقرّر مصيرها بِنفسها، بعيدةً عن الإحتلال البدوي، لَكانت هذه البلدان اليوم من البلدان المتقدمة علمياً وحضارياً ومدنياً، قد تكون أكثر تقدماً من الدول الغربية الحالية ولكانت شعوبها تعيش في سلام ووئام مع نفسها ومع جيرانها ومع شعوب العالم كلها و لَتجنبت هذه الشعوب الحروب والموت والدمار والكوارث والكراهية والإرهاب التي تعرضت لها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً ولَإستطاعت هذه الشعوب، الغارقة في بحر من الدماء والدمار والتخلف والكراهية، توفير وتسخير تلك الثروات البشرية والمادية الهائلة، التي هُدِرَتْ، لِتبني بلدانها وتُحقّق الرفاهية لنفسها. نعم، أن الإحتلال البدوي دمّر الإنسان والحياة وخرّب البلدان التي وصل إليها. آثار هذا الخراب الثقافي والفكري والنفسي والإجتماعي لا تزال متجذرة في نفوسنا وكامنة في عقولنا. قد نحتاج الى أجيال عديدة للتخلص من هذا الوباء، فيما لو نجحنا في العثور على طريق للنجاة، يساعدنا في إزالة الثقافة البدوية المتأصلة في عقولنا ونفوسنا.إن ذوبان الثقافات القديمة للشعوب المُستعرَبة والإسلامية في الثقافة البدوية، خلق أزمة هوية عند هذه الشعوب بعد أن فقدتْ هوياتها وثقافاتها الأصلية وإكتسبت ثقافة البداوة التي تسود فيها القبلية والطائفية والغزو والإستيلاء على أرض الغير وعلى ممتلكاتهم والمتشبعة بِروح الكراهية وحُب السيطرة وسيادة المجتمع الرجولي. هذه الحالة أظهرتْ إختلالاً خطيراً في شخصية الإنسان المُسلم المُستعرَب أو الإنسان غير العربي، حيث أفقدتْه توازنه وأربكتْ شخصيته وأنهتْ إحساسه بِروح الإنتماء لأرضه وشعبه والتي قادت الى إنتاج الطوائف والقبائل الهجينية المُتنافرة والمتصارعة وجعلت الكراهية وروح الإنتقام والإستبداد والقتل متأصلة فيه.المأساة هي أن الثقافة البدوية تأصّلتْ في نفوس الإنسان العربي و المُسلِم، حيث إستمر الحُكم البدوي لِفترة طويلة، إمتدت لأكثر من أربعة عشر قرناً وبذلك إستمرتْ سيادة هذه الثقافة المُتخلفة في البلدان التي إحتلها العرب البدو خلال هذه الفترة الطويلة وإستطاعت أن تعمل فينا وتُخرِّب نفوسنا وعقولنا. بعد الخلافة الإسلامية، إستمر الحُكم البدوي الصحراوي في المنطقة، حيث بدأ الحُكم الأموي ومِن ثم الحُكم العبّاسي اللذان كان الحُكّام فيهما مِن بدو الصحراء أيضاً. بعد العبّاسيين، إستمر الحُكم البدوي من خلال الحُكم التركي العثماني الذي كان يحمل الثقافة البدوية الآتية من صحاري طوران الواقعة قُرب الصين ومِن الجزيرة العربية من خلال الإحتلال البدوي للمنطقة. هكذا عاشت هذه الثقافة البدائية وما زالتْ تُعشعش في وجداننا. لا يزال الحُكّام العرب والمسلمون وشعوبهم يدافعون عن الثقافة البدوية التي إكتسبوها ويقومون بالتمسك بها وفرض إستمراريتها. الحُكّام يستغلون الدين الإسلامي لإدامة حُكمهم و شُهرتهم و لِنهب المزيد من ثروات شعوبهم.نرى أن المسيحيين واليهود إستطاعوا، بعد نضال شاق وطويل وتضحيات جسيمة، مِن تحرير أنفسهم من عبودية الكنيسة والمعبد اليهودي وأنْ يوقِفوا رِجال الدين عند حدّهم و يمنعونهم من إستغلال الدين لِمصالحهم الشخصية، فقاموا بِفصل الدين عن السياسة و تركوا الدين ليكون علاقة روحية بين الإنسان والإله.سيكون النضال المطلوب لتخليص المُسلمين مِن وصاية رجال الدين وإرهابهم وتَحكّمهم بِحياة المُسلمين وتدخّلُهم في حياتهم الشخصية، أصعب بِكثير من النضال الذي خاضه المسيحيون واليهود والذين إستطاعوا من خلاله تحقيق أهدافهم في حياةٍ حُرّةٍ كريمة. صعوبة الأمر بالنسبة للشعوب العربية والإسلامية لإنقاذ نفسها مِن براثن هذه الثقافة البدائية، تكمن في أن الديانتين المسيحية واليهودية ظهرتا في منطقة مدنية ذات حضارة عريقة، حيث كانت ثقافة شعوب تلك المنطقة ثقافة مدنية منفتحة ومتسامحة ومُسالمة، بينما الثقافة الصحراوية الآتية من الجزيرة العربية هي ثقافة قبلية قاسية ومُتزمّتة، مبنية على الإرهاب والعُنف وفرض كل شيء بالقوة. مِن هنا ندرك أنّ عملاً كبيراً وصعباً ينتظرنا لكي ننجح في إزاحة الثقافة البدوية من عقولنا وإيجاد ثقافة عصرية مؤمنة بِعلو قيمة الإنسان وحقّه في إختياره نمط حياته كما يشاء دون فرضه مِن قِبل الآخرين، بِشرط ألّا يضرّ أو يؤذّي ذلك الإختيار الآخرين وألّا يضرّ مصالحهم.إذن، العامِل الرئيس والأساس لِفقدان لُغة الحِوار والمناقشة في المجتمعات العربية والإسلامية وطُغيان روح الإرهاب والعنف والقتل والكراهية والإقصاء والإلغاء في هذه المُجتمعات، هو سيادة الثقافة البدوية على هذه المجتمعات التي إكتسبتْ هذه الثقافة نتيجة إستمرار وقوعها تحت هيمنتها لِفترة تمتدّ لأكثر من أربعة عشر قرناً.هناك أسباب أخرى لِطُغيان الثقافة الشمولية على فِكر هذه المجتمعات، إلا أن تلك الأسباب هي عبارة عن إفرازات متأتية من تجذر الثقافة البدوية في نفوس الإنسان العربي والمُسلم. من هذه الأسباب، الحروب التي تعرّضت لها هذه الشعوب و حالة القلق والهلع التي يعيشها المواطن في مثل هذه الظروف ووقوع هذه المجتمعات تحت رحمة حكومات دكتاتورية تقوم بِمسخ شخصية الإنسان العربي و المُسلِم و حُرمانه مِن التعليم و الصحّة ومِن التفاعُل مع الحضارات العالمية. الظروف الإقتصادية السيئة التي يعيشها الإنسان في ظلها في هذه المجتمعات، تؤدي الى أنْ يسود الفُقر والمرض وزرع اليأس والكراهية في قلوب الإنسان. عامِلٌ آخرٌ لِطُغيان الثقافة الشمولية على فِكر هذه المجتمعات هو قيام الحكومات الشمولية بِتخصيص مبالغ ضخمة على أبواقِها الدعائية من خلال الإذاعة و التفلزيون و الصحافة الورقية و الإلكترونية و الكُتب و غيرها، لِتوجيه المواطِن والتأثير عليه و خير مثال على ذلك هو سيطرة حُكّام آل سعود على الإعلام العربي، حيث يصرِفون أموالاً ضخمة من موارد البترول السعودي على تلميع صوَرِهم و نشر فكر المذهب الوهابي الداعي الى العُنف والإرهاب.الثقافة البدوية المتجذرة في نفوس الشعوب العربية والمُسلِمة، جعلتْها تُدافِع عن إستمرار عبوديتها و تخلّفها. إنها حقاً كارثة إنسانية أن ترغب الشعوب في المحافظة على قيودها وتقف ضد مَن يُحاول تحريرَها من تلك القيود وأن تُدافع عن سجّانيها وجلّاديها. نعم، يجب ألّا نستغرب من ذلك لأن هذه الشعوب أسيرة ثقافتِها البدائية. نحن جميعاً وبدون إستثناء، نُعاني من مرض الثقافة البدوية التي تربّينا في كَنفِها. صحيح أن الكثير منّا يدّعي بِمُحاربة هذه الثقافة المُتخلّفة و إستئصالها من عقولنا ونفوسنا، إلا أنها تعيش في دواخلنا وفي عقلنا الباطن. نقول شيئاً يُخالف هذه الثقافة، إلا أننا نتبعها ونُطيعها ونعمل ضمن حدودِها في حياتِنا اليومية العملية. الى الآن، بِمُثقّفينا وكُتّابنا، نُحبّ سماع الإطراء وكلمات التملّق ولا نقبل النقد والرأي المُخالِف وتعيش في دواخلِنا الأحقاد وروح الإقصاء والعُنفِ بالرغم من أننا نملأ الدُنيا ضجيجاً حول مدى تقدميتنا وليبراليتنا وديمقراطيتنا وإنسانيتنا. نحن مرضى نفسيون ونحتاج الى عمل جبّار ومضنٍ والى كثير من الوقت الذي قد يمتدّ لعدة أجيال، لكي نتمكن من التخلّص من ثقافتِنا البدوية ونصبح أناساً سويين وعصريين.